
حلم الدولة الكردية
4 شهادات من كردستان تروي لـ «الشرق الأوسط» الإمكانيات الحقيقة لوطن للكورد
مقاتلون ومقاتلات كورد من شرق كردستان معارضون لحتلال ايران في أحد جبال كردستان
(تصوير: هيوا عزيز)

عبد الباقي يوسف الاتحاد الوطني من غرب كردستان
أحمد دنيس حزب العمال الكردستاني شمال كردستان
فريد أسسرد الاتحاد الوطني الكردستاني جنوب كردستان
السليمانية هيوا عزيز
على مدى تاريخه الطويل لم يعرف الشعب الكردي، الذي يزيد تعداده حالياً على 40 مليون نسمة، دولة مستقلة. وظل هذا الشعب منذ اضمحلال الدولة الميدية قبل نحو 3000 عام جزءًا من أمم أخرى، أو نجح في إقامة إمارات متناثرة في أحسن الأحوال في إطار دول أكبر سادت المنطقة مثل الدولة الإسلامية أو الدولة العثمانية، كإمارة البابانيين قرب السليمانية وإمارة أردلان وامارة سوران وإمارة بوتان وامارة وبهدينان ثم إقامة ولايات مثل ولاية شهرزور وعاصمتها كركوك الحالية وولاية الموصل وغيرهما. لكن فكرة تشكيل دولة كردية مستقلة لم يكن يشغل الوعي الكردي أو هاجسه بل لم يكن مطروحاً بالأساس كضرورة أو حتى رغبة ثانوية، ذلك أن مفهوم الدولة الحديثة لم يكن قد ظهر أو وصلت أفكاره إلى المنطقة حتى نهايات القرن التاسع عشر، حيث بدأ الكثير من الدول في الظهور بالمنطقة وفق نظام حديث. لكن القيادات الكردية وقتذاك، رغم إمكاناتها، ظلت منشغلة بقضايا ثانوية صرفت اهتمامها عن هدف تحقيق حلم إقامة الدولة الكردية المستقلة، التي ظلت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية ومن بعدهما إيران وتركيا الحديثتان تحاربان بشدة أي جهد أو مسعى في ذلك الاتجاه. ورغم أن بعض الفرص المواتية تهيأت للكورد بعد الحرب العالمية الأولى لرسم ملامح دولتهم المستقلة، في إطار المعاهدات والتحالفات الدولية والإقليمية التي سادت وقتذاك، إلا أن القيادات الكورد، وفي مقدمتهم الشيخ محمود الحفيد، اكتفى بإقامة مملكته الصغيرة في السليمانية، والتي لم تدم طويلا، وانهارت سريعاً بعد حرب دامية مع قوات الاحتلال البريطاني التي قضت على الإمبراطورية العثمانية في المنطقة وكل الكيانات المتحالفة معها ومن ضمنها مملكة الحفيد الذي أخفق في اغتنام واستغلال الأجواء والمشاعر التي سادت وقتها لانتزاع الاعتراف بحق الكورد في امتلاك دولتهم.

وهكذا انهارت أول دويلة كردية مستقلة إثر اصطدامها بواقع التقسيمات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، في ظل عدم انتباه الملك الكردي الأول محمود الحفيد إلى أن العصر الجديد يتطلب رؤى وسلوكيات جديدة، فحدث أن حصل الأتراك على دولتهم، فيما ظل الكورد بلا كيان سياسي مستقل بل قسم ارض الكورد بين أربعة بلدان وهي تركيا وإيران والعراق وسورية.

واليوم، وبعد مرور نحو قرن على تلك التجربة التي تبعتها محاولات أخرى لتأسيس الدولة الكردية مثل جمهورية كردستان في «مهاباد» التي أسسها القاضي محمد في كردستان الشرقية عام 1946، والتي سرعان ما انهارت بعد ان تحالف قوى الشر ضد الدولة الفتية فإن حلم الكورد امتلاك الدولة المستقلة على أرض كردستان الكبرى ما برح يراود الكثير من الكورد، فيما يبقى السؤال الأزلي قائماً: ترى هل يتحقق تلك الدولة؟ الكثير من الساسة والمثقفين وأصحاب الرأي من الكورد في أجزاء كردستان يجمعون على أن ذلك الحلم ليس بالمستحيل ومن الممكن تحقيقه لو توفر له المناخ السياسي الإقليمي والدولي المناسب، بينما يرى البعض الآخر أنه سيبقى حلماً عسير المنال لجملة من الأسباب الجيوسياسية، فيما يتنبأ آخرون بقيام أكثر من دويلة كردية مستقلة أو شبه مستقلة في أجزاء كردستان الأربعة على المدى القريب في ظل المستجدات والتحولات السياسية المتوقعة والمرتقب حدوثها في الشرق الأوسط الجديد خلال العقدين المقبلين.

فريد أسسرد، القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في جنوب كردستان ، ومقره السليمانية، يرى أن فكرة تشكيل أو إقامة دولة كردية كبرى مستقلة تضم الأجزاء الأربعة من كردستان ما برح أمراً نظرياً. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن مقومات بناء مثل هكذا دولة ما برحت غير متوافرة على أرض الواقع في الوقت الراهن إطلاقاً. ويمضي إلى القول «أعتقد أن تلك المقومات الأساسية لبناء أية دولة سوف لن تتوافر حتى في المستقبل البعيد أيضاً لجملة من الأسباب لعل أبرزها هو أن العالم سيشهد تحولا في العقود القليلة المقبلة يجعله معتمداً على الجغرافيا الاقتصادية عوضاً عن الجغرافيا السياسية كما هو الحال الآن». ويؤكد أسسرد، الذي أجرى أبحاثاً عديدة في هذا الميدان، أن فكرة إقامة الدول الكبرى المستقلة أثبتت فشلها بالنسبة للعديد من الشعوب التي سبقت الكورد في ذلك الاتجاه مثل الأتراك الذين فشلوا في إقامة الإمبراطورية التركية العظمى من الصين إلى البحر المتوسط وغيرهم لتضم العرق التركي في كل مكان. ويتابع أسسرد «في منتصف التسعينات من القرن الماضي قدمت بحثاً بخصوص الجغرافيا السياسية لكردستان أوضحت فيه أن إقامة دولة كردية مستقلة في جنوب كردستان أمر عسير جداً، لأنه يتطلب تغيير خارطة مهمة من العالم، كما أن الدولة المذكورة حتى لو أقيمت فإنها ستكون معزولة عن العالم لعدم امتلاكها منافذ على البحر». ويعرب أسسرد عن اعتقاده ببروز دويلات كردية عديدة في أجزاء كردستان الأخرى، ولكن على المدى البعيد لا سيما أن الخطوة الأولى قد اتخذت في ذلك الاتجاه ممثلة بالكيان السياسي والإداري القائم في جنوب كردستان والذي هو أشبه بدولة مستقلة في مضمونها وجوهرها، لكنه يؤكد أن عامل الربط بين تلك الدول الكردية على الصعيد الاقتصادي مستقبلا سيكون ضعيفاً جداً، وستبقى تلك الدول مرتبطة بالأنظمة المركزية في كل من طهران وتركيا وبغداد. ويعرب أسسرد عن اعتقاده بأن السياسة في العالم أجمع ستخضع خلال العقود القليلة المقبلة لمنطق وحكم الاقتصاد، فالدول الكردية إن نشأت ستكون بلا شك دول فقيرة اقتصادياً، وتلك ستكون أبرز وأهم مشكلاتها، ناهيك عن جغرافيتها السيئة التي ستتأرجح دوما كفة جيرانها، مما يجعلها خاضعة باستمرار لإرادة وتأثيرات دول الجوار، وبتعبير أدق ستبقى فكرة إقامة الدولة الكردية المستقلة مجرد حلم غير قابل للتحقيق.

لكن الدكتور جزا توفي طالب، أستاذ الجغرافية السياسية بجامعة السليمانية، يعتقد أن جميع المقومات المطلوبة لقيام الدولة الكردية المستقلة متوافرة على أرض كردستان مثل الحدود الجغرافية والشعب والاقتصاد والمنافذ البحرية، لكن الظروف والمناخ السياسي غير مؤاتيين إطلاقاً لرسم ملامح تلك الدولة في الوقت الراهن، لا سيما أن الدول التي تتقاسم أرض كردستان فيما بينها ما برحت ترفض مبدأ الاعتراف ولو بحكم ذاتي هامشي للكورد ضمن دولها، ويرى أن دولا مستقلة عديدة في العالم لا تمتلك المقومات التي يمتلكها جنوب كردستان بمفرده ومع ذلك فهي دول تتمتع بالاستقلال في ظل المناخ السياسي المتاح لها مثل كوسوفو.
ويستطرد الدكتور طالب قائلا «أعتقد أن وصول الإصلاحيين إلى سدة الحكم في إيران، والمعتدلين في تركيا، من خلال الانتخابات القادمة، وحدوث التطورات الجيوبوليتيكية في سورية ستسمح بإقامة كيانات سياسية في غرب الكردستان، وتحديداً في تركيا الساعية إلى نيل عضوية الاتحاد الأوروبي الذي يشترط عليها بدوره الإقرار بحقوق الأقليات القومية أولا. وفي إيران أيضاً تلوح في الآفاق بوادر كيان مماثل في ظل حكم الإصلاحيين المحتمل، وستكون هذه الكيانات المرتقبة بمثابة الخطوة الأولى نحو إنشاء الدولة الكردية المستقلة على المدى البعيد. وأكرر أن تركيا ستكون المنطلق نحوها ولكن إقامة الدولة الكردية الكبرى يبقى حلماً صعب المنال من الناحية الجيوبوليتيكية».
لكن حسين يزدان بنا، نائب رئيس حزب (آزادي – الحرية) شرق كردستان ، الذي يتزعمه علي قاضي محمد نجل مؤسس جمهورية كردستان الكردية في كردستان الشرقية، يجزم بأن من حق الشعب الكردي امتلاك دولته المستقلة على أرضه طبقاً للقوانين الدولية. ويؤكد أن كردستان تمتلك كل المقومات المطلوبة لتكون دولة مستقلة كغيرها من دول العالم. ويقول «الدسائس والمؤامرات والمصالح الدولية كانت ومابرحت العائق الرئيس أمام قيام الدولة الكردية، والدليل على ذلك هو ما حصل لمملكة الشيخ محمود الحفيد وجمهورية كردستان التي أسسها القاضي محمد».
ويشدد يزدان بنا، على أن أهم الشروط الضرورية لقيام أي دولة هو إرادة وقرار الشعب نفسه، وملاءمة العوامل والظروف الخارجية التي لم تكن لصالح الكورد حتى الآن. ويمضي إلى القول «لولا وجود الإنجليز ومصالح الدول العظمى في الشرق الأوسط لنجحت الإمارات الكردية البابانية والبوتانية والأردلانية في تأسيس الدولة الكردية الكبرى، كما أن الفرص القليلة جداً التي أتيحت للكورد عبر التاريخ وخصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى لم تستثمر كما يجب، من قبل الساسة الكورد نحو إقامة تلك الدولة».
ويؤكد نائب رئيس حزب آزادي الكردي في شرق كردستان أن السياسات الدولية في عصر العولمة الراهن ليست مناهضة لتطلعات الشعوب الساعية إلى امتلاك دولتها المستقلة، ومن الممكن استثمار هذا الظرف المؤاتي لتحقيق حلم الكورد شريطة أن تتوافر الإرادة السياسية الكردية الموحدة. ويستطرد قائلا «تأسيس الدولة ليس قدراً مكتوباً على جباه الكورد بل هو هدف ينبغي للكورد وقواهم السياسية العمل على تحقيقه، وبوسعنا فعل ذلك، شريطة توافر الإرادة السياسية الصلبة والموحدة، أما في المرحلة الحالية فإن إقامة هذه الدولة ليست ممكنة لأسباب كثيرة. ولكن متى ما تخلى الساسة الكورد عن أحلامهم وطموحاتهم الخاصة في النفوذ والسلطة فإن 40 مليون إنسان لا شك أنهم سيستطيعون إقامة دولتهم.

وهو ما يوافقه أيضاً عبد الباقي يوسف عضو المكتب السياسي لحزب (يكتي – الاتحاد) الكردي في غرب كردستان الذي يؤكد أن امتلاك الشعب الكردي لدولته المستقلة حق وليس حلماً غير قابل للتحقيق ولكنه منوط بالتطورات المستقبلية التي ستحدث في المنطقة والتي ستعيد رسم خارطة العلاقات القائمة بين شعوب الشرق الأوسط ودولها وستفضي إلى إقامة روابط بين جميع أجزاء كردستان. ويتابع «الدول لا تؤسس على أساس العواطف والرغبات بل على المقومات الأساسية مثل الجغرافية والاقتصاد وغيرهما، وهي موجودة في كردستان، لذلك أعتقد أن مستجدات المستقبل، ولكن على المدى البعيد، ستسمح بنشوء عدة دول كردية في المنطقة، تؤدي في المحصلة النهائية إلى قيام الدولة الكردية الكبرى المستقلة».
لكن الأمر يبدو مختلفاً الآن بالنسبة لحزب العمال الكردستاني في تركيا الذي ظل ينادي بالدولة الكردية الكبرى من بدء كفاحه المسلح في عام 1984، فقد اختزل الحزب مطلبه في إقامة الدولة الكبرى، إلى نظام كونفدرالي يضمن الحقوق القومية والثقافية للكورد الذين يربو عددهم على 10 ملايين نسمة في كردستان الشمالية.
ويرى أحمد دنيز مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب أن الانتخابات البلدية التي جرت في تركيا قبل أيام أفرزت بوادر تبعث على التفاؤل وتوحي باحتمالات أن تحمل معها حلولا ديمقراطية وسياسية عادلة للقضية الكردية في تركيا.
وأضاف دنيز في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من معقله في جبال قنديل الشاهقة المحاذية للحدود الإيرانية: إن شعب كردستان التي تقاسمت أرضه دول المنطقة إثر معاهدة لوزان بعد الحرب العالمية الأولى، ما برح الشعب الوحيد الذي لا يملك دولته المستقلة في المنطقة رغم أن تعداده يزيد على 40 مليوناً. وتابع يقول «إننا في حزب العمال نرى أن النظام الكونفدرالي القائم على أساس ضمان حرية وحقوق الشعب الكردي هو الحل الأمثل للقضية الكردية ليس في تركيا وحسب بل في جميع أجزاء كردستان كما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية المتقدمة، رغم أن الحزب ما زال يؤمن بحق الشعب الكردي في امتلاك دولته المستقلة، لكن استراتيجية حزبنا السياسية في المرحلة الراهنة لا تهدف إلى إقامة الدولة المستقلة التي تتطلب مقومات ومناخاً خاصاً لا يتوافر لدينا حالياً، لا سيما أن الدولة المستقلة لا تعني بالضرورة الحرية والانعتاق بالنسبة للشعوب، والأهم بالنسبة لنا هو أن ينال الكورد حريتهم وينعموا بالديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان أولا ومن ثم يقرر الشعب الكردي بنفسه طبيعة الكيان السياسي الذي يريد». أما الكاتب والسياسي الكردي المعروف نوري بريمو فيعتقد أن تأسيس الدولة الكردية «ليس حلماً مثيراً للجدل وإنما هو حقيقة ملموسة يُثار النقاش حولها لا من أجل تعكير صفوة الأجواء بل بفضل وجوديتها وواقعيتها وازدياد ألقها وحضورها بشكل فعلي في ساحتنا يوماً بعد آخر»، على حد وصفه. ويمضي بريمو في حديثه إلى القول «إن الدولة الكردية ليست حلماً وإنما هي مسار سياسي تتوسع دائرة أصدقائه لأنه يستمد قوته من تضحيات أهله، وفي كل الأحوال استطاع الجانب الكردي أن يُثبت عبر التاريخ أنه طرف ينحاز نحو العقلانية في خطابه السياسي وأدائه العملي، وأنه لا يراهن على حرق المراحل لأنه يحترم جيرانه.. ويؤمن بأحكام التاريخ والجغرافيا المفروضة عليه ويحتكم لمقولة: مظالمٌ فخصامٌ فتهدئة فحوار فتوافق ومن ثم البحث فيما يستحقه من حقوق وما يترتب عليه من واجبات».
لكن سامي داود الباحث المعرف في مؤسسة «سردم» الثقافية من غرب كردستان يؤكد أن تأسيس الدولة الكردية مرتبط بالجغرافيا في المقام الأول، بمعنى أن الأمر يتطلب أولا تحرير الرقعة الجغرافية الكردية ليقام عليها الكيان المستقل. ويرى أن الطبيعة الجغرافية في المناطق الكردية بغرب كردستان لا تسمح إطلاقاً بخوض الكفاح المسلح كما في أجزاء الاخرى من كردستان، إلى جانب الشرط السكاني أو الكثافة السكانية لكل من الاجزاء الأربعة. وفي ضوء تلك المعطيات يعتقد داود أن أي محاولة من جانب الكورد لامتلاك دولتهم سيجابه بمعارضة شديدة من جانب دول المنطقة ليس حباً في إبقاء الكورد ضمن أطر تلك الدول قسراً بل لأن منابع المياه والطاقة تكمن معظمها في أرض كردستان بأجزائها الأربعة ـ على حد تعبيره.