
كورد العراق وتحديات سنة انتخابية حاسمة
شيرزاد اليزيدي
على وقع السنة الانتخابية العراقية ومع انحسار النزاع الشيعي - السني وتراجع العمليات الإرهابية لتنظيم القاعدة وغيره من حركات "المقاومة" سواء "الشريفة" منها أو غير الشريفة أخذت حكومة نوري المالكي في العزف على مختلف الأوتار الداخلية والإقليمية المناوئة للقضية الكردية في العراق والمنطقة عامة لتؤمن لنفسها "شرعية" قائمة على النفخ في "البعبع" الكردي تتيح لها إعادة إنتاج نمط حكم الزعيم الأوحد وتفرد الحزب القائد في عراق ما بعد صدام والبعث الأمر الذي تقف التجربة الكردية حجر عثرة أمامه وأمام كل المحاولات النكوصية الرامية إلى إعادة الاعتبار إلى مفاهيم الزعامة الفردية والأحادية والمركزية واحتقار وتهميش المكونات الأخرى للعراق وفي مقدمها القومية الكردية التي هي الآن دستوريا شريك أساسي في العراق الجديد الذي يشهد محاولات جدية للانقلاب عليه بما هو دولة ديموقراطية فيدرالية ثنائية القومية إلى دولة مركزية أحادية القومية لا ترى في الديموقراطية إلا صندوق الاقتراع ضاربة عرض الحائط كل قيم التعددية والشراكة والمساواة والعلمنة التي تشكل جميعها مداميك تأسيسية لأي معمار ديموقراطي راسخ وناضج في العراق .
وهكذا وبدلا من أن تعمد حكومة المالكي إلى استثمار التحسن الأمني وخفوت العنف الطائفي لإطلاق عملية بناء وتنمية شاملة وتكريس أجواء الوحدة والمصالحة الوطنيتين عبر حل وتسوية كافة الملفات والمعضلات العالقة التي تشكل قنابل موقوتة وعلى رأسها قضية كركوك وغيرها من المناطق المستقطعة من كردستان يتم استحضار الخطاب القوموي العنصري الذي لطالما كان معتمدا في التعاطي مع القضية الكردية منذ تأسيس الدولة العراقية بل ويتم التمهيد حتى لترجمة هذه التوجهات الارتكاسية إلى ممارسات استبدادية منافية للواقع العراقي الجديد ولأبجديات الدستور الدائم الذي ينظم العلاقة بين الحكومتين الإقليمية الكردية والاتحادية العراقية ويشرعن التجربة القائمة في إقليم كردستان بوصفها رافعة البناء الفيدرالي العراقي وتكفي الإشارة هنا إلى مساعي المالكي لتأسيس مجالس إسناده العشائرية في إقليم كردستان عبر الاتصال ببعض الجهات العشائرية الكردية المتعاونة مع نظام صدام ضد الحركة الكردية إبان العهد السابق فضلا عن محاولاته المتمادية للالتفاف على مبدأ وواقع الشراكة العربية - الكردية وتحديدا على المادة 140 من الدستور التي يشكل تنفيذها ضمانا لصون هذه الشراكة وتكريسها عبر إزالتها في حال تطبيقها مفاعيل سياسات التعريب والتهجير والتطهير العرقي الممارسة بحق الكورد في العراق على مدى عقود ورغم حرص الجانب الكردي على عدم الانجرار إلى ردات فعل متسرعة ومتشنجة على هذه التوجهات الخطيرة التي لا تستهدف التجربة الكردية فقط بل هي تمثل في واقع الحال تهديدا لمجمل عملية التحول الديموقراطي في بلاد الرافدين عبر مواظبة القيادة الكردية على حراكها السياسي العقلاني وتأكيد التزامها بالدستور لحل الخلافات مع بغداد ولاسترجاع المناطق الكردستانية المعربة إلا أن التفوق النسبي لقائمة المالكي في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة ربما يشكل حافزا للتمادي في اللعب على وتر مواجهة "الخطر" الكردي خاصة وأننا على أبواب الانتخابات العامة نهاية العام الجاري ( التي ستفرز خارطة تحالفات واصطفافات سياسية جديدة ) وذلك لإثارة هواجس عرب العراق واستثارة عصبيتهم القومية لحصد أصواتهم عبر محاولة افتعال صراع عربي - كردي بما يشكل غطاء لتمرير الأجندات الخفية للقوى المناوئة للديموقراطية وللحقوق الكردية في المربع العراقي - التركي - الإيراني - السوري فقد نجحت وللأسف النظم الحاكمة في الدول المقتسمة لكردستان والى حد كبير في تكريس صورة نمطية مشوهة عن الكورد في لاوعي شعوبها لدرجة بات معها رفع لواء مكافحة الطموحات الكردية في الاتحاد الاختياري والتعايش السلمي وبطريقة شعبوية عنصرية فاقعة أسهل الطرق لتولي زمام قيادة الجماهير وحماية الوطن وهنا فان القيادة الكردية في العراق مطالبة بترسيخ التحالف الاستراتيجي أكثر فأكثر بين الحزبين الرئيسيين ( الديموقراطي والاتحاد ) ولعل الخطوة الأهم في هذا الصدد هي توحيد الوزارات الثلاث ( الداخلية والمالية والبشمةركة ) في حكومة كردستان والشروع في طرح دستور كردستان على الاستفتاء الشعبي لإقراره بما يوطد التجربة الكردية ويمأسسها ويطورها في وجه التحديات المتصاعدة حولها والمضي في التشديد على كون الكورد شركاء في حكم العراق يمثلون رقما صعبا في المعادلتين العراقية والإقليمية ولا يمكن تهميشهم وإقصائهم ببضعة شعارات قوموية وتصريحات تحريضية كتصريح السيد علي الأديب القيادي في حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي مؤخرا والذي ذهب فيه إلى حد الدعوة إلى "إنهاء انفصال كردستان عن العراق" الأمر الذي لم يدعو إليه حتى نظام صدام بكل جبروته ودمويته على مدى أكثر من عقد عندما أقام الكورد منذ 1992 برلمان وحكومة إقليميين في كردستان العراق وبعيد هذه الدعوة "التحريرية التوحيدية" كان رئيس كردستان يستقبل في مطار روما استقبال رؤساء الدول في ظل علم كردستان الذي كان يرفرف إلى جانب العلم الايطالي .
إنها وللمرة الألف المعضلة المزمنة إياها تطل برأسها معضلة وعي ماضوي متخشب لدى نخب ومجتمعات مأزومة عاجزة عن الاتعاظ من تجاربها الكارثية المتناسلة وفاقدة للرغبة أصلا في دخول العصر والخروج من دوامات العنف والكراهية والتسلط .