
هل العراق دولة عنصرية؟
حسين القطبي
تهجير الكورد الفيلية وقتل شبابهم ومصادرة املاكهم ليست جرائم عنصرية... هذا ما يكرره الاصدقاء الوطنيون كلما طالبنا بتفسير لاسباب الجرائم التي ارتكبت بحق هذه الشريحة المبعدة. ينفي الاصدقاء صفة العنصرية عن هذه الجرائم لكي لا يقال ان العراق بلد عنصري.
وانا اريد ان اجاريهم، فالمسؤول عن الجرائم هو شخص صدام، ولنقل ان صدام حسين لم يكن عنصريا، فقد توزعت جرائمه على الجميع، وان كانت بمستويات متفاوته.
اما اليوم، وقد ازيلت اثار الحقبة البعثية، فاعيدت حقوق العشائر، والاحزاب المعارضة، والشخصيات التي تركت النظام قبيل سقوطه، ويجري الحديث عن استيعاب واعادة البعثيين، او المصالحة "الوطنية الشاملة" كما يطلقون عليها، اي ان جميع الفئات العراقية سوف تصل الى حقوقها، حسب ما تدعي الحكومة العراقية على الاقل. الا القوانين التي تتعلق بالكورد الفيلية.
ماتزال نفس القوانين والاجراءات الجائرة، التي سنها البعثيون، من استمرار مصادرة المنازل، الى سحب الجنسية الى منع عودة العوائل المهجرة، الى رفض الكشف عن مصير العشرة الالاف مغيب، الى منع التعليم باللغة الكردية في مناطق الفيليين في بدرة ومندلي وخانقين... الخ
هذا يعني ان الحكومة لا توزع ظلمها بالتساوي، كما فعل صدام غير العنصري، بل تركز على الكورد، والفيلية على وجه الخصوص؟ ولنا ان نتساءل هنا، هل هذا ظلم الذي يركز على عنصر معين دون غيره هو ظلم عنصري، ام لا؟ يعود الاصدقاء الوطنيون وينفون ذلك.
تراعي الحكومات التي تلت انقلاب ما بعد التاسع من نيسان عند تشكيل وزاراتها، تخصيص وزارة للمهجرين والمهاجرين، وتحرص على ان يكون الوزير من الكورد الفيلية، من المرتبطين بالتيار الديني غالبا، ولكن لا مصطلح المهجرين ولا المهاجرين يشمل ملايين الكورد الفيلية الذين بدأ النظام البعثي بتهجيرهم منذ العام 1971 وابنائهم الذين ولدوا في المهاجر.
فقامت هذه الوزارة باعادة المهاجرين من سكان الاهوار الذين لجأؤوا الى الجمهورية الاسلامية في ايران بعيد تغيير التاسع من نيسان.
وقامت هذه الوزارة بمتابعة احوال المهاجرين العرب في سوريا والاردن، واعادة المهاجرين من مصر على نفقة رئاسة الوزارة، كما اعادت الدور السكنية الى المهجرين بسبب احداث التناحر الطائفي التي وقعت في بعض مناطق الاختلاط السكاني، لكنها لم تكلف نفسها بعد كل هذه السنوات ولو بزيارة رمزية لتفقد العوائل المهجرة في مخيم ازنا، الذي وفرته الحكومة الايرانية للمهجرين الكورد.
واذا سألنا الاصدقاء، هل ممارسات هذه الوزارة ممارسات عنصرية، ام لا؟ فانهم يصرون على النفي ايضا.
على سبيل المثال افادت احصائية الوزراة لشهر شباط-فبراير ان "ممثل الوزارة في دائرة شؤون الجنسية في بغداد جلال اسماعيل قال انه تم منح ( 2474 ) شهادة الجنسية العراقية لطالبي التجنس لاول مرة ، بعد ان قضوا مدة التجنس في العراق ، وكذلك من سحبت عنهم الجنسية العراقية في فترة النظام السابق، وايضاً اصدار بدل شهادة جنسية لـ (274 ) طالب تجنس. وأضاف اسماعيل أنه تم أيضا منح شهادة الجنسية العراقية لـ ( 166) من طالبي التجنس من العرب لاول مرة وبدل ضائع لـ ( 24 ) شخصا عربيا."
وبينما تمنح وزارة الداخلية الجنسية العراقية لطالبيها من اتباع الدول العربية، لكنها ماتزال تصر على العمل بقانون اسقاط الجنسية عن الكورد الفيلية، والاصدقاء يصرون على ان هذا الاجراء غير عنصري.
حتى القضاء، السلطة المستقلة حسب الدستور الجديد، مايزال يضع العراقيل امام الكردي الفيلي الذي يطالب بامواله، او بداره المصادرة من قبل النظام السابق، ويشترط عليه شراء داره من جديد من غاصبها، بينما اعاد دور كبار المجرمين البعثيين وطرد من استولى عليها، وهذا الاجراء غير عنصري ايضا، من وجهة نظر الاخوة.
الغريب ان البعض من هؤلاء الاصدقاء يشكون من عنصرية الدول الاوربية، لمجرد ان البعض من المهاجرين قد تاخر النظر في طلبات لجوئهم لشهر او اثنين، او لأن المستشفى الفلاني قد اخر احضار المترجم المجاني للمراجع العربي، او ان بلدية المدينة الفلانية لم تطبع تعاليم الحصول على دار مجانية باللغة العربية.
فاذا اعتبرت البلدان الاوربية، بكل هذه التسهيلات التي تقدمها للاجنبي على انها بلدان عنصرية، فكيف اقتنع بان البلد الذي يعامل صاحب الارض بكل هذا التمييز ليس بلدا عنصريا؟
الملايين من الكورد الفيلية، في داخل وخارج العراق، يعانون شضف العيش بسبب السياسات التمييزية التي تتبعها الحكومات العراقية قبل وبعد التاسع من نيسان. والسؤال المشاكس الذي يتحرش بضمائر الاصدقاء بعد هذا هو "هل العراق بلد عنصري؟"