لماذا يتباكى الفاشيون العرب على احفاد هولاكو ويمجدونهم ........اعداء الكورد اغبياء تتساقط اقنعتهم الواحده تلو الاخرى ووقع اليوم قناع الشهرستاني .......ارتكب الارهابيون احفاد هولاكو حماقة جديدة اليوم بقصفهم بعض القرى التابعة لمحافظة دهوك .......لم يوفى حفيد مسيلمة الكذاب بعهده مثل سلفه الاشيقر .......مسابقة حول اوجه التشابه بين احفاد الضحاك واحفاد مسيلمةالكذاب واحفاد هولاكو تقيمها دار العلوم في موسكو

 

 

 

 

ما أشبه اليوم بالبارحة .!

شوكت خزندار

الجزء الأول

أقدم هنا تقييم عام لبحث مكرم الطالباني عن حزب هيوا، البحث الذي قدمته إلى القراء في حلقات متسلسلة والتي بلغت عدد حلقاتها 18 حلقة .

لقد لخص الباحث الدكتور مكرم الطالباني ، تجربته وتجربة جمعية ( داركه ر ـ الحطاب ) وثم حزب هيوا ، في الفقرة الأخيرة لبحثه القيم في ختام بحثه وقال :

(( ان تجربة حزب هيوا والاسباب التي أدت الى عدم استثمار نتائج الانتفاضة 1943 واخفاق ثورة 1945 في كردستان تثبت بما لا يقبل الشك ، ان أي حسن الظن بالامبريالية والاعتماد عليها سوف لا تكون نتائجه أحسن من النتائج التي وصل اليها حزب هيوا . ان طريق الاعتماد على الامبريالية طريق مسدود ، بينما طريق الكفاح ضدها طريق مطروق رغم عظم التضحيات التي يتطلبها . فعلى القوى القومية الكردية ان تتجنب السير في الطريق الذي سار حزب هيوا ، والذي أدى الى الاضرار بمصالح الشعب وتفككه وانحلاله . من جرّب المجرّب حلت به الندامة . ))

أولاً ـ نبذة مختصرة عن شخصية الدكتور مكرم الطالباني !

الدكتور مكرم الطالباني ، من المهتمين بالقضية الكردية تاريخياً ، فبالاضافة إلى انه كان أحد مؤسسي جمعية ( داركه ر ـ الحطاب) ومن الأوائل المؤسسين عندما تحول جمعية ( الحطاب ) إلى حزب هيوا في أول مؤتمر لها عام 1938 يختزن في ذاكرته وتجربته الطويلة والغوص عميقاً في جوهر القضية الكردية كاتباً وباحثاً ودارساً ، وأحتفظ بعلاقاته الطيبة مع قادة الحركة الكردية بشقيها ، الحزب الديمقراطي الكرستاني ولاحقاً منذ أن ظهر من على المسرح السياسي الكردي ( الاتحاد الوطني الكردستاني) بقيادة مام جلال الطالباني ، بعد أن أنشق هو وقيادته وفي المقدمة المرحوم إبراهيم أحمد . رغم توجيه للكثير من الانتقادات الصارمة تجاه القيادتين ( حدك وأوك ) ، وكان يختلف مع الكثير من توجهاتهم السياسية والممارسات الخاطئة لدى القيادتين الكرديتين على حد سواء .

وفي 19 ـ 20 / نيسان عام 1991 وعند حضور كل من السيدين مسعود البارزاني وجلال الطالباني عل رأس وفود حزبيهما إلى بغداد، أصرا قادة ( حدك وأوك ) على أن يكون الدكتور مكرم الطالباني ضمن وفود الكردية المفاوضة مع قادة الحكومة ورئيسها صدام حسين . رفض مكرم على أن يكون ضمن الوفد الكردي ، وطرح فكرة مشاركته في المباحثات كونه مراقباً ومساهماً ومساعدة الطرفين ، الحكومي والكردي والمشاركة في بلورة ما يتوصل اليه من الاتفاقيات بين الطرفين ... فتم الاتفاق مع مكرم على هذا الأساس .

كانت أهم مشكلة بين الطرفين ، الحكومي والكردي ، هي مشكلة كركوك ، طرح السيد مسعود البارزاني على تأجيل مشكلة كركوك كقضية قائمة تناقش مستقبلاً وذلك لخصوصية الوضع في كركوك والمعيقات التي تحول للوصول إلى اتفاق نهائي حول كركوك .

إلا أن الجانب الحكومي رفض رفضاً قاطعاً بحث قضية كركوك لا لاحقاً ولا مستقبلاً ... واتفقا الطرفان على بعض الصياغات العامة للمشاكل القائمة بين الطرفين ، اقترح الجانب الحكومي على إصدار بيان مشترك في 1/ 5 / 1991 ، رفض الوفد الكردي التوقيع على البيان المقترح من جانب الحكومة العراقية ، وقال السيد مسعود البارزاني : انهم سوف يعودون إلى كردستان ويطرحون مقترحات الحكومة العراقية على شعب كردستان وسوف يردون على طروحات الحكومة لاحقاً .

عند توديع الوفد الكردي إلى كردستان ، قال السيد طارق عزيز مخاطباً مسعود البارزاني ، عند عودتك إلى أربيل مّر عن طريق كركوك ، وأبكي هناك على كركوك كما بكينا نحن على القدس .؟

أجاب السيد مسعود : نحن لا نبكي على كركوك وانما نعمل من أجل إستعادة كركوك . !

بعد فترة وجيزة من عودة الوفد الكردي إلى منطقة كردستان ، زار مساعد وزير الخارجية الأمريكية كردستان ، على ما أتذكر جورجيان . طلب المبعوث الأمريكي من الكورد رفض أية اتفاقية مع الحكومة العراقية وتحديداً مع صدام حسين ... وهكذا توقفت الأتصالات بين الطرفين بصورة رسمية ، إلا أن الطرفين احتفظا بعلاقات معينة سراً،
فكان في بغداد يوجد مقر سري تابع لحدك في الكرادة خارج , ومقر آخر سري لجلال الطالباني وفتح كلا المقرين كانت بموافقة الحكومة العراقية .

وكان الرئيس العراقي صدام حسين ، يكلف الدكتور مكرم الطالباني بزيارة المنطقة الكردية والأتصال مع قيادة الكردية حاملاً معه مقترحات وطروحات صدام حسين بهدف التواصل في العلاقات والوصول إلى اتفاقات معينة لحل المشكلة الكردية سلمياً .

كان مكرم الشخص الوحيد عند علاقات النظام مع القيادات الكردية منذ أوائل الثمانيات من القرن الماضي يلتقي مع صدام حسين شخصياً وباستمرار ، فينقل آراء وأفكار صدام إلى القيادة الكردية السيد مسعود البارزاني والسيد جلال الطالباني عند سنوات العجاف ، تحديداً عند القطيعة بين الحكومة البعثية والقيادة الكردية خاصة بما عرف بالمنطقة الآمنة بعد عام 1991 . ووضع خط العرض والطول من قبل أمريكا وبريطانيا .

كان صدام حسين يبعث برسائله إلى مكرم فيكتب ( سري وشخصي ) ومكرم يطرح آراءه وأفكاره ومقترحاته في رسائل شخصية خاصة إلى صدام فيكتب ويقول ( سري وشخصي إلى صدام حسين ) .

عام 1995 ، زرت الدكتور مكرم ( كان معي بعض الرفاق ) وذلك في مسكنه الواقعة في حي البنوك في بغداد ، تحدث كثيراً عن تلك العلاقات الرسمية بينه وبين صدام حسين ، وأطلعني على عدد من تلك الرسائل المتبادلة بينه وبين صدام حسين ، أختار بعضاً من تلك الرسائل الشخصية من صدام إلى مكرم الطالباني ، ففي احدى تلك الرسائل بخط صدام يقول لمكرم :

( بلغ تحياتي للأخوة كاكه مسعود وجلال الطالباني ، ليقيموا أو يعلنوا عن دولتهم الكردية المستقلة ووعد شرف من صدام حسين ، سوف أكون أول من يعترف بدولتهم وأتبادل معهم العلاقات الدبلوماسية.) .

هذا التطور الهام لدى صدام حسين ، حدث بعد أن أصبح المنطقة الكردية شبه مستقلة عن المركز ولا أستطيع الجزم في صحة قناعات الرئيس العراقي في طروحاته الخطيرة ، إن كانت قناعة منه أم مناورة . وأنا أسجل هنا ما كان يطرحه صدام حسين في رسائله الخاصة فقط .

وللمقاربة والمقارنة من بعض القيادات البعثية ، ومن يتفق معهم من شخصيات وكتاب ، حيث ينكرون بل يحتجون حتى على استخدام أسم كردستان . ناهيك عن ذكر حق تقرير المصير وإقامة الدولة الكردية مستقبلاً ... وللأسف هناك من يقول ، عند تحرير العراق فالكورد لا يستحقون حتى الحكم الذاتي ، فيهددون ويتوعدون الشعب الكردي وليس القيادات الكردية الحالية .

وعند مشكلة كركوك ، تحدث مكرم بشئ من التفصيل في احدى لقاءاته مع صدام حسين قال :
( صدام يقول : سوف نقسم كركوك ، من جسر خاسة وما فوق إلى الكورد وما تبقى من محافظة كركوك ترتبط بالمركز ... ) يضيف مكرم فيقول قلت :

( يا سيادة الرئيس هل تريد بناء جدار برلين في كركوك ؟
صدام يقول : ماذا نفعل ، من خلال العمليات العسكرية ندفعهم إلى وراء الحدود وبعد أشهر قليلة ، ثلاثة أو أربعة أشهر يعودون ويمارسون نشاطاتهم العسكرية ولهم عمق 300 كيلو متر خارج حدود العراق ... وأنا مقتنع في حل القضية الكردية بالطرق السلمية ولا حل عن طريق العمليات العسكرية . )

وأنا أفسر كلام صدام حسين عند ذكر 300 كيلو متر ... يعني بالضرورة اعترافه بكردستان الكبرى بالضد من المتعصبين والشوفينيين من الذين نكروا أو ينكرون واقع الشعب الكردي ، هكذا أرى ان صدام حسين كان متقدماً في أفكاره وآرائه ليس فقط عن قيادة الدولة وحزبه حسب ، بل عن الكثير من منظري وكتاب البعث أو مؤيديهم خاصة في زمن الاحتلال ... وكلامي هذا قد لا يعجب البعض ، ولكن الحقيقة شيئ وأصحاب التعصب القومي الأعمى والطائفيون الدخلاء من شتى الاشكال والأوان ، أقصد تحديداً أحزاب العربية فهو شيئ آخر .

ثم تحدث الدكتور مكرم عن احدى لقاءاته مع السيد مسعود البارزاني وجلال الطالباني ، عند نقل رسالة صدام حول إقامة الدولة الكردية ، يقول جلال الطالباني لمكرم : ( ماذا طبخ لنا صدام حول إقامة الدولة الكردية ... وهل أخذ رأي الأمريكان بذلك ؟ ثم يطرح مام جلال سؤالاً إستفزازياً على مكرم قائلاً له : أستاذ مكرم ، ماذا يعني حزب البعث العربي الاشتراكي ؟

( يجب مكرم الطالباني فيقول لمام جلال : حزب البعث يعني الاتحاد الوطني الكردستاني وصدام يعني جلال الطالباني . ! يسكت مام جلال دون أي تعليق . ) ثم استفسرت وقلت لمكرم : أين المشكلة ؟ ولماذا لا توافق القيادات الكردية على طروحات صدام حسين ؟

أجاب : ( المشكلة ليست لدى القيادات الكردية ، المشكلة هي الإدارة الأمريكية ، ! فالإدارة الأمريكية تمنع الكورد لقبول أي حل مطروح من قبل صدام حسين !،

وتوضحت هذه الحقيقة بصورة جلية ، عام 1994، عند الاشتباكات والقتال الدامي بين الطرفين ( حدك وأوك ) عقد الاتحاد الوطني الكردستاني ، ندوة سياسية في مدينة السليمانية ، كان المتحدث هو: السيد نوشيروان زعيم ( كوملة = العصبة ) المتحد مع حزب مام جلال ، وتسمية الاتحاد الوطني الكردستاني عبارة عن اتحاد الحزبين المذكورين ... خلال الندوة يسأل أحد كوادر الاتحاد الوطني فيقول لنوشيروان : لماذا نحن مع الحصار الأمريكي على العراق ؟
يجب نوشيروان : فيما لو وقفنا ضد الحصار ، علينا الرحيل ونغادر العراق وكردستان مع حقائبنا الشخصية فقط . !

اطلعتُ على وقائع ندوة السليمانية عام 1994 شخصياً من خلال شريط فيدو ، صوت وصورة ... ومن المفارقات الغريبة جداً ، يقف السيد بهاءالدين نوري ويسأل نوشيروان قائلاً له : لماذا لا تستعينوا وتجلبون الشرطة الدولية لفض الاشتباك بينكم ؟

بصورة غير لائقة يجيب نوشيروان ، ويرفع يده اليمني من الاعلى إلى الأسفل ويقول لبهاءالدين نوري : أكعد ... أكعد ... هذا طلع منك وخبرتك في القيادة طيلة حياتك السياسية ؟!

حدث هذا عام 1994 من قبل أحد أبرز القيادات الشيوعية العراقية . وهناك من يسأل مستغرباً : لماذا اتفقت القيادة الشيوعية الحالية مع الإدارة الأمريكية قبل الحرب على العراق ، عندما التقى السيد حميد مجيد موسى مع ممثل المخابرات المركزية الأمريكية ( C.I.A) ، جرى اللقاء بين الأثنين في أواخر كانون الأول لعام 2000 وأوائل كانون الثاني لعام 2001 في احدى الغرف التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية ، كشف هذا الأمر الشخصية القيادية الكردية الدكتور محمود عثمان حيث نقل نصاً : ( كنت التقي مع ممثل المخابرات المركزية الأمريكية في احدى الغرف داخل وزارة الخاجية الأمريكية ، وعند انتهاء لقائي خرجت من الغرفة وجدت في قاعة الأنتظار السيد حميد مجيد موسى ، ارتبك الرجل ونهض فوراً سقطت منه حقيبته الدبلوماسية وتبعثرت أوراقه خارج حقيبته على أرضية قاعة الأنتظار ... قلت له مبتسماً : لا ترتبك يا رجل كلنا في هذا الدرب، لمّلم حميد موسى أوراقه ودخل الغرفة والتقى مع ممثل المخابرات المركزية الأمريكية) عند مغادرة حميد موسى واشنطن عاد عن طريق لندن ، ظهر موسى على شاشة تلفزيزن ( ANN ) يوم 19/1/2001 في برنامج ( قناديل في الظلام ) مدير الندوة هو الدكتور ( محي الدين اللاذقاني ) عرف موسى نفسه كسكرتير للحزب الشيوعي العراقي . ثم أردف قائلاً : " إنه يذهب إلى أمريكا ويلتقي مع الخارجية الأمريكية والبريطانية . محي الدين اللاذقاني يسأل : ما هو موقفكم تجاه الحصار ؟

أجاب السيد حميد مجيد : (( نحن مع رفع الحصار عن العراق ، لكن بشرط أن تكون عوائد نفط العراق بيد وتحت إشراف الأمم المتحدة)). هذا الجواب كان جزء من طلبات ممثل المخابرات المركزية الأمريكية وأحد الشروط لقبوله كمعتمد لديهم هو اعلان موقفهم الرسمي عن الحصار وعوائد النفط تحت تصرف الأمم المتحدة ،

في لقائه التلفزيوني مع ( ANN ) الكثير من الاحاديث والشجون والارتباك الواضح لدى السيد موسى ... من يريد المزيد من الاطلاع على مجريات اللقاء مع موسى العودة إلى أرشيف شاشة ( ANN) بالتاريخ أعلاه .

فبعد ان كانت القيادة الشيوعية تراوغ وتحاول اللف والدوران حول موقفهم الرسمي من الحصار والعدوان على العراق ، أجبرتهم المخابرات المركزية الأمريكية في إعلان موقفهم الرسمي وعلناً كما كانت القيادات الكردية لا تخفي موقفها من الحصار والعدوان ، وكما جاء بوضوح تام من على لسان نوشيروان كما أسلفت .

هذه هي نتاج التحريفية السوفيتية في تربية وصقل قياداتنا الشيوعية وللامانة التاريخية أثبت وأنوه هنا ، كنت قد سمعت ولأول مرة ، كلمة التحريفية السوفيتية على لسان القائد الشيوعي البارز والمعروف ، منصور حكمت ، ولم أخف شعوري بالمرارة آنذاك عندما سمعت منه عبارة ( التحريفية السوفيتية ) ، ولم أكن أوافقه ، بل كنت مستاءً من تلك العبارة . ولم نكن نجرأ في التفوه بتلك العبارة ، أي التحريفية السوفيتية ... فالحياة زكت طروحات منصور حكمت ، فتحية الأكبار والاجلال له ولنظرته الثاقبة أقول هذا بعد هذه السنوات الطويلة.

ومكرم الطالباني إنسان يتسم بالجراءة الفائقة والصراحة المعهودة...
لقد انتقد بشدة المرحوم مصطفى البارزاني عند عودته إلى الوطن بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ، وبعد أن تولى البارزاني رئاسة الحزب الديمقراطي الكردستاني ، بعد الإطاحة بقيادة السكرتير العام لـ ( حدك ) المحامي المرحوم ، حمزة عبدالله عام 1959

وكان مكرم هو الذي نفذ قانون الاصلاح الزراعي وتوزيع أراضي كبار الاقطاعيين الكورد في كردستان العراق عام 1961 بالضد من رغبة وطلبات كبار الأقطاعيين الكورد وزياراتهم المتكررة إلى بغداد ودعوتهم لإلغاء قانون الإصلاح الزراعي أو تأجيل تنفيذ قانون الإصلاح ولو بصورة مؤقتة ، فترأس مكرم وفداً كبيراً من الوزارة وزار كردستان وأشرف بنفسه على تنفيذ قانون الإصلاح ووزع الأراضي على الفلاحين ، عندما كان مفتشاً عاماً في وزارة الاصلاح الزراعي بعد ثورة تموز عام 1958.

وهنا أريد أن أوضح المسألة التالية : ان أكبر الاقطاعيات امتلاكاً للأراضي الزراعية ومن القرى والبساتين هم بيت الجاف في كردستان . وبعدهم يأتي بيت بلاسم ياسين في محافظة الكوت، وهذه المعلومة مسجلة في سجلات وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي . وهنا يتبن ايضأ ، دور الاقطاعيات الكردية في تحطيم واجهاض الانتفاضات الكردية المسلحة بالتعاون مع الرجعية والدوائر الامبريالية وفي المقدمة الانكليز .

ومكرم كان المفاوض مع قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي مع أمين السر للقيادة البعثية البكر ، قبل أكثر من شهرين في تولي البعث السلطة في 17 / 7 / 1968م .

ومكرم الطالباني ، كان أحد المصادر الأساسية لدى قيادة الحزب الشيوعي العراقي ، عند رسم سياسات الحزب فيما يتعلق بالقضية الكردية ، وكثيراً ما كان يتقاطع أراءه وأفكاره مع رأي وأفكار القيادة الشيوعية فيما يتعلق بالقضية الكردية .

وقد خالف بشدة ، عند إقدام قيادة عزيزمحمد في المشاركة مع قوات الحكومة في الحرب والعدوان على الحركة الكردية المسلحة بقيادة المرحوم مصطفى البارزاني ، عامي 1974 ـ 1975 . فكان يعتقد ويقول : إن مشاركة الحزب في الحرب ضد الكورد، سوف تشكل تراجعاً استراتيجياً لخط ومواقف الحزب تجاه القضية الكردية سياسياً وتنظيماً . وهذا ما حدث على أرض الواقع … ومن جانب آخر كان يرفض توجهات القيادة الكردية الرسمية بشدة ، خاصة إرتباط قيادة الحركة الكردية مع إيران الشاه والإعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية والرجعية العربية المتمثلة ببعض الكيانات العربية الرسمية .

وبسبب تعارض آراءه وأفكاره في الكثير من المواقف الرسمية للقيادة الشيوعية ، حجب عنه دون أي وجه حق ، لأنضمامه في عضوية اللجنة المركزية ، في الوقت الذي كان هنالك أعضاء في اللجنة المركزية من أشباه الأميين لا يحلون ولا يربطون مجرد لكونهم جماعة " موافج " لتوجهات عزيزمحمد ، ومن جماعة (أخرس وأطرش وأعمى ). ؟ هذا الأسلوب والتوجه المرفوض من قبل مكرم دوماً .

ففي المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي العراقي عام 1976 ، أدرج أسم الدكتور مكرم في قائمة عزيزمحمد وتم ترشيحه لعضوية اللجنة المركزية ، بعد أن أحرج صدام حسين في احدى اجتماعات اللجنة العليا للجبهة الوطنية عزيزمحمد قائلآ : هل من المعقول ان ممثلكم ووزيركم في الحكومة ، ليس عضواً في اللجنة المركزية ، هذا ما ورد في محضر اللجنة العليا للجبهة ورئيسها صدام حسين ، وكنت الشخص الثالث في الحزب بعد عزيزمحمد وباقر إبراهيم ، أستلم وأطلع على محاضر اللجنة العليا للجبهة وأدفعها للطبع بعدد أعضاء اللجنة المركزية ، بعد ان يتم حذف العديد من المعلومات الهامة والخطيرة وحجبها عن أعضاء اللجنة المركزية ، كما كان هذا الأسلوب جاري عند طبع محاضر للمكتب السياسي . أي جماعة " موافج " . ؟
ان مسيرة هذا الرجل ودوره القومي والوطني في خدمة بلده ، تعكس مطبات وانكسارات حركتنا الوطنية ، والتي تتحمل مسؤليتها قيادات وضعت مصالحها ومن تمثل فوق مصالح الوطن والشعب .

**************

كلمة لابد منها :

وللأسف الشديد ، أقرأ بين فينة وفينة مقالات أو طروحات معينة من قبل عدد من الكتاب الشيوعيين لا يمكن الشك في إخلاصهم وحبهم للحزب وتأريخه النضالي الطويل ، المليئة بالمطبات والانكسارات والتراجعات والمراهنات الخاسرة ... وهؤلاء الرفاق يجهلون كلياً الأسرار الكامنة وراء اتخاذ القرارات ورسم السياسيات المذلة بحق القاعدة الحزبية العريضة وشبكة الكادر المتقدم في الحزب . فيصفون البوح وكشف الكثير من الخطايا ، بالروايات والأفلام الكاوبوي الأمريكي ... الخ .

إنني هنا لا أخاطب القاعدة الحزبية وشبكة الكادر المتقدمة ولا حتى أعضاء اللجنة المركزية المغفلين ... وانما عدد من الاعضاء في المكتب السياسي ، لجهلهم التام عن خلفيات وحدوث الحركة الانشقاقية في 17 / 9 / 1967م ومن هم الابطال الحقيقيون للحركة الانشقاقية ( القيادة المركزية ) .

وأثبت هنا أيضاً ، ان الأكثرية الساحقة من القاعدة الحزبية وشبكة الكادر الحزبي في صفوف الحركة الانشقاقية كانوا شيوعيون مخلصون لحزبهم ومستقبل حزبهم واسترخصوا حياتهم الغالية من أجل الأهداف النبيلة للشيوعية ، فاستشهد من استشهد وأعدم من أعدم ومن أجبر على ترك العمل السياسي من خلال الاعتقال والتعذيب الوحشي من قبل أجهزة النظام السابق وعلى يد المجرم ( ناظم كزار)
تحديداً وباوامر من صدام حسين .

ولابد هنا التنويه إلى : ان الصراع الدامي بين الحزبين ، الشيوعي والبعث كان صراعاً طبقياً حاداً ، بين ممثل البرجوازية الصغيرة وهو حزب البعث ، وبين قيادة الطبقة العاملة وهو الحزب الشيوعي العراقي ... كان قيادة صدام حسين وحزبه واعياً لهذا الصراع ، وقيادة الحزب الشيوعي كانت قد انسلخت عن الطبقة العاملة منذ أن فقد الحزب قائده " فهد " ، وكانت القيادة الشيوعية ( بعد فهد ) تسلك سلوكاً انتهازياً متذبذباً كأنها تمثل البرجوازية الصغيرة ، ولو عدنا إلى الوراء أي منذ صبيحة ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ، وحتى اليوم تدل بصورة قاطعة انسلاخ القيادة الشيوعية عن الطبقة العاملة العراقية ... وهنا أعيد إلى الذاكرة ما كتبته في جريدة ( النضال ) وكنت أتولى اصدارها في دمشق حتى عام 1983، كتبت نصاً :

(( ان حزبنا الشوعي العراقي قد فقد الهوية الطبقية منذ زمن بعيد ، ويكاد أن يفقد الهوية الوطنية أيضاً . .. ))

وفي رسالتي المؤرخة في 18 / 9 / 1990 الموجهة إلى عزيز محمد ومكتبه السياسي كتبت نصاً : ـ

(( ان ما قام به المدعو فخري كريم منذ ان وصل إلى بيروت عام 1979 وسلمته كامل أمور قيادة الحزب ... خلافاً للنظام الداخلي للحزب بالكامل . ولا أذيع سراً أن قلت ان 90% من أعضاء وكوادر الحزب تركوا أو طردوا أو استقالو من الحزب ، كانت نتيجة منطقية لتلك السياسات والممارسات اللاشرعية واللا أصولية وخرق فظ للنظام الداخلي وقواعد العمل في حياة الحزب الداخلية . وبعكس ذلك،
جمع هذا الجمع من الوصوليين وإسناد المسؤوليات على أساس المحاباة الشخصية وتطعيم قيادة الحزب بعناصر هزيلة ومن ذوي العاهات السياسية في أكثر الاحيان ... الخ وضمنت رسالتي هذه ما كتبته في دمشق عام 1983 حول فقدان الحزب هويته الطبقية ... ))

وهنا لابد من التنويه أيضاً وللتوضيح فقط ، لما يكتبه بعض الشيوعيين الوطنيين قائلين ( لا يجوز كتابة الروايات عن القيادات من الذين ماتوا .. الخ )

إنني أتحدث عن هذه المواضيع ، لا من خلال الرويات أو السماع ، انما أروى الحقائق عن دراية وكنت لصيقاً بقمة القيادة الحزبية واستلمت السيد عزيز الحاج منذ عودته للوطن في أوائل عام 1967 وعشنا تحت سقف واحد حتى حدوث الحركة الانشقاقية في 17 / 9 / 1967 ، وبعد 40 يوماً من الحركة ( القيادة المركزية ) أي بعد حجز السيد عزيز الحاج وعضو آخر من مكتب القيادة المركزية ( خضر زاخولي ـ قتل لاحقاً على يد القيادة المركزية في كردستان منطقة برسرين ) داخل الوكر الحزبي السري ( السجن الرفاقي ) لمدة ثلاثة أيام متتالية .

فهل يصح وصف الحقائق الدامغة ، بالرويات وافلام ( الكاوبوي ) يا ترى ؟ ان الذي يريد أو يبدي حرصاً على الحزب ومستقبله عليه ان يتعرف على حقائق الأمور ، لقد قلت فيما سبق ، ان الحب الرومانسي والدروشة الحزبية ، لم ولن يخدم الحزب ، خاصة صورة الحزب الحالية .

عندما كتبت مذكراتي ، تحت عنوان ( سفر ومحطات ) لم يكن أحدهم قد فارق الحياة من الأعضاء في المكتب السياسي ، وهنا أريد الاشارة الى المرحوم زكي خيري ، لقد رجاني في وقته أن لا أذكر اسمه في كتابي بعد أن زودني بمعلومات قيمة دونتها في كتابي دون ذكر اسمه ومن اطلع على كتابي خاصة السيد عزيزمحمد يعلم جيداً ان الكثير من المعلومات الخاصة هي معلومات المرحوم زكي خيري فيما يتعلق بالمالية وموضوع فخري كريم زنكنة منذ أعوام 1976 و 1977... وأنا لا ألوم موقف المرحوم زكي خيري عندما أصر على عدم الاشارة الى اسمه ، فالمرحوم زكي كان أمين عام مساعد للحزب وأراد الحفاظ على مكانته المرموقة في الحزب وفي الوقت نفسه كان حريصاً على كشف الكثير من الأمور الخاصة خدمة لمستقبل الحزب.

والرفيقان ، باقر إبراهيم الموسوي وآرا خاجادور وهما أعضاء في المكتب السياسي سابقاً ، كانا يملكان الجرءة والصرامة بعد اعطائي معلومات قيمة ومن ثم قاما بتصحيح الكثير من المعلومات الدقيقة ولم يطلبوا مني عدم ذكر اسمائهما في كتابي .

***********

وهنا أحاول أن أقدم تقييماً شاملاً عن تجربة حزب هيوا والحركة القومية الكردية المسلحة ، وعندما أتعرض وأعود إلى الماضي البعيد لا أبغي مطلقاً الإساءة إلى أحد أطرافها اطراف هذه الحركة أو شخصياتها، وانما أريد عكس التجارب المريرة كما هي في تاريخ الحركة القومية الكردية للجيل الحالي والاجيال القادمة دون رتوش أو تزويق، وسوف أذكر الحقائق كما هي وأمل أن أوفق في تقديم صورة واضحة من تاريخ الحركة القومية الكردية المسلحة .

وإني أرى ، ان ما يجري حالياً في العراق عامة ، وعلى الساحة الكردستانية خاصة ، لا يبشر بمستقبل زاهر يخدم حقوق شعبنا الكردي الأبي في نيل الحقوق القومية المشروعة ... فالعودة وبعين فاحصة لمجمل تجربة الحركة القومية الكردية السابقة ، تؤشر في تكرار ما حدث عام 1975م وذلك في الانهيار التام للحركة القومية الكردية ، بمجرد زوال الاحتلال ولا يمكن الاعتماد على الوعود والتطمينات المقدمة من قبل الادارة الامريكية ـ البريطانية بأي حال من الاحوال ، بقدر ما تتوائم وتتماهى حركتنا القومية مع المصالح الاساسية للشعب العراقي عامة ، كحركة مكملة للنضال الوطني العام وحريصة على اواصر هذا الترابط العضوي في بناء عراق ديمقراطي تزدهر في ظله كل مكوناته الوطنية ، اي اننا يجب ان نحسم اشكالية الهوية ، يجب الاعتراف بالقومية الكردية كقومية قائمة بذاتها ولها حقوق كشعب وأمة كما للقومية العربية والأمة العربية في عراقنا وكما نريد ، وكما يجب ،أن يكون الانتماء بعيدآ عن المصالح الفئوية والحزبية ، كالأحزاب الكردية أو الأحزاب العربية ، فالوطن للجميع والمواطنون جميعاً ، مواطنون من الدرجة الأولى .

 

أن الدول المعنية كالعراق وإيران وتركيا ، كانوا يدخلون في اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية ، عسكرية وسياسية وأمنية ضد الشعب الكردي فيحرقون الأرض والانسان دون رحمة أو شفقة عند قيام الانتفاضات المسلحة في كردستان العراق أو تركيا أو إيران ... ولأغراض سياسية وعسكرية
كما تمتاز الحركات القومية المتعصبة العنصرية المشبعة بروح العداء الصارخ تجاه القوميات الأخرى المتعايشة في وطن واحد خاصة إذا كانت القومية الأخرى الحقت قسراً بفعل القوى الخارجية المعادية لهذه القومية أو تلك ، كما فعلت وتفعل الدوائر الاستعمارية البريطانية في مراحل تأريخية معينة وهنا أعني تحديداً في اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916 ، فتم تقسيم كردستان بين العراق وسورية وتركيا وايران وفق المصالح الاستعمارية البريطانية والفرنسية .

 

فالعودة إلى تاريخ شعبنا الكردي السحيق من معاناة وسلب أبسط الحقوق القومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتجريد الانسان الكردي حتى من أبجديات اللغة ، ناهيك عن حقهم لكتابة تاريخيهم وأدابها وشعرائها ، إلى ما هنالك من حقوق مكتسبة للإنسان تاريخياً لنرى كيف تعاملت العناصر القيادية التركية العنصرية المتعصبة، وفي أبشع الأشكال الشوفينية تجاه الشعب الكردي في السلوكيات والممارسات... هنا أقتبس فقرة عن ما كتبه الدكتور إسماعيل بيشيكجي في مؤلفه الموسوم ( كردستان مستعمرة دولية ـ ترجمة إلى اللغة العربية الأستاذ زهير عبد الملك ) ) في الصفحات 50ـ 51، ولابد أن أشير إلى أهمية طروحات بيشيكجي كونه أحد أبناء الشعب التركي فيقول :

(( ألقى اتاتورك في الثلاثينات خطاباً أمام أعضاء جمعية تاريخ تركيا شرح فيه وجهات نظره حول حروب التحرير التي خاضتها أمم البلقان ضد الإمبراطورية العثمانية . وتساءل : " لماذا خسرنا شعوب البلقان " وقدم الإجابة على هذا السؤال بنفسه مؤكداً على ان شعوب البلقان كانوا قد أسسوا معاهد للبحوث السلافية وأعدوا دراسات مفصلة عن لغاتهم وآدابها وتاريخهم وثقافتهم . وذكر بوضوح أن هذه الأعمال والمناقشات التي دارت بصددها إنما أدت إلى ولادة وعي قومي بين هذه الشعوب كان وراء ثوراتها ضد عثمانين . ))

أيضاً يتحدث إسماعيل بيشيكجي في مؤلفه الصادر عام 1990 باللغة التركية ،كتب يقول :

(( قبل 35 عاماً عندما وصلت إلى جنوب شرقي تركيا ( ديار بكر ، إشارة مني ) رأيت بعيني وشاهدت بنفسي شعباً له لغة وتاريخاً وتقاليد تختلف عما لدينا نحن الأتراك ، وهذا الشعب لا يحمل الأسم الذي يطلقه عليه الأتراك ، فهو لا يسمي نفسه أتراك الجبال وإنما يسمي نفسه نحن كورد .)) انتهى الأقتباس .

أما كردستان الشرقية فقد كانت خاضعة منذ القرن السابع عشر ( 1639م ) للهيمنة الفارسية . وقادة الفرس العنصريين قمعوا بصورة وحشية جميع انتفاضات الكورد ضد الظلم وانكار أبسط الحقوق القومية المشروعة للكورد ،من أجل نيل حقوقهم القومية وإستقلالهم الناجز في إقامة دولتهم المستقلة بقوة الحديد والنار دون وازع أو ضمير . تحت ستار الدين وبأسمه ، ففي عهدالشاه ، تم القضاء على جمهورية مهاباد الكردية الديمقراطية عام 1946، وظلت قادة الجمهورية الاسلامية تتمسك بنفس أساليب الشاه المقبور وتوجهاته ، بل وبقسوة أشد من زمن الشاه ... ففي عام 1979 سحقت انتفاضة الكورد بوحشية وبأساليب بربرية فقصفت مدينة مهاباد التاريخية عاصمة الجمهورية الديمقراطية سابقاً ، بطائرات أف 16 الأمريكية ، تلك المدينة البطلة التي لم يتجرأ شاه إيران في قصف المدن الكردية بطائرات حربية .

كما قمعت الانتفاضات المسلحة التي نشبت في كردستان الجنوبية بقيادة الشيخ محمود البرزنجي ومن بعده الانتفاضة المسلحة في بارزان ، من قبل الحكومة العراقية الملكية الرجعية العميلة بمشاركة القوات البريطانية المدججة بشتى أنواع الأسلحة الثقيلة وطيرانها عندما كانت بريطانية تحتل العراق .

كما تم القضاء على الانتفاضة المسلحة في كردستان الشرقية أيضاً بقيادة سمكو ، والانتفاضة المسلحة قي كردستان الشمالية بقيادة الشيخ سعيد وإحسان نوري وسيد رضا . لقد قمعت كل هذه الانتفاضات في بحر من الدماء ولا سيما من خلال العمل المنسق والعمليات العسكرية المشتركة التي قادها الإمبرياليون البريطانيون وعملاؤهم الاقليميون في إيران وتركيا والعراق .

أشار الباحث الدكتور مكرم الطالباني فكتب وقال :

(( ولد حزب هيوا في المؤتمر الأول والأخير ( كونفرانس ) لجمعية دار كه ر( الحطاب ) الذي انعقد في حزيران عام 1938 في كركوك تلك الجمعية التي أسسها عدد من طلاب الثانوية المركزية بكركوك في النصف الأول من شهر أيلول عام 1937 )) .

ثم قال : (( ظهرالخلافات الفكرية والسياسية داخل الحزب التي ظهرت منذ السنوات الأولى لتأسيسه بين القيادة اليمينية للحزب برئاسة رئيس الحزب السيد رفيق حلمي وبين مجموعة من المثقفين التقدميين الذين كانوا يشكلون الأكثرية فيه ، والتي أدت إلى تأسيس ( لجنة الحرية ـ ليزنه ي ئازادي ) في بارزان من قبل عدد من الضباط التقدميين برئاسة المرحوم مصطفى البارزاني .))

فلابد أن أشير وأقول : منذ بدايات انبثاق جمعية ( داركه ر ـ الحطاب) ومن ثم تأسيس حزب هيوا كانت للخلافات الحادة بين أقطاب حزب هيوا ، وهو الموقف من الاستعمار البريطاني ومن الاتحاد السوفيتي ظاهرة للعيان . لذا إني أعتبر ان حزب هيوا حمل معه أسباب موته واضمحلاله في نهاية المطاف ولهذا كان ذلك شيئاً طبيعياً ولم تكن مفاجئة للمعنيين من الباحثين والدارسين لتجربة وأنشطة حزب هيوا، رغم المحاولات الحثيثة من جانب حملة الأفكار التقدمية وأنصار الاتحاد السوفيتي في ردم والقضاء على البون الشاسع بين الاتجاهين ، اليمين واليسار داخل حزب هيوا.

هنا أريد أن أشير إلى قضية في غاية الأهمية القصوى ، وهو الخطأ القاتل في توجه عدد غير قليل من قيادات حزب هيوا اليسارية الثورية ، كما يسميهم الأستاذ الباحث مكرم الطالباني ، في جعل المرحوم مصطفى البازاني ، رئيساً على رأس ( لجنة الحرية )، فالمرحوم البارزاني ، لم يكن يوماً من الأيام يعتمد على الأعمال الحزبية وهو غير مقتنع أصلاً بالحياة الحزبية والتعديدية الحزبية ، فالروح الفردية والتسلط على الآخرين حتى على القيادات العشائرية وعلى الأقطاعيين ناهيك عن القيادات الحزبية كما جرت بالنسبة للجنة الحرية .

الجزء الثاني .


ومرة أخرى ، أرى من المفيد الاشارة إلى :

حدثنا السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي العراقي ، السيد عزيز محمد ، كما حدثني شخصياً عن الحوار الذي دار بينه وبين المرحوم مصطفى االبارزاني على أثر وصول حزب البعث الى دفة السلطة في 17/7/1968 قال :

( عند لقائي مع البارزاني ، طرحت أهمية وضرورة العمل الوطني المشترك وعن أهمية إنبثاق الجبهة الوطنية بيننا وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعدد آخر من القوى الوطنية على الساحة العراقية ... خلال ساعة كاملة وأنا أتحث مع المرحوم البارزاني ، وهو مستمع بانتباه شديد ، وبعد أن انتهيت من حديثي طلبت وأنا أنتظر بفارغ الصبر والرغبة أن أسمع رأي البارزاني . )

( المرحوم البارزاني ، لم يكن من المدخنين ، ولا يحمل " السبحة " كما هو سائد بين الكورد ... والبارزاني يحتفظ دوماً بشدة من قصب الأشجار بطول خمسة عشر ( سنتم ) ، ويحمل سكينة صغيرة حادة تسمى باللغة الكردية " قلم بر " أي مبرد أقلام الرصاص ... خلال فترة حديثي معه كان يبرد تلك الأغصان ، ويحتفظ في كفه الايسر الغصن المبرد ( المكشطة ) ... ثم قرب كفه إلى الفم ونفخ على الخشب المبرد ... فانتشر مبرد الأغصان على أرضية الغرفة وسكت .. وأنا بانتظار الجواب على ما طرحته حول أهمية العمل الوطني والجبهة وبعد أن سكت البارزاني برهة من الزمن دون أن يصدر منه أي كلام ، طلبت منه جواب على ما طرحته لمدة ساعة وأنا أتحدث معه .

فإذا ببرزاني يقول : لقد أجبتك عندما نفخت على براد الغصن ... انك تتحدث عن الحزب والأحزاب ، أي حزب تتحدث عنه ، فجميع تلك الأحزاب التي تتحدث عنها سوف تطير بمجرد نفخة مني . ) طبعاً يقصد بضمنهم الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسته . ؟

هذا هو بالتمام والكمال ، وجهة نظر المرحوم مصطفى البارزاني حول العمل الحزبي والأحزاب ، بالمناسبة جميع القيادات الحزبية لحزب هيوا على معرفة تامة بوجهة نظر البارزاني حول العمل الحزبي ، ولم يكن توجهات البارزانيي خافية على تلك الشخصيات والقادة الحزبيين ، وإني أعتقد عندما كان المرحوم رفيق حلمي ، يحاول بشتى الطرق في نقل مقر حزبه إلى منطقة بارزان ، كان على دراية تامة بوجهة نظر البارزاني حول العمل الحزبي وقيادته ، رغم إنني متفق مع وجهة نظر الباحث مكرم حول يمينية المرحوم رفيق حلمي وتوجهاته ومحاولاته للاتفاق مع الحكومة الملكية والدوائر البريطانية المتنفذة في العراق ، للحصول على مكاسب شخصية وابراز نفسه كزعيم العظيم ـ كما قال مكرم عنه . فهذا الأمر شيئ ، والحديث عن قناعات البرازني حول الحياة الحزبية شيئ آخر ، هذا هو قناعاتي ووجهة نظري من خلال ما أكتسبته من تجربتي والحياة السياسية . فلقد سمعت الكثير وقرأت الكثير أيضاً عن شخصية المرحوم مصطفى البارزاني ، ولقد لخص السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي عزيزمحمد ، عندما سألته في احدى المرات أعطائي ملخص تصوره بشخصية البارزاني فأجاب :

( مصطفى البرزاني كتلة من المتناقضات ، فهو له خبرة مكدسة في مجال العمل العسكري والكفاح المسلح وهو قدير من هذه الناحية وهو أيضاً قدير في موازانات للعمل السياسي ، وهو شديد التمسك بالفردية والاستبداد عند قيادته للحركة والعمل السياسي ، ويحتفظ دائماً بالعناصر الموالية له من شتى الاتجاهات السياسية والفكرية وعدد غير قليل من المرتبطين بالدوائر الخارجية كانت بريطانية أم أمريكية أو غيرها ... فالتعامل مع البارزاني في غاية الصعوبة .الخ) كما تحدث عزيز محمد .

بالمناسبة ، كان المرحوم البارزاني يحترم جداً عزيزمحمد ويقدره ، وكان عزيزمحمد يحظى بمقابلة البارزاني في أي وقت شاء دون أية مواعيد مسبقة ، وعزيزمحمد كان من القلائل جداً وهو يسير مع البارزاني جنباً إلى جنب ، والسكرتير للحزب الشيوعي السابق كان يتصرف مع البارزاني كما يريد الأخير هذا هو جوهر العلاقات بين الأثنين .

العودة إلى بحث مكرم أقول :

صحيح إن الحركة القومية الكردية جوهرها وطابعها ، ذات طابع تحرري وديمقراطي ، لأنها حركة انبثقت من أجل التحرر القومي وتحقيق طموحها المشروع في حق تقرير المصير وصولاً إلى تكوين دولتها الوطنية المستقلة والقضاء التام على واقع تجزئة وتقسيم أرض كردستان وتشتيت الشعب الكردي بين عدد من الدول المحاطة أو المجاورة لكردستان بفعل الاستعمار والاستعماريين ، الاستعمار البريطاني والفرنسي من خلال اتفاقية سايكس ـ بيكو ، عام 1916 وتصفية التركة للامبراطورية العثمانية ، كما تم تمزيق خارطة الشعب العربي وتكوين كيانات قطرية متنافرة ومتعارضة فيما بينها والقضاء على وحدة الأمة العربية ، وذلك من خلال وضع الحاجز الكمركي بين الاقطار العربية كافة ، وكما هو واضح ان وضع الحاجز الكمركي بين أبناء الشعب الواحد ( العرب ) هو أهم عنصر وعقبة لوحدة الأمة ، أية أمة ، كما نراها اليوم كواقع الحال بين الاقطار العربية ، فالقطرية والمصالح المتضاربة بين الاقطار العربية، السياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية منها، هي أهم العوامل المعيقة لوحدة الأمة العربية . وهذا ما ابتغته القوى الاستعمارية المعادية لوحدة الشعوب وتحررها منذ اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916 ، كما أشرت سالفاً .

ان ما ينطبق على الشعب العربي ( الأمة العربية ) ، ينطبق على الشعب الكردية والأمة الكردية ، بصورة أشد وأقسى لما جرى للأمة العربية ... فتم تقسيم الكورد وكردستان بين دول لها أطماعها وأهدافها للأستحواز على الموارد والخيرات الطبيعية الموجودة في أرض كردستان الكبرى ، إضافة إلى الاختلاف الجوهري بين القومية الكردية وبين الشعوب التي استولت على أقسام من أرض كردستان والمعادية أصلاً للقومية الكردية ، كالفرس والاتراك العنصريين .

لذا إني نوهت سابقاً من خلال مقالات وكتابات عدة ، ان الحليف الطبيعي والاستراتيجي للكورد والأمة الكردية ، هي الأمة العربية والشعوب العربية حيث ان المصالح المشتركة في التحرر القومي الناجز بين الأمتين العربية والكردية حاجة وضرورة أمام الأمتين العربية والكردية ، وهي متوفرة .

لقد مزقت خارطة كردستان ، شر تمزيق ، كما مزقت خارطة الشعب العربي أيضاً ... فكردستان الشرقية محتلة من قبل إيران ، وكردستان الشمالية محتلة من قبل الاتراك .

ونري أيضاً الأهواز العربية محتلة من قبل الفرس والإيرانيين، ولواء الأسكندرونة السورية محتلة من قبل الاتراك وتركيا العنصرية ،

ناهيك عن احتلال الجزر الثلاث الإماراتية ، طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى في زمن شاه إيران المقبور ، وإستمرار وإصرار الجمهورية الاسلامية الايرانية على الاحتفاظ بالجزر الثلاث الاماراتية ، كما نوهت أعلاه .

وهكذا إني أرى ان العامل المشترك والتحالف الاستراتيجي بين العرب والكورد، يفرض نفسه بقوة رغم الانكسارات والتراجعات والمواقف المعادية لعدد غير قليل من الأنظمة العربية القطرية تجاه طموح وأهداف الشعب الكردي في التحرر والاستقلال والاعتراف بحق الكورد في تقرير المصير وإقامة دولتهم الوطنية المستقلة ، فيجب وبالضرورة النظر إلى مواقف بعض الأنظمة العربية القطرية ، بانها وقتية وزائلة بمرور الزمن حيث تمثل هذه المواقف ، مصالح الفئات التي ارتبط مصير نظامها ومستقبله بالمصالح الامبريالية المتعارضة مع مصالح شعوبها في التحرر من التبعية والهيمنة ، مما يستوجب الاستمرار في النضال المشترك بين العرب والكورد ، حتى القضاء التام على عوامل التجزئة والتأخر للشعبين الشقيقين ، العرب والكورد ، وطرد المحتلين في عراقنا العزيز ، مع إقصاء اليمين المتطرف العربي وإقصاء الرجعية العربية وفضح وتعرية العملاء والمتواطئين مع الامبريالية وفي المقدمة الامبراطورية الأمريكية والمتعاونين والملتصقين مع رموز وأقطاب اليمين في الإدارة الأمركية ، وهذا الهدف النبيل لن يتحقق إلا بالنضال المشترك بين العرب والكورد والاعتراف المتبادل دون التشنج والتهرب من واقع الحياة ، فلا بد في نهاية المطاف الوصول إلى إقامة الدولة الكردية الوطنية المستقلة على أرض كردستان ومن أجل شعب كردستان ، عندما تتوفر الظروف المحلية والأقليمة والدولية لتحقيق هذا الهدف والطموح بالنسبة لشعبنا الكردي المناضل .

المرحوم مصطفى البارزاني فارق الحياة وهو يقول : أتمنى قبل الموت أن أري أو أسمع في اروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، مجرد ذكر الكورد وحقوقهم ؟ ومنذ سنوات والعالم انفتح أمام القيادات الكردية ماذا استفادت القيادات الكردية الحالية عن هذا الانفتاح بما يخدم الكورد عامة ؟... إنني هنا لا أبغي تحريض الشعب الكردي ، ولكن أليس من حق أبنائنا التساؤل حول هذه الأمور الحيوية ؟

وبعد هذا الاستعراض الموجز ، لابد من العودة إلى الموضوع الأساس ، وهو تجربة حزب هيوا كما تناوله الدكتور مكرم الطالباني في بحثه القيم .

يقول الدكتور مكرم : ((أن الحركات القومية التي تهدف إلى التحرر الوطني هي ، في الجوهر، ديمقراطية ، وتكون في مقدمة أهدافها تصفية العلاقات البالية التي تعرقل تقدم البلاد ، أعني العلاقات الإقطاعية . واذا وضعنا نشوء ونشاط حزب هيوا في إطاره التأريخي كما قال الدكتور عبدالستار ، لوجب علينا القول، أن حزب هيوا ولد وفي رحمه تلك الخلافات الفكرية والسياسية التي أدت إلى انهياره )).

وإني أتفق هنا على النتيجة التي توصل اليها الدكتور عبدالستارطاهر شريف ، بعد أن اطلعت وقرأت بإمعان ما أورده الباحث مكرم من تفاصيل دقيقة بمجريات الأمور الذي رافقت نضال حزب هيوا ومن التناقضات الحادة بين قيادة حزب هيوا اليمينية ، وبين المثقفين اليساريين المتأثرين بمآثر وانجازات ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى
ولقد أشرت إلى هذه النتيجة سالفاً .

وأرى أيضاً ، ان الطلاب من المثقفين واليساريين والثوريين أصحاب تأسيس جمعية ( داركه ر ـ الحطاب ) ، ومن ثم بعد عام واحد تحويل الجمعية في أول مؤتمر لها ، إلى كيان حزبي ، وهو حزب هيوا ، تلك القيادات الأوائل من الجمعية إلى حزب هيوا ، لم تكن مؤهلة لتحقيق الطموحات والمشاريع الكبيرة ، وقيادة الشعب الكردي في تلك المرحلة الحساسة والدقيقة لإحداث ثورة شعبية عارمة وصولاً إلى تحرير الكورد وكردستان ... وإني أجد هنا المثل التالي والذي ينطبق على قيادة حزب هيوا : إذا أجبرت رجلاً وقدرته هو رفع 50 كيلواغراماً من الحديد ، وحملته 150 كيلو غراماً ؟ من المؤكد يؤدي إلى كسر عموده الفقري ويصاب بشلل تام ثم الموت المحقق. وهذا ما تحقق لثورة حزب هيوا. !

فالأهداف الكبيرة التي حّملها حزب هيوا وفي تلك المرحلة التاريخية الصعبة ووجود القوات البريطانية في العراق وتنصيب حكومة ملكية رجعية عملية في العراق ، لا وظيفة لها سوى خدمة التاج البريطاني ومصالح بريطانيا الإستعمارية ، ومن أجل ذلك استوردت الحكومة البريطانية ملكاً من خارج العراق ونصبت حكومة عميلة لها فمارست حكومة نوري السعيد وتوابعها أبشع أساليب القمع تجاه شعب العراق عامة بما فيه الشعب الكردي بقوة الحديد والنار وأقلياته القومية المتآخية في وطن واحد ... وحزب هيوا وأقطابه فرضوا على أنفسهم، العزلة التامة ، وصنعوا سوراً صينياً بينهم وبين الحركات والاحزاب الوطنية العراقية ، صاحبة المصلحة الحقيقية المشتركة بين العرب والاكراد لتحرير العراق وتحقيق الاستقلال الناجز وانجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية بما في ذلك تحقيق الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي بدل القيام بحركة قومية معزولة عن الجماهير .

فقد كتب الدكتور مكرم قائلاً :

.. (( ففي الوقت الذي كانت أرصفة الشوارع تعج بالكتب الماركسية والقومية ، كانت القيادة اليمينية في حزب هيوا تعتبر وجود كتاب ماركسي لدى أحد الأعضاء سبباً كافياً لوضعه تحت الرقابة الحزبية والنظر اليه بعين الشك والريبة ، ومن ثم إيجاد الحجج لابعاده عن الحزب . )) .

وكتب الباحث مكرم أيضاً وقال :

(( ففي تلك الفترة ( 1937 ـ 1945 ) حدثت أحداث هامة في العالم وفي المنطقة . فقد نشبت حرب ضروس بين الفاشية والديمقراطية شملت العالم ( 1940 ـ 1945 ) أدت إلى انتصار الديمقراطية على الفاشية وهزيمة النازية فكرياً وسياسياً وعسكرياً ... الخ ))

لابد من الاشارة هنا الى الحرب العالمية الثانية لم تكن بين الفاشية والديمقراطية ، بل كانت حرب الاقطاب الراسمالية لاعادة ترتيب التقسيم العالمي للنفوذ الاقتصادي والسياسي ، وما الفاشية الالمانية الا عامل حاسم في اشعال هذه الحرب ، التي استغلتها قوى عديدة واطراف عالمية للتحشيد تحت شعارات زائفة ، افتضح امرها بمجرد ان وضعت الحرب اوزارها ، وكان للدور الدفاعي والهجومي فيما بعد، للاتحاد السوفيتي بالذود عن ارضه اضفى الصبغة التحررية لحربه ضد النازية وحلفائهم وكذلك بالنسبة للشعوب الاخرى ، وخاصة الشعوب المستعمرة والتي انخدع الكثير من طلائعها بوعود الدول الاستعمارية ، ومن هذه الشعوب ، الشعب الكردي وحزب هيوا.

وهنا لابد من التساءل : ألم يكن من الأجدر أن ينضم حزب هيوا وجماهيره الغفيرة ويلتحم بالقوى الديمقراطي على الساحة العراقية للمطالبة " بالحريات الديمقراطية " كما كتب الدكتور مكرم ؟ بدل خلق حركة قومية كردية مسلحة في الجبال والوديان ، دون أي سند حقيقي محلياً كانت أوأقليماً ودولياً ، فالكل كان متربصاً ومتآمراً للقضاء على الحركة القومية الكردية المسلحة ، ووجد الكثير من الاعداء في صفوف الشعب الكردي نفسه ، من اليمينيين والأقطاعيين ورؤساء العشائر الكردية صاحبة المصلحة الحقيقية لتلك الأوضاع السائدة حينذاك ، من كبار ملاك الأراضي من الذين كانوا يملكون عشرات الالأف من الدونمات للأراضي الزراعية عدى إمتلاكهم القرى والبساتين وعيون المياه العذبة ، مع حرمان 80% من الفلاحين الحالمين في الحصول على قطعة أرض صغيرة ليعيش الفلاح الفقير وعائلته في استغلال قطعة أرضه في الزراعة ليسد لقمة عيشه هو وعائلته . !

لم نجد ، أو لم يخبرنا الباحث مكرم ، عن امتلاك حزب هيوا برنامجاً نضالياً موثقاً في وثيقة رسمية صادرة عن قيادة حزب هيوا ، لكسب جمهور الفلاحين وذلك في المطالبة في توزيع الأراضي لكبار الأقطاعيات الكردية لصالح الفلاحين الفقراء ، بهدف تشديد النضال بين صفوف الفلاحين ضد الاقطاع ... أولم تكن تلك احدى الأدوات النضالية من جانب حزب هيوا للوصول إلى الأهداف المرجوة ؟

كيف يمكن لحزب القيام بثورة كردية وكردستان محاط بدول إقليمية معادية لأبسط الحقوق القومية وتحكم أجزاء من كردستان المقسمة ، كإيران وتركيا ، ناهيك عن أن حزب هيوا لم يستطع كسب جمهور الفلاحين إلى جانبه وهم يشكلون الأكثرية الساحقة من المجتمع الكردي وعكس ذلك كان الاعتماد على كبار الأقطاعيين ورؤساء العشائر الكردية ، صاحبة الثورة المضادة لثورة حزب هيوا ؟

في الوقت الذي انتبه حكومة نوري السعيد إلى هذه القضية الحيوية وذلك في مطالبته في توزيع بعض أراضي الاقطاعيين على الفلاحين بهدف كسب الفلاح إلى جانب حكومة نوري السعيد ، كما يخبرنا الباحث الفاضل مكرم الطالباني .

فكيف يمكن القول كما كتب الباحث :

((ان ملاك الأراضي ورؤساء العشائر قد خانوا الثورة ورفعوا السلاح ضد الحركة القومية الكردية المسلحة ، وانضموا إلى الأعداء . )) ؟

ان حزب هيوا كان حزباً برجوازياً صغيراً في المفاهيم والأفكار ، فالحركة القومية ، في أي زمان ومكان ، هي حركة قومية برجوازية تنشد التحرر القومي والاستقلال الناجز ، أي الثورة البرجوازية المناهضة في الأساس للأقطاع وبالضد من المجتمع الأقطاعي والاقطاعية ، فالقومية هي حركة برجوازية تفجر وتقوم بالثورة من أجل مصالحها الاقتصاية والسياسية والاجتماعية ، لتنفرد بالمجتمع لتقييم نظاماً برجوازياً ، هكذا رائنا عند كل الثورات القومية البرجوازية في التاريخ قديماً وحديثاً ... وهل كان حزب هيوا ينشد القيام بثورة اشتراكية لمجرد وجود عدد من الضباط الثوريين وعناصر يسارية متأثرا بأفكار وانجازات ثورة أكتوبر الاشتراكية والقفز على مرحلة تاريخية في مجتمع يعاني من التخلف والتجزئة ؟ مجتمع لا يملك سوى بعض الحرفيين الصغار موزعين على دكاكين منفردة لا ورش ولا معامل صغيرة أي بعبارة أدق عدم وجود طبقة عاملة ولا حزب شيوعي صاحب المصلحة الحقيقية للثورة الاشتراكية، وأكثر من ذلك كان حزب هيوا ينهج نهجاً مضاداً لفكر ومفاهيم الطبقة العاملة العراقية وحزبها الشيوعي والعزلة التامة عن الحركة الوطنية الديمقراطية . في مجمل القول كانت الحركة ، هي حركة قومية برجوازية صغيرة معزولة عن الأكثرية الساحقة عن الشعب الكردي .

فحزب هيوا ، وفي إطاره العام وفي تفكيره وتوجهاته كان يراهن على نتائج الحرب العالمية الثانية بالضد من تواجد بعض من الضباط الثوريين وعدد من الطلبة والمثقفين من الذين كانوا ميالين إلى مفاهيم ماركس والثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي ... فكان قراءة هؤلاء الثوريون قراءة غير دقيقة ولم ينتبهوا إلى مصالح الدول المتحاربة فيما بينها ، ألم تكن أساس الحرب العالمية الثانية قائمة على تقاسم المصالح الاقتصادية وتوزيع الأسواق العالمية ؟ فجاءت النتائج المؤلمة لثورتهم ، وبمجرد انتهاء الحرب وانسحاب القوات السوفيتية من آذربيجان الإيرانية تم القضاء على جمهورية قاضي محمد الديمقراطية بصورة دموية ؟ وكيف يمكن تسمية الأقطاعيين ورؤساء العشائر وكبار ملاك الأرض ، بالخيانة ضد الحركة القومية الكردية البرجوازية ؟ ولو وقفوا مع " ثورتهم" ثورة حزب هيوا ، وتركوا مصالحهم الطبقية ، مصالح ( الاقطاعيين الأكراد) ، لكانت هي بعينها الخيانة العظمى؟ ثم أو ألم تكن الغيبية في الأفكار والسياسة راسخة في عقول قادة حزب هيوا ( الثوريون والماركسيون كما يخبرنا الدكتور مكرم ) وحركتهم القومية المسلحة و " ثورتهم " .؟

لقد كان حزب هيوا وحركتهم القومية البرجوازية ، تبني قصوراً فوق الرمال المتحركة ، وان النصر لم يكن متوفراً لثورتهم حتى في حدود الدنيا ، إلا داخل مخيلتهم وأحلامهم . ! فالأحلام والطموح والخيال الخصب والاخلاص للقومية ، شيئ ، وتحقيق النصر في إطار تلك التركيبة التنظيمية الغريبة ، التي تجمع بين صفوفها المثقف الثوري اليساري ، واليمين المرتهن والاقطاع وكبار ملاك الاراضي شيئ آخر تماماً .

الفلاحين الفقراء انظموا إلى الحركة المسلحة حسب أوامر وإرادة الاقطاع ورؤساء العشائر ، وعند انسحاب الاقطاعيين ورؤساء العشائر من الحركة المسلحة أنسحب معهم جمهور الفلاحين، فما كان من لجنة الحرية ورئيسها المرحوم مصطفى البارزاني ومعه بضعة مئات من المقاتلين عبور الحدود العراقية وانضمامهم إلى حركة أو تجمعات الشهيد قاضي محمد وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انسحبت قوات " ثورتهم" مع عوائلهم وأطفالهم ودخلوا أراضي السوفيت .

ولنرى مأساة قادة الثوار ومقاتليهم وعوائلهم وكان عددهم ( 500 ) كما جاء في خطاب المرحوم مصطفى البارزاني في كانون الثاني عام 1948 في مدينة باكو الآذربايجانية قال البرزاني :

(( بمناسبة اجتماعنا اليوم هنا بأسم الشعب الكردي ونفتتح جلستنا الثالثة ، قبل كل شيء أبارككم وشعبنا المناضل .
لقد عبر لنا الشعب الكردي عن شعوره وأحاسيسه وأخلاصه الكامنة بوضوح في حرب التحرير التي خضناها في إيران والعراق وتركيا حينما كنا نستقبل ونودع من قبل القرى والرؤساء الوطنيين الكورد بروح مفعمة بالاخلاص والأخوة الصميميتين ، مثلما كانت تظهر اخلاص وصحبة الكورد لنا بوضوح أكثر من خلال دموع النساء والاطفال الكورد اثناء مسيرتنا .

في كل تلك الطرق الوعرة وصعوبة الجبال التي سرنا فيها جلب لنا آلاف القرويين والرؤساء والوجهاء الوطنيين بأنفسهم وعائلاتهم وأطفالهم من الشعب الكردي ما أمكنهم من الارزاق والخبز والملابس دون ان يبدو أهمية لخوف وظلم وجناية العدو .
وعلى أطراف الطرق الوعرة التي كنا نجتازها كانوا يستقبلوننا وبعدما كانوا يبلغوننا تحيات الشعب الكردي ويسلموننا الخبز والارزاق والملابس كانوا يهتفون بصوت عال : اذهبوا بسلام ! نستودعكم بالله ، نطلب اليكم التوفيق ، ننتظر عودتكم في وقت قريب جداً لتحريرنا ... ))
( صحيفة خه بات = النضال / العددان 560 ـ 561 لشهري شباط وآذار / 1986 ) .

ولم تتعض القيادة الكردية بتلك التجربة المريرة فحملوا السلاح مرة أخرى في أيلول عام 1961 معتمدين مجدداً على الانكليز بعد أن أستلم مصطفى البارزاني رسالة الحكومة البريطانية من خلال السفير البريطاني في بغداد أوائل أيلول 1961، وأدعوا بأنهم سوف يساند الثورة الكردية ... واستمرت الحركة القومية الكردية المسلحة المدعومة من إيران الشاه وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ، حتى اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران ، برعاية وزير الخارجية الجزائرية بوتفليقة وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان مهندس اتفاقية الجزائر ، هو كيسنجر .

أواخر كانون الأول لعام 1994 وفي بيت الدكتور ( وميض جمال عمر نظمي ) التقيت مع عبدالله سلوم السامرائي ، حدثني وبحضور الدكتور وميض ، أكد السامرائي وقال :
( أعرف صدام حسين كما أعرف نفسي تماماً وفي اجتماع لمجلس قيادة الثورة أكد صدام وقال : لم تكن المشكلة الكردية أمامه عائقاً وصدام يقول نحن دولة ونستطيع أن نقدم كل شيئ من أجل الوصول إلى حل المسألة الكردية ، محلياً وأقليمياً ودولياً . ) ؟

وهكذا قدم صدام حسين أرضاً ومياه شط العرب إلى شاه إيران بثمن بخس كما يقال ، من أجل انهاء الحركة القومية الكردية المسلحة برعاية واتفاق الادارة الأمريكية ، ولم تكن تلك التنازلات المشينة التي قدمها صدام حسين ، هي الأولى .

فقبل استلام البعث السلطة السياسية في 17 / 7 / 1968 بأشهر زار المبعوث الأمريكي ( راونتري ) العراق أكثر من مرة والتقى مع البكر دون أن يكون للبكر أي صفة رسمية أو مبرر لتلك اللقاءات ... وتم التنسيق والتفاهم مع كل من ، عبدالرحمن الداوود و عبدالرزاق النايف ، وهم عناصر مشبوهة ومرتبطة بالدوائر البريطانية ـ الأمريكية ، ولم يكن بامكان البعث الوصول إلى دفة السلطة إلا من خلال روانتري والإدارة الأمريكية ... وأستمرت علاقات وتعاون صدام حسين مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى حرب الخليج الثاني عام 1991 ، عندما قررت الإدارة الأمريكية التخلص من نظام صدام ، عندما أكد بوش الأب حين قال جواباً على أسئلة الصحفيين الامريكان حين قيل له لماذا هذا الإصرار في شن الحرب على نظام العراق قال : " لأنه مرتد " ؟! فعلى ماذا أرتد صدام حسين ، هل أرتد عن العروبة والقومية العربية أم ارتد عن الاسلام والاسلاميين ؟

ماذا نفهم من قول بوش الأب : " صدام مرتد " ؟ ألم يكن إرتداده عن الوعود الذي قطعها صدام على نفسه وذلك في الحفاظ على المصالح الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ومساعدة أمريكا لوصول البعث وصدام إلى السلطة السياسية في العراق ؟!

وكانت الإدارة الأمريكية صمام الأمان لبقاء سلطة صدام طيلة سنوات حكمه .
وقول صدام نحن دولة ونستطيع أن نقدم كل شيئ من أجل الوصول إلى حل المسألة الكردية ، محلياً وأقليمياً ودولياً ، وقد ترجم مقولته تلك على حساب العراق أرضاً وشعباً . ؟

نقل لي الدكتور مكرم الطالباني حديثه في إحدى لقاءاته مع صدام حسين قائلاً : قلت للرئيس صدام ، لماذا هذا الإصرار على بقاء وتحويل الجيش ، إلى جيش عقائديً ؟ لماذا لا يكون الجيش ، جيشاً وطنياً ؟
أجاب صدام : جيشنا جيشاً عقائدياً ومع ذلك كل ثلاثة أشهر نكتشف محاولة إنقلابية ! ماذا كان يحدث لنا لو كان جيشنا ليس جيشاً عقائدياً ؟! إن صدام فرط حتى بمصير حزبه لكي يحافظ على كرسي الرئاسة وليكن بعده طوفان .

ثم يقول الدكتور مكرم في بحثه :

(( وتمخضت هاتان الفكرتان عن ظهور مركزين قيادين متباينين في الحزب وفي الثورة ، مركز قيادي يميني في الحزب بزعامة رئيس الحزب السيد رفيق حلمي الذي حاول حصر أهداف الثورة في إطار بعض المطاليب المتواضعة ، يمكن تحقيقها من دون المساس بكيان النظام القائم في العراق أو المصالح البريطانية فيه . والقيادة اليسارية التي تمثلت في لجنة الحرية " ليزنه ي ئازادي " التي وثقت
علاقاتها بالحركة الديمقراطية في كردستان إيران واقامت لها علاقات وثيقة بالاتحاد السوفيتي وكانت تطمح في تحقيق أهداف أبعد من مطاليب القيادة اليمينية التي دخلت في مساومات مع رجال الدولة حتى تلك المطالب التي قدمتها عام 1942 ، وقد عزمت لجنة الحرية التي قادت الثورة عام 1945 الإقتداء بالحركات التحررية التي عمت المستعمرات والبلدان التابعة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية والتي تمخضت عن ولادة عشرات من الدول القومية في آسيا وأفريقيا وانهيار النظام الإستعماري العالمي . ))

إني أرى ، إن هذه القراءة ومقارنة أوضاع الشعب الكردي ،بالحركات التحررية والتي تمخضت عن ولادة عشرات من الدول القومية في آسيا وأفريقيا وانهيار النظام الإستعماري العالمي ، كما أخبرنا الباحث الفاضل مكرم ، قراءة خاطئة ولا تنطبق على واقع الشعب الكردي .
وهنا لابد من العودة إلى كتاب ( كردستان مستعمرة دولية ) كتب بيشيكجي قائلاً :

(( شهد تاريخ الكولونيالية نشوء نوعين رئيسيين من المستعمرات:
المستعمرات وأشباه المستعمرات . فالمستعمرات مجتمعات لم تكن قد بلغت بعد مرحلة تأسيس دولة مستقلة . وفي هذه الحالة تربط الدولة الرأسمالية التي بلغت مرحلة التوسع واتخذت طابعاً إمبريالياً اقتصاد هذا المجتمع التقليدي التي استطاعت فرض هيمنتها عليه باقتصادها بحيث تجعله اقتصاداً تابعاً ولكي تسهل سياسياً عملية استغلاله ، تفرض نمط تنظيمها السياسي على البلد الذي استعمرته . ولاشك أن هذا التنظيم السياسي المفروض برمته من نتاج الدولة الإمبريالية ، أي الدولة المستعمرة . وهكذا تصبح المستعمرة خاضعة للبلد الإمبريالي سياسياً وإدارياً وثقافياً وسياسياً . ومن خلال هذا النمط من التنظيم تفرض على المستعمرة أجهزة الدولة المستعمرة وإدارتها . ويطلق على مسؤولي هذا الإدارات ألقاب الحاكم العام والكوميسير والوصي والحاكم العسكري وغير ذلك . غير ان هذا التنظيم يمارس سلطته في بلد ذي حدود مثبتة من ذي قبل . ( خط التشديد من عندي) وبهذا المعنى يمكننا نعت هذا التنظيم بالدولة المستعمرة . ومن الأمثلة التي تنطبق عليها هذه الحالة علاقة إنجلترا ببلدان مثل الهند وسيلان وماليزيا وبورما ، وعلاقاتها مع عدد من البلدان الأفريقية مثل كينيا وأوغندا والصومال والسودان وتنزانيا ، ومع بلد مثل هندوراس في أمريكا الجنوبية ونيوزيلندا في أوسيانيا . وعلى نسق ذلك تنسحب علاقات فرنسا مع المغرب والجزائر وتونس والسنغال وغانا وموريتانيا وفولتا العليا وداهومي ، وعلاقات بلجيكا مع زائير وعلاقات البرتغال وموزامبيق وغينيا بيساو وأخيراً علاقات هولندا مع اندونيسيا . ))

فيضيف بيشيكجي ويقول :

(( أما أشباه المستعمرات فهي مجتمعات ذات دول ، تأسست وفقاً لنظامها الاجتماعي ولها تاريخ طويل . فالصين والهند والإمبراطورية العثمانية تمثل أشباه مستعمرات . وإزاء التأثير والضغط المتزايد للبلدان الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر ، شعرت هذه البلدان بالحاجة إلى إعادة تكوين أطرها من كبار الموظفين ، وإعادة تنظيم مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعسكرية.
لكن أي من هذه المعطيات لا ينطبق على الوضع في كردستان . فالكورد لم يقبلوا في أي مكان بصفتهم كورد . فهم أتراك في تركيا ، وإيرانيون في إيران وعرب في سورية . وهم بطبيعة الحال في هذه الحالة أتراك وإيرانيون وعرب من الدرجة الثانية . ولهذا السبب تمارس ضد الكورد سياسة مكثفة للتتريك والتفريس والتعريب . ويجري بإصرار إنكار هوية الكرد وكوردستان . ))

وإني أرى إن وصف الأستاذ بيشيكجي ، ينطبق تماماً على الأجزاء الأربعة المقسمة لكردستان الكبرى ، العراق ، إيران ، تركيا ، سوريا والجزء الصغير من كردستان الملحق داخل حدود ارمينيا والاتحاد السوفيتي .

ويضيف بيشيكجي أيضاً فيقول :

(( ولهذا السبب لم يعد بالامكان الحديث عن حدود واضحة المعالم لكردستان . ومن خلال جهودها لتتريك الكورد وتعريبهم وتفريسهم استطاعت الدول التي تقتسم كردستان باعتبارها مستعمرة مشتركة تحقيق تحول عميق في الهيكل السكاني . كما استطاعت بإتباع هذه الوسائل نفسها إحداث تغييرات ملموسة في الحدود الطبيعية لكردستان . ))

هكذا يتبين بوضوح تام ، ان ولادة عشرات الدول القومية في آسيا وأفريقيا لا يمكن مقارنتها مع الأوضاع السائدة في كردستان المقسمة. كما تحدث الباحث مكرم الطالباني .

إني أتساءل هنا ، ألم يكن الأجدر بقادة حزب هيوا ولجنة الحرية أن يأخذوا بنظر الاعتبار هذا التاريخ السحيق للكورد وكردستان على يد الإمبريالية ، وكيف يكون موقف تركيا أو إيران أو العراق المحتل من قبل بريطانيا تجاه " ثورتهم " ، ثورة حزب هيوا والبارزان . ؟

فثورة حزب هيوا وبارزان الحالمة ، جلبت لأبناء شعبنا الكردي عدة مئات من القتلى والضحايا ، ناهيك عن عدد من الشهداء من الضباط الثوريين من الذين تم إعدامهم على أيدي الأنكليز والحكومة الملكية العراقية العميلة .

هكذا وبحق ، كتب القائد الفذ للحزب الشيوعي العراقي " فهـد " عندما قال :
" الشعب الكردي بحاجة إلى حزب عمل وليس حزب أمل " .

أما حول لجنة الحرية الذي ترأسها المرحوم مصطفى البارزاني ، فإني أتساءل مرة أخرى : هل كانت قيادة حزب هيوا المتمثلة بالضباط الثوريين ، عندما وضعوا المرحوم مصطفى البارزاني على رأس لجنة الحرية ، كان إجراءاً موفقاً وصائباً . لقد دلت التجربة المريرة ، مدى الخطأ القاتل لما ارتكبتها القيادة الثورية لحزب هيوا المتمثلة بالضباط اليساريين الثوريين . فكيف يمكن وضع قائد عسكري ( مصطفى البارزاني ) على رأس لجنة حزبية ثورية ، وهو لا يؤمن بالحزب والحياة الحزبية ، كما أشرت فيما سبق بالنسبة للمرحوم مصطفى البارزاني .

لذلك فأن دوزنة الحقوق القومية للشعب الكردي مع الحقوق الوطنية لعموم الشعب العراقي ، خاصة وان البلد يرزح تحت احتلال سلبه كل مقومات السيادة وممارسة الدولة الوطنية ، يكتسب اهمية استثنائية في توفير القناعة الوطنية بالحقوق الواجبة لشعبنا الكردي ، بعيدا عن فرض الامر الواقع وبمساعدة مستندة الى المحتل نفسه الذي يسلب الشعب العراقي بعربه واكراده واقلياته سيادته وحريته ويعمل مع المتعاونين معه من العرب والكورد لتقسيم البلد بين كيانات هزيلة يسهل ابتلاعها سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

فلازال شعبنا الكردي بأمس الحاجة لانبثاق حزب وطني كردي بعيد عن التأثيرات الخارجية ، حزب يرفع راية النضال لتحقيق الوحدة الوطنية في المجتمع الكردي ، حزب يعتمد على سواد الشعب الأعظم،
وهم العمال وفقراء الفلاحون ، حزب يناضل ضد الاقطاع ورؤساء العشائر القاعدة الأساسية للأحزاب الرئيسية الحالية ، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ... حزب عمل وليس حزب أمل . ؟ كما قال فهد وأكد ذلك !

**************************
الحلقة الخامسة

أهداف ومحتوى الثورات الكردية !

كانت الثورات الكردية المتعاقبة ضد الظلم القومي وضد الإلحاق وضد نهب خيرات البلاد ، فالثورات التي حدثت في كردستان في القرن التاسع عشر ، عندما عمدت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية إلى القضاء على الامارات الكردية شبه المستقلة ، كان يلازمها فرض الادارة الاجنبية وتنفيذ سياسة القمع والاضطهاد ضد الشعب الكردي ومحاربة الثقافة القومية وتشويه اقتصاديات كردستان . فلم تكتسب عملية القضاء على الامارات الاقطاعية رضا الجماهير الكردية ، لأن الاضطهاد أصبح شاملاً ، فوقفت الجماهير وخاصة جماهير الفلاحين إلى جانب أمرائها الاقطاعيين ضد البرجوازية والشوفينية التركية والفارسية وضد الدول الاستعمارية التي تغلغت في معظم المرافق الاقتصادية في تلكما الامبراطوريتين .
ولم يستهدف الغاء الامارات الكردية ، الغاء النظام الاقطاعي ، بل لتحطيم الحدود بين تلك الامارات لتسهيل تغلغل الرأسمالية ، وهي أجنبية على الأكثر ، وتحقق بشكل عرضي السوق الموحدة ولما كان الظلم هو هو ، أتى من دولة بعيدة أو قريبة ، فأن التصدي لهذا الظلم اكتسب طابعاً تحررياً مشروعاً على الرغم من ان تلك الانتفاضات يقودها الامراء الاقطاعيون ورجال الدين . ولكن اخفقت تلك الثورات لأنها كانت تندلع في احدى الامارات دون الاخريات ، وكثيراً ما كانت تلك الحكومات تستغل العداء والتناقض بين الامارات الاقطاعية الكردية لدفع بعضها ضد البعض الآخر لسحق تلك الثورات وكانت البرجوازية الكردية ضعيفة بدرجة لم تكن قادرة على التأثير في مجرى تلك الثورات أو تبوء قيادتها . ولم تتمكن أية ثورة من تلك الثورات كسب وتأييد أو عطف الشعوب التي تعيش معها رغم كونها تعاني من الاضطهاد أيضاً على أيدي حكام تلك الدولتين . ولعب التنافس الروسي ـ البريطاني دوراً كبيراً لتقوية الدولتين الايرانية والتركية وتزويدهما بمستلزمات سحق الثورات الكردية .
ان الثورات التي اندلعت في القرن العشرين ، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى ، كانت تختلف من حيث مضامينها وأهدافها السياسية عن الثورات السابقة ، في الوقت الذي كانت الثورات الكردية في القرن التاسع عشر لها أهداف أقليمية محدودة ويقودها الامراء الاقطاعيون ، أصبحت للثورات المعاصرة في كردستان أهداف شمولية يلعب فيها أحزاب قومية وطبقية من المثقفين والتجار دوراً بارزاً ، وان كانت لاتزال تستعين برؤساء القبائل الكردية ورجال الدين لتحريك جماهير الفلاحين للاسهام في الثورة ، ولها برامج قومية واضحة تهدف الى حق الكورد في تقرير مصيرهم بنفسهم كسائر شعوب العالم فكان الشعب الكردي قد حرم من هذا الحق بسبب معارضة الدول الاستعمارية له .
وقد قال الحاكم السياسي البريطاني في السليمانية ( ميجر سون ) عن أهداف ثورة الشيخ محمود : " انه أراد أن يصبح دكتاتوراً في جميع البلاد الممتدة من خانقين الى شمدينان ومن جبل حمرين الى داخل حدود إيران " .
وقال المدعي العام التركي عند محاكمة الشيخ سعيد بيران ورفاقه :
" كنتم متفقين جميعاً على اقامة كردستان مستقلة " .
وتساءل القائد الهندي جواهرلال نهرو حول سحق الثورات الكردية قائلاً :
" كيف يسع أحداً أن يسحق شعباً يصر على نيل حريته وعلى استعداد لدفع ثمنها "
لقد فشلت الثورات الكردية التي اندلعت بعد الحرب العالمية الأولى أيضاً بسبب ضعف فئة من المثقفين والتجار التي أصبح لها دور في توجيه وقيادة تلك الثورات . فلم تتمكن هذه الفئة من تحريك الجمهرة الاساسية في الثورة وهي طبقة الفلاحين . فكانت تستعين برؤساء ال

عشائر ورجال الدين ، وكانت الفئة الأخيرة تنسحب من الثورة في ظروفها الحرجة عندما تتطلب مصالحها ذلك . كما تعاونت الحكوممتان التي اقتسمت كردستان لسحق تلك الثورات .
إذن ... ان الشعب الكردي بحاجة الى تنظيمات ( الجمعيات والنقابات والاحزاب ) تكون قادرة على تعبئة أوسع الجماهير وجديرة بقيادة الشعب للنضال من أجل حقه في تقرير المصير .

الظروف التي تأسست فيها جمعية

داركه ر ( الحطاب )
جرى نهوض جديد في الحركة القومية الكردية في العراق بعد الوهن الذي أصابها جراء فشل الثورات الكردية التي قادها رجال الدين وكبار ملاك الاراضي في كردستان على أثر نهوض الحركة الديمقراطية في اعقاب الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي العسكري عام 1936 (6) والذي أدى الى الإطاحة بحكم رئيس الوزراء ياسين الهاشمي ( 7 ) .
وهناك تفاسير عديدة حول حقيقة ودوافع ذلك الانقلاب العسكري فمنهم من يعتقد ان اتفاقاً قد جرى بين الملك غازي والفريق بكر صدقي للاطاحة بحكومة ياسين الهاشمي عندما أستأثر الأخير بالسلطة ولم يكن للملك سلطة دستورية باقامة الحكومة ، فلجأ الى الانقلاب العسكري لذلك . ويفسر القوميون الانقلاب بـ " الشعوبية " ضد حكومة ياسين الهاشمي القومية ، إلا ان الرأي المستند إلى وثائق هو ، ان جماعة الأهالي ( 8 ) التي جمعت شخصيات سياسية متباينة في تفكيرها السياسي هي التي اتصلت بالفريق بكر صدقي عن طريق صديقه الشخصي السيد حكمت سليمان ( 9 ) لتدبير ذلك الانقلاب ، عندما استأثر ياسين الهاشمي بالسلطة ووقف ضد الذين طالبوا بالحريات الديمقراطية ومنهم جماعة الاهالي .
تشكلت في اعقاب الانقلاب العسكري الذي قاده بكر صدقي عام 1936 ، حكومة برئاسة السيد حكمت سليمان واشترك فيها من جماعة الاهالي السيدان كامل الجادرجي ومحمد جعفر أبو التمن واجرت الحكومة انتخابات برلمانية ، تمكن عدد من اليساريين والديمقراطيين من الوصول الى البرلمان ، واطلقت الحكومة بعض الحريات النقابية والديمقراطية . إلا ان التربية العسكرية والسياسية للفريق بكر صدقي قد خلقت منه شخصاً لا يؤمن بتحقيق الاصلاحات عن طريق إطلاق الحريات الديمقراطية للشعب . وكان تفكيره السياسي ينحصر في القيام باصلاحات اجتماعية وسياسية عللا غرار ما قام بها كل من مصطفى كمال في تركيا ورضا شاه في إيران . وعلى الرغم من اكتفائه بمنصب رئيس أركان الجيش ، إلا انه هو وصديقه حكمت سليمان الذي كان في تفكيره السياسي ، قد استأثر بالسلطة ، الأمر الذي ادى الى ابتعاد جماعة الأهالي عنهما ، فانسحب كل من السيدين كامل الجادرجي ومحمد جعفر أبو التمن من الوزارة وانفضت الجماهير عن تأييد الحكومة عندما بدأت بحجب الحريات واضطهاد التقدميين ، فأصبح الجو ملائماً للأطاحة بالحكومة ، جرى ذلك باغتيال بكر صدقي في الموصل واسقاط حكومة حكمت سليمان والحكم عليه بالسجن المؤيد .
والحدث الثاني ، هو عقد ( مبثاق سعد آباد في 8 تموز 1937 الذي عقد بين العراق وتركيا وإيران وافغانستان ، بايحاء من الدول الاستعمارية ، وهو موجه بالاصل ضد الدولة السوفياتية الفتية ، وكان بمبادرة من تركيا عندما هدد موسوليني دول حوض البحر الابيض وادعى ان هذا البحر هو بحر ايطالي . الا ان المادة السابعة من الميثاق نصت على تعاون تلك الدول لـ " منع قيام اية حركة قومية كردية ... " .
ولعقد هذا الميثاق علاقة بمدينة كركوك التي كان يتجمع فيها الطلاب الكورد من سائر مدن كردستان لوجود المدرسة الثانوية الوحيدة فيها من المنطقة .
فقد قام وزير خارجية تركيا ( توفيق رشدي آراس ) بجولة تمهيدية للاعداد لهذا الميثاق ، قادماً من تركيا بالطريق البري عبر مدينة كركوك الى بغداد . وبايعاز وتشجيع من حكومة بغداد ، قام التركمان في المدينة باستقبال حافل له ، رفعوا خلاله مئات من الاعلام التركية فكان استفزازاً لمشاعر الكورد يكوّنون الاكثرية في اللواء وفي المدينة وكان هذا محفزاً لهم للقيام بعمل مضاد .
والحدث الثالث ـ هو الازمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تعصف باقتصاديات الدول الرأسمالية في أوربا ، وهي تحاول الخلاص منها بالقاء عبئها على المستعمرات والبلدان التابعة لها . ونالت كردستان أيضاً قسطاً من هذا العبأ الثقيل ، أضطر فيه الفلاحون الى بيع محاصيلهم باسعار بخسة لا تسد الرمق . فقد تدهورت اسعار الحبوب ، وهي المحصول الرئيسي في كردستان ، الى مائة وخمسين فلساً للكيس الذي يزن 80 كيلو غراماً من الحنطة ومائة فلس للشعير ،الأمر الذي أثر على جميع الطبقات والفئات وادى الى الركود في الأسواق .
وخيمت على العالم مخاطر اندلاع حرب عالمية جديدة وهو لم يشف بعد من جراحات الحرب العالمية الأولى التي يتذكر الكورد الآلام التي لا حدود لها واوضاعهم المأساوية . عندما كانوا يساقون الى جبهات حرب لاناقة لهم ولا جمل . وكذلك الأوضاع التي عاشوها بعد الحرب من الأوبئة والمجاعة والمضالم .
في هذه الظروف الصعبة وتحت تأثير تلك الاحداث والنهوض القومي في العالم وتصدي الشعوب للمظالم الاستعمارية ( مقاومة الشعب الاثيوبي ضد الاحتلال الايطالي ) فكر عدد من الطلاب الكورد في المدرسة الثانوية المركزية بكركوك بتأسيس جمعية سرية تجمع شملهم وتوجه نشاطهم القومي للتصدي لتلك المخططات التي رسمتها دول ميثاق سعد آباد الذي يستهدف في بعض ينوده وجودهم القومي . فكانت ولادة جمعية ( داركه ر = الحطاب ) التي اصبحت نواة لتأسيس حزب سياسي كبير بعد سنة واحدة من تأسيسها ، وهو حزب ( هيوا = الأمل ) الذي لعب دوره السياسي على الساحة القومية في اعوام 1937 ـ 1945 في كردستان العراق .
ولم تكن هاتان الجمعيتان هما الوحيدتان التي شكلتهما الفئة المثقفة الكردية . فقد سبق ان أسس الفريق مصطفى باشا ياملكي في عام 1922 ( جمعية كردستان ) وكان من أعضائها المؤسسين السادة رفيق حلمي وأحمد بك وتوفيق بك وصالح قفطان وشكري علكة وحاجي آغا فتح الله وفائق عارف وابراهيم أدهم والشيخ محمد كولاني وأحمد بهجت وعلي بايز آغا .
وأصدرت هذه الجمعية ثلاثة أعداد من صحيفة ( بانكي كردستان ) وتأسست جمعيات سرية أخرى ، أهمها ( كومه لي ئازادي كوردستان ـ جمعية حرية كردستان ) ومن أبرز أعضائها جمال بابان ومحمد عبد الرحمن آغا ورؤوف جلالي ومحمد بك جاف والشيخ جمال الطالباني واسماعيل بك راوندوزي وحازم شمدين آغا .. الخ .
وتأسست في عام 1930 في بغداد ، جمعية ( لاوان ـ الشباب ) من الطلبة الكرد وأصدرت عددين من نشرة ( دياري لاوان ) . ومن أبرز أعضاء الجمعية، إبراهيم أحمد وحامد فرج وشاكر فتاح وفاضل رؤوف الطالباني .
وكان لحزب خويبون الذي تأسس في تشرين أول 1927 في بحمدون بلبنان فرع قوى في كردستان العراق وكان يترأس الحزب في حلب التي أصبحت مقراً دائماً له ، السيد أمين عالي بدرخان . ومن أبرز أعضاء الحزب في كردستان الجنوبية ، السادة : مصطفى صائب وعثمان فائق وعلي عرفان وفؤاد مستي وكريم زانستي والسيد إبراهيم الحفيد والشيخ عزيز طابو وعبدالواحد نوري وعلي حاجي صالح وشوكت عزمي بابان وجلال فتاح وعبدالخالق أسيري والدكتور محمد شكري صطبان ومصطفى شوقي وخلف شوقي الداودي وغيرهم .
وتأسست جمعية سرية في السليمانية عام 1938 برئاسة الشيخ لطيف الشيخ محمود ومن أبرز أعضائها محمود شاويس واسماعيل حقي شاويس وعزت كابان وأحمد شكري والشيخ لطيف ( دانساز ) وملا أسعد محوي..الخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش : ص 37 و 38 :
(6 ) ينحدر الفريق بكر صدقي من أسرة فلاحية كردية عاشت في قرية ( عسكر ) بناحية ( أغجلر ) التابعة للواء كركوك . وأخذ بكر صدقي لقبه ( العسكري ) من تلك القرية . وقد ساعد الحظ بكراً ليكمل دراسته العسكرية التي بدأها في العراق ، في اسطنبول في العهد العثماني ليتخرج ضابطاً في الجيش العثماني ، ثم عاد الى وطنه بعد الحرب العالمية الأولى ليخدم في صفوف الجيش العراقي عند تأسيسه بعد قيام الدولة العراقية . فكان آخر منصب قيادي أشغله ، قبل قيامه بأنقلابه العسكري ، هو قيادة الفرقة الثانية التي معظم ضباطها وجنودها من الكورد ومقرها في كركوك ، فوثق بكر علاقته بهم . وقد نسب إليه طموحه في اقامة دولة كردية في آخر المطاف ، الأ ان الحكومة التي شكلها لم تدم طويلاً فقد انتهت بأغتيال بكر صدقي في الموصل بتدبير من الانكليز وهو في طريقه إلى المانيا .
ويروي اللواء المتقاعد فؤاد عارف الذي كان مرافقاً للملك غازي عام 1936 ، ان الملك غازي حمل رئيس اركان الجيش الفريق بكر صدقي رسالة إلى هتلر يتعلق بافاق التعاون العسكري بين الحكومتين العراقية والالمانية ، وعند اغتيال بكر صدقي في الموصل ، اتصل هاتفياً بالعقيد أمين العمري الذي كان أمراً لحامية الموصل ، طالباً منه الحصول على الحقيبة اليدوية لبكر صدقي والتي تحوي تلك الرسالة وارسالها اليه بيد شخص أمين . وفي اليوم التالي طلب السفير البريطاني في بغداد مقابلة الملك لأمر هام . وعند مجيئه الى البلاط الملكي ، كان بحوزته حقيبة بكر صدقي وهو يقول : " صاحب الجلالة ، انكم طلبتم حقيبة بكر صدقي ، آثرت أن أسلمها لجلالتكم شخصياً " . فاوضح الملك بعد ذلك لمقريبه : " يظهر أن ايامي قد قربت " .
( 7 ) ينحدر السيد ياسين الهاشمي من أسرة كردية تنتمي الى قبيلة كاكه ي التي تقطن بناحية داقوق بلواء كركوك آنذاك . والسادة من رؤساء هذه القبيلة ينتمون الى الاسرة البرزنجية المعروفة في كردستان . وقد سكن السيد سلمان ، وهو والد ياسين الهاشمي في قصبة كفري ، ولاتزال داره قائمة هناك .
(8 ) جماعة تلاهالي ـ تكونت هذه الجماعة عندما منح امتياز صحيفة ( الاهالي للسادة حسين جميل وعبدالقادر اسماعيل ومحمد حديد وعبدالفتاح ابراهيم وخليل كنه في 2 تموز 1931 . وصدر العدد الأول منها في 2 كانون الثاني 1931 ، ثم تألفت قيادة جماعة الاهالي من شخصيات متباينة في أيديولوجيتها السياسية ، وهم السادة عبد الفتاح ابراهيم وعبدالقادر اسماعيل ( ماركسيان ) وكامل الجادرجي ( ديمقراطي لبرالي ) وحكم سليمان ( اصلاحي ) وخليل كنه ( قومي ) ومحمد حديد ( ديمقراطي ) .. الخ
( 9 ) السيد حكمت سليمان ـ ينحدر حكمت سليمان من أسرة تركية وهو الأخ غير الشقيق للجنرتا محمد شوكت وزير الدفاع في الدولة العثمانية وأحد أقطاب الاتحاد والترقي التركي الذي قام بانقلاب عسكري ضد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908 والاتيان باخيه محمد رشاد سلطاناً مقيداً بالدستور . وكان للسيد حكمت سليمان علاقة وثيقة بجماعة الاهالي كما له صداقة شخصية مع بكر صدقي . وقد ترأس السيد حكمت بعدالانقلاب العسكري .
المؤلف

 

الحلقة السادسة

جمعية داركه ر ( الحطاب )
كيف تأسست جمعية داركه ر ؟

(( تأسست في احدى أمسيات النصف الأول من شهر أيلول عام 1937 جمعية سرية صغيرة بأسم ( كومه له ى داركه ر = جمعية الحطاب ) من عدد من الطلاب الكورد في مدرسة الثانوية المركزية بكركوك ، في دار تعود إلى شاكر بك جلالي من محلة ( بلكر ) بصوب ( قوريه ) من مدينة كركوك ، يسكنها المرحوم برهان حامد بك الجاف ، الذي كان طالباً في الصف الرابع الثانوي في المدرسة المذكورة أعلاه .

وقد دعي إلى اجتماع تأسيس الجمعية المرحوم يونس رؤوف ( دلدار)
( 10 ) وكان الحاضرون ، بالاضافة إلى يونس رؤوف ، برهان حامد الجاف ( 11 ) وكاكه حه مه خانقاه ( 12 ) ومكرم جمال الطالباني ، وثلاثة طلاب آخرين لم أتمكن ، بل لم أحاول الوصول إلى حقيقة أسمائهم بسبب سرية الجمعية ، وهم من غير أهالي كركوك المعروفين لدي .

القى المرحوم يونس كلمة مؤثرة عن الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الكردي في كردستان المجزأة بين العراق وإيران وتركيا . وبسبب الوعود الكاذبة للدول الأوربية في عصبة الأمم والمحاولات التي جرت لأجلاء الشعب الكردي عن وطنه في تركيا وفشل الثورات الكردية المطالبة بالاستقلال ، لأنها أخذت طابعاً عشائرياً دون أن تشمل سائر أقسام كردستان . ولافتقار الشعب الكردي إلى منظمة سياسية تجمع شمله وتقود ثورته ، فعلى المثقفين أخذ المبادرة في توحيد كلمة الشعب وقيادته . وقد سبق أن توحدت الأقاليم الألمانية المجزأة والأقاليم الإيطالية ، لتكونـّا دولتيهما الموحدتين . فاقترح دلدار تشكيل جمعية سرية بأسم ( كومه له ي داركه ر ) وبعد مناقشات تم الاتفاق على تأسيس الجمعية وعلى الأسم .

لماذا سميت الجمعية ب ( دار كه ر = الحطاب ) ؟

كانت المناهج الدراسية لمادة التاريخ في المدارس الثانوية تشمل دراسة تأريخ أوربا وتأريخ الحركات الفكرية والسياسية لها . وكان المدرسون القوميون من العرب يستهويهم موضوع وحدة المانيا ووحدة إيطاليا ، بسبب ظروف التجزأة في البلاد العربية . فقد كان القوميون العرب يرون في الأسلوب البروسي في توحيد المانيا هو الأسلوب المناسب لتوحيد الأقطاب العربية وكانوا يرون آنذاك في الملك غازي الشخصية العربية القومية الذي بأمكانه ان يلعب دور ( بسمارك ) كما يرون في العراق دولةً قد يلعب دور ( بروسيا ) في توحيد البلاد العربية ولم يجد الأكراد أية دولة كردية لتلعب هذا الدور فعليه ، يقتضي التفتيش في ثنايا التأريخ عن أسلوب غير بروسي ، بل عن طريق جمعية سرية تخفي نشاطها عن انظار الحكومة وتقوم بتعبئة المثقفين والجماهير الكردية للكفاح من أجل تحرير كردستان وتوحيدها . فوجدوا ضالتهم في جمعية ( كاربوناري = الفحامين ) التي لعبت دورها ، بالتعاون مع ( غاريبالدي ) لتوحيد ايطاليا . فاقرب عبارة الى الفحامين كانت ـ الحطاب = داركه ر فسموا الجمعية ب ( كومه له ي داركه ر = جمعية الحطاب ) .

لماذا تأسست الجمعية في كركوك ؟

لم تكن من مدن كردستان آنذاك أية مدرسة ثانوية إلا في مدينة كركوك. وكان الطلاب الذين ينهون دراساتهم الابتدائية في الاقضية يتوجهون إلى مراكز الألوية لأكمال دراساتهم المتوسطة . ويتوجهون إلى كركوك أو بغداد أو الموصل لأكمال الدراسة الاعدادية .

فكان الطلاب من أقضية الموصل يكملون دراستهم الثانوية في الموصل . أما الموجودون في لوائي السليمانية وأربيل ، فانهم يتوجهون، اما الى بغداد أو الى أقرب مدينة وهي كركوك . وكانت الامتحانات الوزارية الابتدائية تجري في مراكز الألوية أما الامتحانات الوزارية للمتوسطة فكانت في مدينة كركوك . فاصبحت كركوك ملتقى للطلاب الذين يرغبون في اكمال دراستهم الاعدادية من الوية السليمانية وأربيل وكركوك وتلتقي اعداد كبيرة منهم اثناء اداء الامتحانات الوزارية في كركوك . وقد تجمع عدد كبير من الطلبة من سائر مدن كردستان في كركوك ، ومن كركوك ، ملتقى افكارهم ، نشأت فكرة تأسيس جمعية دار كه ر السرية .

أهداف جمعية داركه ر ( الحطاب )

برزت القضية الكردية ، كقضية قومية ، في منطقة الشرق الأوسط، منذ بداية القرن العشرين ، في ظروف نهوض قومي للقوميات الرازحة تحت نير الحكم الاتوقراطي للامبراطورية العثمانية والشاهنشاهية الإيرانية . وفي ظروف كانت المستعمرات واشباهها قد اكتمل اقتسامها بين الدول الإمبريالية متوجهة لاقتسام ممتلكات الامبراطورية العثمانية الشاسعة .

ان توسع وتنافس الدول الاستعمارية الكبرى للاستيلاء على المزيد من المستعمرات قد اكتمل تقريباً ، فأصبحت مهمة هذه الدول هي توسع البعض على حساب الآخر في مستعمراته ، أي اعادة اقتسام المستعمرات طبقاً لتوازن القوى ، الأمر الذي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى . ولم تقتصر أهداف الحرب على اعادة اقتسام المستعمرات فقط ، بل تعدتها الى محاولة سيطرة دولة امبريالية على أراضي الدول الامبريالية الأخرى .

إذن ، ان أهداف الدول الامبريالية المنتصرة في الحرب لم تكن تحرير شعوب المستعمرات ولا تحرير شعوب الامبراطورية العثمانية ، والشعب الكردي وكردستان جزء من هذه الامبراطورية ، بل إعادة تقسيم هذه الممتلكات بين الدول المنتصرة . فكانت معاهدة ( سايكس – بيكو ( 13) ومعاهدة سيفر 14 ) ومعاهدة لوزان ( 15 ) هي المعاهدات التي ادخلت كردستان في نطاق تقسيم تلك الممتلكات بين الدول الامبرايالية المنتصرة في الحرب ، فآلت الى تجزأة كردستان من جديد كما هي عليه الآن .

ان كردستان الجنوبية ، هي جزء من كردستان المجزأة بين تركيا وإيران والعراق وسوريا ، الحقت ببلد مجزأ جراء نفس السياسة الامبريالية .

ان وضع القضية الكردية في اطارها التاريخي أبان تأسيس جمعية داركه ر عام 1937، على الرغم من ضعف ادراك الطلبة لذلك ، كان يفرض على الشعب الكردي تشخيص العدو الرئيسي وهو الدول الاستعمارية . الا ان ضعف الأدراك السياسي لمؤسسي جمعية داركه ر أدى إلى عدم تخطي تلمس واقع تجزئة كردستان نحو تشخيص الاسباب والمسببين لهذه التجزئة لوضع ذلك في برنامج الجمعية . إلا ان كره الاستعماريين الانكليز كان يهمين على مشاعرهم .

وقد سبق لرجل الدين والشيخ الاقطاعي الذي قاد الثورات الكردية ( 1919ـ 1931 ) الشيخ محمود ان شخص ، بعد تجربة مريرة ، العدو وهو الاستعمار البريطاني ، خلافاً لأراء المثقفين المحيطين به الذين كانوا يحثونه على التعاون مع بريطانيا العظمى بغية الحصول على مساعدتها في أهداف الشعب الكردي . ولكن الشيخ محمود أعلن الثورة ضد الانكليز وضد الدولة العراقية التابعة لها لم يكن ذلك بدافع ديني كما يعتقد بعض الباحثين والمؤرخين ، بل بتجربته الخاصة . فطلب العون من روسيا السوفياتية والبلاشفة . ولكن الشيخ محمود اخفق في تحقيق أهداف الشعب الكردي بسبب الضعف السياسي في العراق وعدم تفهم الشعب العربي آنذاك حقيقة كفاحه ضد الانكليز ، كما لم تتمكن روسيا السوفياتية من مساعدته بسبب الستار الحديدي المفروض عليه من قبل الدول الإمبريالية .

وقد سبق لبعض المثقفين الكورد ، تحت تأثير الافكار التقدمية والديمقراطية في العراق عام 1936 ان شخصوا هذه الحقيقة ، عندما أصدر الأستاذان إبراهيم أحمد وحمزة عبدالله اللذان تأثرا بالافكار الماركسية آنذاك ، كراساً بعنوان ( العرب والكورد ) باللغة العربية في بغداد ، شخصا فيه العدو الرئيسي المشترك للعرب والكورد ، وهو الاستعمار ، ودعيا الى النضال المشترك بين الشعبين ضد العدو المشترك لتحقيق اهدافها في التحرير والديمقراطية وحق تقرير المصير .

وعلى الرغم من ادراك هذه المسائل كان فوق طاقة هؤلاء الطلاب اليافعين الذين أسسوا جمعية داركه ر ، وان شعورهم بالمهانة والاضطهاد هو الدافع الأساسي لتأسيسها الا انهم كانوا قريبين جداً من الأفكار السياسية المتصارعة آنذاك في العالم . فكان أول هدف للجمعية هو ( تحرير كردستان ) وكان شهارهم ( بزي كورد وكردستان = عاش الكورد وكردستان ) واقتصرت الأهداف الاخرى للجمعية على فتح الفروع لها في سائر مدن وقصبات كردستان .

وكان هناك فراغ بعد فشل الثورات الكردية ، فلم يكن في كردستان حزب سياسي أو جمعية سرية كبيرة تجمع شمل الكورد ، اللهم الا جمعية سرية صغيرة أسسها الشيخ لطيف الحفيد في السليمانية ( 16 ) هدفها العمل من أجل تحرير القائد الشيخ محمود من الأسر ، حيث فرضت عليه الاقامة الجبرية في بغداد .

إذن ... ان الهدف المركزي لجمعية داركه ر كان تحرير كردستان وتوحيدها وإقامة دولة كردية مستقلة فيها . هذا الشعار الذي كان يستهوي الشباب الكورد آنذاك ، فسارع الشباب وخاصة الطلاب ، من سائر مناطق كردستان للأنخراط في صفوف الجمعية والانضواء تحت لوائها . ولكن لم تتمكن من بلورة أهداف اجتماعية تخص الجمهرة الاساسية للشعب الكردي .

الشكل التنظيمي لجمعية داركه ر

كانت جمعية داركه ر سرية تتبع نظام الخلايا الصغيرة التي لا يتعدى عدد أعضائها خمسة ولكل عضو أسم مستعار . وكان مسؤول الخلية عضو في خلية أعلى ، وهكذا إلى أن يتكون الشكل الهرمي وعلى قمته الهيئة القيادية ( الهيئة المؤسسة ) . واتبعت الجمعية أسلوباً خاصاً في ضم الأعضاء القدامى وأعضاء جدد وكأنها جمعية مستقلة وبأسم آخر ، يجري اختيار العضو الجديد داخل تلك الخلية بعد التأكد من حرصه على الحفاظ على سرية العمل وعدم افشاء أسرار الجمعية لأقرب مقربيه . وللتأكد من ذلك ، كثيراً ما كانت تجري محاولة من قبل أصدقائه من أعضاء الجمعية الأصلية ( داركه ر ) لاستدراجه لأفشاء أسرار خليته . وان نجح في الاختبار ، يكشف له أسم الجمعية ( داركه ر )، ثم يؤدي القسم القومي والديني وهو : " أقسم بالله والقرآن الكريم وبالخنجر الكردي أن أكون مخلصاً لشعبي الكردي ومتفانياً في سبيله ومخلصاً لوطني كردستان الكبرى " ، ثم يأخذ مكانه في الخلايا الجديدة .

ولسرية أعمال الجمعية ، لم تأخذ بنظام الانتخابات في اختيار المسؤولين في الخلايا والهيئات القيادية . فمؤسس الخلية يكون مسؤولاً عنها ، وقد يكون مسؤولاً عن عدة خلايا قام بتأسيسها . وعلى الرغم من عدم وجود نظام داخلي مدون للجمعية ، فأن العرف المتبع في الجمعيات كان بمثابة نظام داخلي لها .

كان أعضاء الجمعية في كركوك وافدين اليها من سائر مدن وقصبات كردستان ، فكانت العطلة الربيعية في شباط 1938 خير فرصة للأنطلاق لتأسيس فروع الجمعية في سائر مدن كردستان وهكذا تم تأسيس فروع الجمعية في تلك المدن عندما عاد الطلاب الى مدنهم لقضاء العطلة الربيعية هناك . وكان المرحوم يونس رؤوف بحكم علاقته بمدينتي أربيل وكويسنجق ، استغل فرصة زيارته لهما في العطلة ، لتأسيس فرعي أربيل وكويسنجق . وقد تأسس فرع أربيل من المرحموين ، روستم عبدالجبار وموسى عبدالصمد ومصطفى العزيري وجلال قادر . الذي أصبح فيما بعد من أنشط الأعضاء في الخط العسكري لحزب هيوا في الفرقة الثانية بكركوك .

ولزيادة الحرص على السرية ، لم تصدر أية نشرة دورية ويجري التأكيد على عدم الاحتفاظ بمسائل مدونة لئلا تقع بأيدي الأجهزة الأمنية .

المؤتمر الأول لجمعية داركه ر وتحويلها إلى حزب سياسي

كان طلاب المدارس الابتدائية في الصف المنتهي يؤدون الامتحان الوزاري في مراكز الويتهم . أما الصفوف المنتهية للدراسة المتوسطة من مدن كردستان ، كانوا يؤدون الامتحان الوزاري في مدينة كركوك . وقد تجمع في حزيران من عام 1938 طلاب الصفوف المنتهية للدراسة الابتدائية للمدارس التابعة للواء كركوك وكذلك طلاب الصفوف المنتهية للدراسة المتوسطة من سائر مدن كردستان بالاضافة إلى طلاب الثانوية المركزية بكركوك في هذه المدينة ، فكان خير فرصة لعقد مؤتمر لجمعية ( داركه ر ) ، بعد ان توسعت وغطت تنظيماتها معظم مدن وقصبات كردستان . ففي مساء آخر يوم للأمتحان الوزاري وقبل عودة الطلاب إلى ديارهم ، عقد هذا المؤتمر في حديقة ( أم الربيعين ) التابعة لبلدية كركوك الكائنة في الضاحية الشمالية للمدينة ، على طريق كركوك ـ أربيل حضره حوالي ستين عضواً من أعضاء الجمعية الذين تواجدوا لأداء الأمتحان الوزاري . وهم من الأعضاء البارزين ومن مؤسسي فروع الجمعية ، اجتمعوا للتداول في أمور الجمعية ووضع نظام داخلي وبرنامج قومي لها . فقد جرى تجمع المصاطب الخشبية الموجودة من الحديقة في احدى الساحات الخضراء في الحديقة ، وعقد الاجتماع تحت اشراف الأعضاء المؤسسين ، ترأست الاجتماع لجنة مؤلفة من يونس رؤوف ( دلدار ) وكاكه حه مه خانقاه وبرهان حامد الجاف ( 17 ) ألقى فيه يونس رؤوف تقريراً مسهباً عن تأسيس ونشاط الجمعية خلال السنة الدراسية 1937ـ 1938 وتوسع تنظيماتها بحيث أصبحت تغطي معظم مدن كردستان نتيجة للأقبال المتزايد للأنتماء اليها بين الطلبة ، كما تحدث كاكه حه مه خانقاه عن الوضع المالي للجمعية ، ومصدر مالية الجمعية هو بدل الاشتراك للأعضاء وتبرعات المؤيدين .

وقد تبين للمؤتمرين ان الجمعية أصبحت من السعة بحيث يتعذر على طلاب المدارس من قيادتها وتوجيهها سياسياً ، فأصبح من الضروري توسيعها لتشمل سائر فئات الشعب الكردي . وجرى الاقتراح لتحويلها إلى حزب سياسي يكلف أحد الشخصيات القومية الكردية لتولي رئاستها . وبعد نقاش مستفيض جرى قبول الاقتراح . ولأختيار الشخصية التي تكلف برئاسة الحزب المقترح وضع أمام المؤتمرين أسماء كل من السادة، محمد أمين زكي وتوفيق وهبي وجمال بابان ومعروف جياووك وماجد مصطفى ورفيق حلمي ، لتقييمهم واختيار الشخص المناسب من بينهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش الصفحات ـ 43 ـ 47 ـ 49 ـ 52

(10 ) ينحدر المرحوم يونس رؤوف ( دلدار ) من أسرة خادم الساجدة بكركوك ، الا انه ولد ونشأ في مدينة كويسنجق وتلقب بلقب دلدار عندما برز كشاعر وأديب . تلقى دلدار دراسته الابتدائية في كويسنجق وأكل دراسته الثانوية في كركوك ثم درس في كلية الحقوق ليتخرج محامياً , وتوفي في تشرين الثاني 1948 في اربيل .

(11 ) برهان حامد بك جاف ـ وهو من رؤساء عشيرة الجاف الكردية بقضاء حلبجة التابع للواء السليمانية . أكمل المرحوم برهان الجاف دراسته الابتدائية في حلبجة ودرس المتوسطة في السليمانية وأكمل دراسته الثانوية بكركوك ، ثم تخرج من كلية الحقوق وتسلم عدة مناصب إدارية ، ثم استشهد عام 1983 عندما أصاب صاروخ إيراني داره في بغداد أبان الحرب العراقية الإيرانية .

(12 ) كاكه حه مه خانقاه ـ وهو نجل السيد أحمد خانقاه من السادة البرزنجية بكركوك . أكمل دراسته الابتدائية والثانوية بكركوك ، ثم تخرج من كلية الحقوق عام 1946 ، ومارس المحاماة ثم انتخب نائباً عن كركوك في البرلمان العراقي الى عام 1958 وتوفي في حادث سقوط طائرة عام 1963 .

( 13 ) معاهدة سايكس ـ بيكو أيلول 1916

( 14 ) معهدة سيفر آب 1923

( 15 ) معاهدة لوزان تموز 1920

( 16 ) وهي جمعية ( برايه تي = الأخوة ) أسسها الشيخ لطيف الشيخ محمود ، اقتصرت عضويتها على بعض المثقفين ورجال الدين . وقد أصبح لطيف نائباً لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أسسه المرحوم مصطفى البارزاني في مهاباد بايران عام 1945 .

( 17 ) يتذكر المؤلف من بين الذين حضروا المؤتمر بالاضافة الى المؤسسيين عبد الصمد ومصطفى العزيري ورستم عبد الجبار وعثمان ميران ومعروف البرزنجي وحسين البرزنجي وفخر الدين بشدري .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف
الدكتور مكرم الطالباني
يقع البحث في كتاب صغير الحجم ، عدد الصفحات 184 صفحة .
صادر عن ( مركز خاك للنشر والأعلام ) في السليمانية عام 2002

الحلقة السابعة

تقييم الشخصيات الكردية واختيار رئيس للحزب

أجرى المؤتمر تقييم الشخصيات الكردية المذكورين وهم :

محمد أمين زكي ـ ينحدر محمد أمين زكي من عائلة كردية من اصحاب الحرف في مدينة السليمانية . تمكن من التدرج في الدراسة حتى أكمل الإعدادية العسكرية بتفوق فارسل لأكمال دراسته العسكرية في الكلية العسكرية باسطنبول ومن ثم في كلية أركان حرب ، ودخل عدة دورات عسكرية في العواصم الأوربية ، كما خدم كملحق عسكري في عدة عواصم . وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وتأسيس الدولة العراقية ، عاد إلى العراق وتسلم فيه بعض المناصب العسكرية ، ثم عين عضواً في مجلس الأعيان وأستؤزر عدة مرات كوزير للاشغال ووزير للاقتصاد . وله عدة مؤلفات في الأمور العسكرية ، كما وضع مؤلفه ( تأريخ الكورد وكوردستان وتأريخ السليمانية ومشاهير الكورد ) وغيرها.

توفيق وهبي ـ ينتمي توفيق وهبي إلى أسرة متوسطة الحال في السليمانية . تدرج في الدراسة حتى اكمل الكلية العسكرية في اسطنبول ، ثم تسلم مناصب عديدة في الجيش العثماني . وعند عودته الى العراق ، عين آمراً للكلية العسكرية ثم متصرفاً للواء السليمانية ومديراً عاماً للمساحة ثم وزيراً للمعارف فيما بعد .

جمال بابان ـ ينتسب جمال بابان الى الأسرة البابانية المعروفة في كردستان . تخرج من كلية الحقوق وانتخب نائباً في البرلمان . وهو أحد النواب الستة الذين طالبوا بتوحيد الألوية والأقضية الكردية في وحدة ادارتها ومنحها حكماً ذاتياً . وكان عضواً في جمعية ( ئازادي كوردستان) السرية . وتسلم منصب وزير العدل عدة مرات .

معروف جياووك ـ ينتسب معروف جياووك الى عشيرة ( بالكيان)الكردية في منطقة راوندوز . تخرج من كلية الحقوق وتسلم عدة مناصب قضائية آخرها عضو في ديوان التدوين القانوني . وأنتخب نائباً في البرلمان ، ووزيراً عاماً لأعضاء التبغ فمتصرفاً للواء السليمانية . وهو من مؤسسي ( يانه ي سه ر كه وتني كوردان = نادي الارتقاء الكردي ) ومعتمداً عاماً له .

ماجد مصطفى ـ ينحدر ماجد مصطفى من أسرة كردية بلواء السليمانية . تخرج ضابطاً من الكلية العسكرية في اسطنبول . عاد الى السليمانية بعد الحرب العالمية الأولى ليلتحق بالثورة الكردية التي قادها الشيخ محمود . وبعد فشل الثورة عين مديراً للناحية ثم قائمقاماً فمتصرفاً ، ثم وزيراً فيما بعد .

رفيق حلمي ـ كان رفيق حلمي أحد المثقفين الكورد الذي أيد وساهم في ثورات الشيخ محمود . وقد حال نشوب الحرب العالمية الأولى دون اكمال دراسته العسكرية في اسطنبول . وقد عين رفيق حلمي مديراً للمدرسة المحمودية التي تأسست في السليمانية اثناء حكمدارية الشيخ محمود . وبعد اعلان الشيخ محمود الثورة ضد الانكليز واحتلال القوات البريطانية للسليمانية واسر الشيخ محمود ونفيه الى الهند ، ترك رفيق حلمي السليمانية متوجهاً الى كركوك ، ولكنه عاد بعد اعادة الشيخ محمود الى السليمانية ، ليتعاون مع الفريق مصطفى باشا ياملكي في إصدار صحيفة ( بانكي كوردستان = نداء كردستان ) عام 1922 ، وبعد ان الحقت كردستان بالدولة العراقية عام 1925 عين رفيق حلمي مدرساً للرياضيات في المدارس المتوسطة واستمر في التدريس الى ان عين مديراً للثانوية المركزية بكركوك في عامي 1936و 1937 . وعلى أثر خلاف مع مدير المعارف بكركوك ، نقل رفيق حلمي الى المجر الكبير بلواء العمارة ، ثم أعيد مفتشاً اخصائياً بوزارة المعارف , بسبب مواقفه الصلبة في المسائل القومية ودفاعه عن شعبه الكردي ، ولكونه أقرب من الآخرين من الطلبة ، تم اختيار رفيق حلمي لمفاتحته بقبول اسناد رئاسة الجمعية ( بعد تحويله الى حزب سياسي ) اليه ، وخول كل من يونس رؤوف وكاكه خانقاه للاتصال به في بغداد وابلاغه قرار المؤتمر ، فقبل الدعوة بفرح .

تحويل الجمعية الى حزب سياسي

عقد أول أجتماع بين الأستاذ رفيق حلمي ومؤسسي جمعية داركه ر في صيف عام 1938 بكركوك في دار أبن عمه ( يونس توفيق آمان ) بمحلة بولاق بكركوك للتباحث حول تحويل الجمعية الى حزب سياسي يضم سائر فئات الشعب الكردي ليحقق نفس أهداف جمعية داركه ر حول تقرير المصير للشعب الكردي وتوحيد أقاليم كردستان في دولة واحدة مستقلة .

وقد كان من الأستاذ رفيق حلمي ومؤسسي جمعية داركه ر يعتبرون الوضع الجديد ، كسب رفيق حلمي لقيادة الحزب الجديد المزمع تأسيسه من جانب الطلاب من جانب رفيق حلمي ، مكسباً كبيراً لهما على السواء. فقد أصبحت الجمعية واسعة يتعذر على طلاب المدارس المتوسطة والثانوية قيادتها ، كما ان الأستاذ رفيق حلمي يطمح أن يعود الى الميدان السياسي لا بجهوده الفردية ، بل ضمن منظمة واسعة يكون فيها للمثقفين الكورد الدور الرئيسي في قيادتها وتوجيهها . وهكذا تحققت أمنية الطرفين بهذا التلاحم ، حماس الشباب وخبرة الشيوخ .

لماذا سمي الحزب بـ ( حزب هيوا ) ؟

كانت الدولة العثمانية قد صادرت الحريات السياسية وأغلقت الجمعيات الكردية في اسطنبول ، وهي جمعية التعالي والترقي الكردية وجمعية نشر المعارف الكردية ، فقام الطلبة الكورد في مدرسة الزراعة عام 1910 بتأسيس جمعية سرية بأسم ( جمعية هيفي = جمعية الأمل ( 18 ) وكان الأستاذ رفيق حلمي أحد أعضاء تلك الجمعية ولأحياء أسم تلك الجمعية والطرف المشابه لتأسيسها لتأسيس جمعية " داركه ر " من قبل الطلاب ، اقترح رفيق حلمي تسمية الحزب بـ ( حزب هيوا ) .

تأسيس حزب هيوا

وردت تواريخ متباينة حول تأسيس حزب هيوا . فمنهم من أعتبر عام 1938 تأريخاً لتأسيس هذا الحزب وآخرون أعتبروا تأريخ تأسيسه عام 1939 ( 19 ) إلآ انه من الواضح ان مؤتمر جمعية داركه ر الذي عقد في حزيران 1938 في كركوك هو الذي وضع اللبنة الأولى لتأسيس هذا الحزب . وبعد مفاتحة الأستاذ رفيق حلمي بقرار المؤتمر وقبوله لذلك القرار ، عقد أول اجتماع تأسيسي للحزب في صيف عام 1938 لأكمال األأجراءات الشكلية اللازمة لتأسيسه ، لم تعتبر تغيير أسم الجمعية واستلام رئيس الحزب مهام عمله لولادة الحزب الجديد . إذن ، تعتبر الأشهر الأخيرة من عام 1938 هي التأريخ الصحيح لولادة حزب هيوا . ونظراً لتعيين رئيس الحزب مفتشاً أخصائياً بوزارة المعرف في بغداد في العام الدراسي الجديد 1938ـ 1939، ووصول عدد من مؤسسي الجمعية والحزب الى مرحلة الدراسة الجامعية في بغداد ، تم تشكيل أول لجنة مركزية للحزب من عدد من الأعضاء المؤسسين وعناصر أخرى من منتسبي الجمعية في تلك الكليات واضافة عدد آخر من المعلمين والمدرسين ومن ثم الضباط الذين انتسبوا الى الحزب السري الجديد .

أيديولوجية حزب هيوا

اقتصرت جمعية داركه ر على الطلاب وبعض المعلمين والمثقفين والدينيين . والمثقفون فئة اجتماعية من الناس يمارسون نشاطاً فكرياً بحكم مهنهم . وعندما تحولت الجمعية الى حزب سياسي ، ضم في صفوفه مختلف فئات المجتمع الكردستاني ، إلآ ان فئة المثقفين كانت هي السائدة في السنوات الأولى لتأسيسه وقد ضم الآن عدداً من المعلمين والمدرسين ورجال العلم والفن والمهندسين والمحامين والموظفين والضباط . ان المثقفين لا يشكلون طبقة منفصلة عن المجتمع ، وذلك لأنهم لا يشغلون مكاناً مستقلاً في النظام الانتاجي الاجتماعي كالبرجوازية والعمال . وفي المجتمع الكردستاني كان معظم المثقفين من أبناء الميسورين من ملاك الأراضي والتجار والموظفين والمهنيين ، وكل منهم يحمل آيديولوجية الوسط الذي نشأ فيه ، خلال جانب من يحمل الى هذا الوسط الآيديولوجي الاقطاعية الرجعية . هناك فئة تحمل أفكاراً تقدمية ثورية ، وبين هؤلاء من يحمل الأفكار الماركسية ويشكلون نواة الحزب الماركسي ، ومنهم من يحمل الفكر القومي البرجوازي .

فكما ان المثقفين لا يشكلون فئة متجانسة ، فمن المحتم ان يحملوا آراء متباينة حول جملة من المسائل السياسية والاجتماعية . وقد انبثقت الآراء الفلسفية والاقتصادية تأريخياً من أفكار المثقفين .

عندما نبحث عن آيديولوجية حزب قومي كحزب هيوا ، يقتضي أن نفترض مسبقاً عدم وجود لآيديولوجية متجانسة واحدة ، وان لا نتطير من وجود تباين فكري وسياسي في صفوف مثل هذه الاحزاب ، ناهيك عن حزب سياسي عام كحزب هيوا الذي له سعة استثنائية ، يقبل في صفوفه ، لا فئة المثقفين فحسب ، بل رؤوساء العشائر وكبار ملاك الأراضي والتجار وكبار الموظفين والضباط .

وقد تأسس حزب هيوا في ظروف الصراعات الفكرية الحادة على الصعيد الداخلي والعالمي ، تمثلت في الصراع الحاد بين الأفكار الاشتراكية والديمقراطية من جهة والأفكار الفاشية والنازية من جهة أخرى . ترك هذا الصراع آثاره على كل حزب وعلى المجتمع في العراق وفي كردستان . فمنذ عام 1930 وجدت حلقات ماركسية في بغداد ، تأثر بها عدد من المثقفين الكورد أيضاً . وحدث نهوض للفكر الديمقراطي عام 1936 أبان الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي الذي كان له صلة بجماعة الأهالي ، وبعد اغتيال بكر صدقي وإسقاط حكومة الانقلاب، انتشرت الآراء النازية في أوساط بعض المثقفين كورد فعل ضد الاستعمار البريطاني وخاصة بعد عودة الإنكليز الى العراق على أثر إخفاق حركة رشيد عالي الكيلاني في مايس 1941 . ان هذه الصراعات الفكرية والسياسية وجدت لها التربة المناسبة داخل حزب هيوا أيضاً ، ففي الوقت الذي كانت شرائح غير قليلة من الأعضاء والقياديين ، بما فيهم رئيس الحزب رفيق حلمي ، يتمسكون ببنود معاهدة سيفر المتعلقة بمصير الشعب الكردي ، ويعتقدون أن بإمكان بريطانيا مساعدتهم في تحقيق طموحاتهم ، كان هناك رد فعل واسع ضد بريطانيا في أوساط واسعة من المثقفين ، وخاصة بين الطلاب والمعلمين وصغار الضباط ، ويعتبرونها هي المسؤولة عن مآسي شعبهم وتنصلها عن الوعود التي اعطتها للكورد بعد الحرب العالمية الأولى ، وتعاملها مع قائد الثورة الكردية الشيخ محمود الذي كان تحت الإقامة الجبرية في بغداد . وتأثر عدد غير قليل من هؤلاء بالأفكار الماركسية ، في حين يدين معظم رؤساء العشائر وكبار ملاك الأراضي وكبار التجار والموظفين الكبار بالولاء لبريطانيا . وقد انعكست ذلك في السلوك السياسي لرئيس الحزب أيضاً . فقد كان رئيس الحزب رفيق حلمي من المثقفين القوميين الذين ناضلوا في صفوف الجمعيات والأحزاب الكردية ، وله قابليات تنظيمية جيدة ويتحمل كل أشكال الأذى في سبيل عقيدته القومية ، وكان بدوره يعتقد ان بإمكان بريطانيا مساعدة الكورد في نيل حقوقهم القومية . ومع هذا وخلافاً للأنسجام مع الأفكار المناهضة للفاشية ، كان يمسك بالسلطة المطلقة في توجيه وقيادة الحزب ويتشبه بالقادة الذين يخلقون هالة من التقديس والطاعة لزعامته . فكان الشعار الذي يتصدر نشريات الحزب وسلوك الأعضاء ، الى جانب " عاش الكورد وكردستان " هو ، " عاش الرئيس المقدس العظيم " وتحية الأعضاء بـ " بزي سه روك = عاش الزعيم " الشبيهة بـ " هاي هتلر " النازية . ان الحماس القومي المسيطر على مشاعر الأعضاء آنذاك ، جعل تلك الأمور وكأنها شيئ طبيعي تماماً ، بل وضروري وواجب مقدس .

إذن ... ان الأيديولوجيات المتباينة كانت تتصارع داخل حزب هيوا ، وخاصة عندما توسعت قاعدته الحزبية لتشمل فئات متباينة من المجتمع الكردي ، ومع كل تلك التناقضات ، كانت هناك مسائل تجمع هذه الفئات المتباينة ، هي حرمان الشعب الكردي من أبسط حقوقه القومية ، بما فيها الحقوق الثقافية والادارية وتخلف الاقتصاد الكردستاني . فالهوية السياسية الواضحة لحزب هيوا كانت حزب قومي برجوازي يميني ، رغم وجود أعداد كبيرة من رؤساء العشائر وكبار ملاك الأراضي الرجعيين من جهة ، وأعداد كبيرة من المثقفين الذين تأثروا بالافكار الاشتراكية وخاصة الماركسية . وكانت طبقة الاقطاعيين قد حافظوا على رصيدهم القومي نتيجة بقائهم في صفوف الشعب الكردي ، بل وقيادتهم للعديد من الانتفاضات والثورات الكردية بعد الحرب العالمية الأولى ، قادت المقاومة ضد البرجوازية التركية والإيرانية منذ القرن التاسع عشر للتصدي ضد الاجراءات القاسية ضد الجماهير الكردية أبان امعانها وتصفية الامارات الكردية شبه المستقلة .

الهيكل التنظيمي لحزب هيوا

انخرطت أعداد كبيرة من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية الكردية في صفوف حزب هيوا من مختلف مناطق جنوب كردستان وفي العاصمة بغداد ، وهم من الطلاب والمعلمين والمدرسين والمحامين والمهندسين والموظفين والضباط وضباط الصف ورؤوساء العشائر وكبار ملاكي الأراضي والتجار والكسبة ورجال الدين ... الخ فأصبح لزاماً اتباع هيكل تنظيمي يستوعب كل تلك الفئات .

وقد أستمر الطلاب على تنظيماتهم الخاصة بهم في المدارس والمعاهد والكليات ، كما أصبح للضباط تنظيماتهم الخاصة ، يترأسها أعلاهم رتبة. فقد ترأس منظمة الضباط في الفرقة الثانية بكركوك آمر الفوج المقدم أمين الراوندوزي . وعندما نقل العقيد عزيز قزاز آمراً لفوج آخر في كركوك ، أصبح هو المسئول عن المنظمة العسكرية وأصبح المقدم أمين الراوندوزي مساعداً له . كما كان لضباط الصف وأئمة الأفواج من رجال الدين خلاياهم الخاصة بهم . وللمعلمين والموظفين تنظيماتهم . وعندما أنظم رؤساء العشائر الى صفوف الحزب ، أصبحت لهم منظمتهم الخاصة ، يترأسها أكثرهم نفوذاً أو أكبرهم سناً . وكان وجودهم يحول دون الوصول الى الفلاحين . وكان الحزب أيضاً يعتبر كسب رئيس العشيرة بمثابة كسب العشيرة جميعها . إلا ان ذلك لم يمنع من دخول أعداد من رؤساء الفرق أو الفلاحين الميسورين والمتنورين في القرى والمناطق التي لا نفوذ لكبار الاقطاعيين فيها الى صفوف الحزب .

واحتفظ الحزب بالتركيب الهرمي والقيادي ، اللذين كانا سائدين في جمعية داركه ر ، في السنة الأولى من تأسيسها . فقد تألفت اللجنة المركزية من عدد من مؤسسي الحزب الذين وصلوا الى مرحلة الدراسة الجامعية في كليات بغداد ، واضافة عناصر أخرى غير طلابية ، وخاصة من الضباط والموظفين اليهم . إلا ان رئيس الحزب كان يجمع في يده معظم الصلاحيات . وعندما نقل رئيس الحزب الى مفتشية المعارف للمنطقة الشمالية ومقرها في السليمانية ، لم تبق للجنة المركزية تلك الأهمية أو الصلاحيات السابقة ، فكان الرئيس يدير أمور الحزب من هناك دون الرجوع الى اللحنة المركزية ، فدب الخلاف بينه وبين اللجنة المركزية ، آل الى فصل عدد من أعضاء اللجنة ، بينهم الأعضاء المؤسسون من الحزب وهم يونس رؤوف ( دلدار ) وكاكه حه مه خانقاه وبرهان حامد جاف وآخرون الذين عارضوا القيادة الفردية لرئيس الحزب رفيق حلمي .

وقد أصبح الرئيس يعتمد الآن بالدرجة الأساسية على المنظمات العسكرية ورؤساء العشائر ، واهمل الى حد كبير دور الطلبة والمثقفين الآخرين .

إذن .. في كل منطقة ( اللواء ) توجد منظمة للطلبة وأخرى للموظفين والمعلمين ، ومنظمة للعسكريين يترأسها أعلاهم رتبة ، ومنظمة للعشائر يترأسها أكثرهم نفوذاً وأكبرهم سناً . وتتألف اللجنة المحلية للواء ، من ممثلي تلك المنظمات ، يترأسها المسؤول العسكري ، ان لم يكن هناك عضو من اللجنة المركزية . لأن الحزب كان يستند الى قوتين مسلحتين ، العسكرية والعشائرية لتكون نواة للثورة المسلحة الكردية . أما دور الطلاب والفئات الآخرى من المثقفين والتجار فلا يتعدى القيام بالدعاية والتحريض والاعانة المالية .
ولم يكن في الحزب انتخابات لأختيار الهيئات القيادية فيه ، فانحصرت الصلاحيات في اتخاذ القرارات برئيس الحزب ..
ـــــــــــــــــــــــــ
هامش صفحة 56

( 18 ) أسس الجمعية كل من عمر جميل باشا وقدري جميل باشا ( ديار بكر ) وفؤاد تموبك ( وان ) وزكي بك ، وأصدرت مجلة ( روزي كورد ) ثم ( هتافي كورد ) ثم ( زين ) . وقد ضعف نشاط الجمعية بسبب اندلاع الحرب ثم منع نشاطها من قبل الكماليين ، فأنتقل نشاطها الى كردستان العراق وسوريا . وكان رفيق حلمي أحد النشطاء فيها .

( 19 ) هذا ما أورده الدكتور عبدالعزيز شمزيني في رسالته للدكتوراه ( الحركة التحررية الكردية ) .

الحلقة العاشرة
حقيقة الرسائل المتبادلة بين
السيدين رفيق حلمي وماجد مصطفى
حاول السيد ماجد مصطفى التسلل الى المجالات الجماهيرية التي كان لحزب هيوا نفوذ فيها . وقد رشح نفسه في انتخابات جمعية نادي الارتقاء الكردي دون ان يكون ضمن القائمتين المتنافستين ، قائمة حزب هيوا وقائمة المعتمد العام للجمعية السيد معروف جياووك ( 24 ) وكان على يقين بأن قائمة حزب هيوا هي التي تفوز ، فاذا انتخب ، قد يتسنى له ان يتصدر هذه القائمة بحكم سنه ومنصبه الوزاري وتأريخه السياسي. إلا ان الصراع بين القائمتين انتهى بالتوفيق بينهما كما سيأتي البحث عنه فيما بعد . فلم يتسن للسيد ماجد مصطفى من دخول النادي وفي حادثة أخرى أيقن انه لا مناص من التقرب من حزب هيوا، وتلك الحادثة كانت سفره الى الشمال ، حيث ألمح لمؤيديه للتحشد في محطة قطار بغداد لتوديعه ، وكان رئيس حزب هيوا السيد رفيق حلمي يسافر بنفس القطار ، فقام الحزب ـ بناءً على طلب رئيسه ـ بتحشيد أعضائه ومؤيديه لتوديع السيد رفيق حلمي فكان مظاهرة أمام الحكومة وأمام السيد ماجد مصطفى فتحشدت جماهير غفيرة في ذلك اليوم . وبعد هاتين الحادثتين ،فاتح السيد ماجد مصطفى رئيس الحزب فتبين انه مستعد لتمهيد الطريق له لضمه الى التشكيلة الوزارية في أول تعديل لها، ان هو مهد الطريق له للوصول الى منصب نائب رئيس الحزب . ويظهر من الرسالة الجوابية التي وجهها السيد رفيق حلمي اليه ، انه مستعد لتعاون معه ولكنه لا يثق بعوده ( 25 ) .
لقد أوصل هذه الرسالة الجوابية أبن شقيقة ماجد مصطفى وهو النقيب فؤاد عارف الى مؤلف هذا الكتاب ( مكرم الطالباني ) وكان طالباً في كلية الحقوق آنذاك . وقد بين السيد فؤاد عارف بانه أخذ هذه الرسالة من دون موافقة خاله السيد ماجد مصطفى ، فطلب عدم ذكر اسمه .
وتصدياً للمساومة الوشيكة التي كانت تجري حول مستقبل المسألة الكردية من وراء ظهر عشرات الألوف من أعضاء الحزب والجماهير الكردية . قدم ( المؤلف ) تلك الرسالة الى اللجنة المركزية لحزب هيوا طالباً منها القيام بالتحقيق من حقيقة تلك المساومة من وراء ظهر الشعب والحزب ، واتخاذ الاجراءات لا حباطها وحماية الحزب والقضية الكردية .
وبدلاً من ان تقوم اللجنة المركزية بأجراءات حزبية للتحقق من الموضوع أمام رئيس الحزب السيد رفيق حلمي بتشكيل هيئة تحقيقية من العناصر الموالية له ، وهم السادة فائق هوشيار وبرهان حامد الجاف وكاكه حه مه خانقاه ورشيد اسماعيل آغا باجلان ، مدعياً ان الرسالة المنسوبة اليه ما هي إلا " مؤامرة شيوعية " تهدف الى تشويه سمعة وتخريب الحزب . ولم يكن ( للمؤلف ) أية علاقة بالكتل الشيوعية آنذاك . وحاول رئيس الحزب الضغط على ( المؤلف ) للتخلي عن طلبه باجراء التحقيق في الموضوع ، وبسبب عدم الرضوخ للضغوط ، أصدرت الهيئة التحقيقية قراراً مستعجلاً يقضي بأبعاد ( المؤلف ) وعشرين آخرين من أعضاء الحزب الذين يحملون أفكاراً ماركسية من الحزب .
ان الماركسيين الذين فصلوا من الحزب ، كانوا مرتبطين ارتباطاً مزدوجاً بحزب هيوا وبالكتل الماركسية المنشقة عن الحزب الشيوعي العراقي ، وهي : " وحدة النضال = يه كيتي تيكوشين " ، التي انضمت فيما بعد الى الحزب الشيوعي العراقي . علماً ان أياً من هؤلاء لم يكن له علم بموضوع تلك الرسائل .
آراء المعنيين بحقيقة تلك الرسائل
على أثر نشر مقالات متسلسلة في المجلات الكردية الصادرة في بغداد ( 26 ) من قبل ( المؤلف ) ادت الى امتعاض عدد من المعنيين ، فاجرت مجلة ( رنكين ) مقابلة معهم حول حقيقة تلك الرسائل فكانت أجوبتهم كالآتي : ـ
قال السيد رشيد باجلان ، وهو قاضي متقاعد وأحد أعضاء اللجنة التحقيقية التي شكلها السيد رفيق حلمي :
" حينما أتذكر ان السيد مكرم قد سلم رسالة بتوقيع رئيس الحزب الى اللجنة المركزية ، يطلب فيها حل حزب هيوا ، يزعم ان حزب هيوا لا يتلائم مع المرحلة الحالية وان تكتلات مؤلفة من المثقفين والضباط قد تكونت ضد مسيرة الحزب ورئيسه ، فاجتمعت اللجنة المركزية برئاسة السيد يونس رؤوف ( دلدار ) وبعد التحقيق ، تبين ان التوقيع على الرسالة لم يكن توقيع رئيس الحزب السيد رفيق حلمي وللتأكد من حقيقة تلك القضية كلفت اللجنة لعرض الرسالة على رئيس الحزب وأعضائه من الضباط ، وقد حضر اللقاء الضباط مير حاج ومصطفى خوشناو وبكر حويزي وآخرون . وقد أمتعض السيد رفيق حلمي عندما علم بالرسالة المنسوبة اليه ، وقال " كيف ادعو الى حل حزب وأنا معه روحياً وقلبياً وأخذ يبكي . وبعد ذلك عقد اجتماع في دار ( علي حمدي ) تقرر فيه تشكيل محكمة برئاسة السيد فائق هوشيار وعضوية كاكه حه مه خانقاه ورشيد باجلان وبرهان حامد الجاف . وقد تبين لنا براءة السيد رفيق حلمي وعدم علمه بالرسالة وكانت من صنع مجموعة كانت تتحين الفرصة لتخريب حزب هيوا . واخيراً قررت المحكمة فصل عدد من الأعضاء الذين كانوا ضد رئيس الحزب وأهدافه ، وكان السيد مكرم الطالباني من بينهم . وحسبما أتذكر لم يرد أسم السيد ماجد مصطفى اثناء المحاكمة .
وقال السيد فائق هوشيار ( 27 )
لم تكن لتلك الرسالة علاقة برسالة السيد ماجد مصطفى . كانت المحكمة قد دققت رسالة نسبت الى رئيس الحزب المرحوم رفيق حلمي يريد فيها حل الحزب ، فتبين للمحكمة ان تلك الرسالة كانت مصطنعة ولم يوقعها المرحوم رفيق حلمي وكانت مزورة ولا علم له بها ، لذا قررت المحكمة ابعاد السيد مكرم الطالباني عن الحزب .
وقال السيد فؤاد عارف (28 )
" ان صداقتي مع د . مكرم الطالباني وان كانت قديمة إلا انه اثناء هذه الحادثة كان السيد مكرم لا يزال طالباً جامعياً وكنت أنا آمر لسرية الانضباط العسكري لمدينة بغداد وكنت عضواً في حزب هيوا . وكنت أتردد على الدار التي يجتمع فيها عدد من أصدقائي بينهم السيد فاضل الشيخ رؤوف الطالباني وكنت أشاهد هناك مكرم الطالباني ولكن لم نكن أصدقاء بعد بسبب تباين العمر بيننا . وانني لم أقم بأي عمل سياسي معه ولا يعقل ان يكون هو واسطة لأيصال رسالة مني الى حزب هيوا ، لانني كنت أتمكن من إيصال الرسائل الى حزب هيوا عن طريق أصدقائي من الضباط الذين كانوا أعضاء في حزب هيوا ومن أصدقائي الحميمين.
إنني لأول مرة أسمع عن هذه الرسالة فلم تكن أصلاً مثل هذه الرسالة ولم أرسل أية رسالة الى حزب هيوا عن طريق د . مكرم .
وحسب علمي ان رسالة بحثت في حزب هيوا في الاربعينات كانت قد أرسلها خالي ماجد مصطفى الى عدد من الشخصيات الكوردية من الطبقة المثقفين ورؤساء العشائر وكذلك الى رئيس حزب هيوا رفيق حلمي وذلك اثناء الحرب العالمية الثانية . وكان خالي ماجد يطلب فيها من هؤلاء بيان آرائهم حول مستقبل الكورد ، ماذا سيكون مصير الكورد بعد الحرب من قبل الحلفاء ، كمصير هؤلاء الذين يحاربون ضد دول المحور .
أجاب رئيس الحزب على رسالة ماجد مصطفى مبيناً فيها آرائه ، وأرسل صورة منها الى البلاط الملكي وصورة الى نوري السعيد . وبعد ذلك عقد لقاء في دار الشيخ محمد غريب في السليمانية اشترك فيه العديد من الضباط ومسؤولي حزب هيوا . وجرى في الاجتماع عتاب بين السيد ماجد مصطفى ورفيق حلمي حول ارسال صور من جوابه الى الجهات الرسمية . اشترك في النقاش عدد من الضباط وانتقدوا رئيس الحزب لعدم بحث الرسالة في قيادة الحزب ، فكان جوابه ، ان تلك الرسالة كانت رسالة خاصة وقد بينت فيها آراء الشعب الكردي فأجابه ماجد مصطفى قائلاً : كان من الأوفق ان تأخذ آراء الحزب وتقدمها كمذكرة الى الجهات المختصة ، ثم تعانق رئيس الحزب وماجد مصطفى.
ثم يقول السيد فؤاد عارف : " نقلت بعد ذلك الى جنوب العراق ، فانقطعت صلتي بحزب هيوا وقليلاً التقي مع أعضائه . ولم التقي بعد ذلك بالسيد مكرم الطالباني حتى ثورة الرابع عشر من تموز 1958، علمت آنذاك انه صاحب منزلة في الحزب الشيوعي .
وأريد أن أقول بهذه المناسبة ، يجب ان تكون الكتابة عن الاحداث التاريخية وسيرة الاشخاص والقادة بدقة كبيرة . وقد رأيت بأسف شديد ان د . مكرم لم يورد أسم ماجد مصطفى في كتاباته باحترام وتعظيم مع انه كان لماجد دور بارز في ثورات الشيخ محمود وكان شخصاً بارزاً في المجتمع .
كان السيد فائق هوشيار رئيساً للمحكمة التي شكلها رئيس الحزب السيد رفيق حلمي لفصل العناصر اليسارية من حملة الافكار الماركسية في حزب هيوا ، كما كان السيد رشيد باجلان أحد أعضائها . والملاحظ ان أعضاء المحكمة جميعهم من العناصر اليمينية المعروفة في الحزب وشكل المحكمة رئيس الحزب لا للوصول الى حقيقة تلك الرسالة ، بل كما عبر بصراحة للقضاء على المؤامرة الشيوعية " لتخريب الحزب .
ان السيدين فائق هوشيار ورشيد باجلان يتحدثان عن رسالة (29 ) لاعلاقة لها بموضوع البحث . ان الرسالة التي تلقاها (المؤلف ) من يد السيد فؤاد عارف تتعلق بموضوع المساومة بين السيد رفيق حلمي والسيد ماجد مصطفى على نيابة رئاسة الحزب والمنصب الوزاري ، في حين يتحدث عضوا المحكمة عن رسالة صادرة عن رئيس الحزب يدعو فيها الى حل الحزب لأنه لم يعد يعبر عن طموح الشعب الكردي في تلك المرحلة . ان المؤلف لم يقدم رسالة بهذا المعنى الى اللجنة المركزية ، فلا يخلو الأمر من حالتين ، أما ان القيادة اليمينية هي التي زورت تلك الرسالة بهدف اخفاء الرسالة الحقيقية المعبرة عن المساومة بين الرجلين ، أو ان السيد فائق هوشيار ورشيد باجلان التبس عليهما الموضوع . فهناك رسالة أخرى نسبت الى رئيس الحزب عام 1945 يدعو فيها الى حل الحزب لأنه لم يعد يعبر عن طموح الشعب الكردي في تلك المرحلة ، وهي الرسالة التي وقعها السيد رفيق حلمي بضغط من الضابطين في ( لجنة الحرية = ليزنه ي ئازادي ) التي سيأتي البحث عنها ، أعلن فيها استقالته من الحزب ودعى الى حله . وقد أنكر رئيس الحزب فيما بعد توقيعه على تلك الرسالة .
لقد مرّ على الرسالة التي تلقاها ( المؤلف ) من السيد فؤاد عارف أكثر من نصف قرن ، اعترف خلاله عشرات المرات وأمام عشرات الناس بحقيقة تلك الرسالة ، وتحت ضغوط من أقاربه ، أنكر السيد فؤاد عارف تسليم تلك الرسالة الى ( المؤلف ) وأشار الى رسالة لا علاقة لها أيضاً بموضوع الخلاف الذي حصل داخل الحزب ، والأمّر من ذلك أنكر السيد فؤاد عارف معرفته بالمؤلف آنذاك ومشاركته أياه في أي عمل سياسي . في حين ان المؤلف كان عضواً قيادياً في حزب هيوا وان فؤاد عارف كان عضواً فيه وشارك الاثنان في العديد من النشاطات السياسية في تلك الفترة إليكم احداها :
قدم الحزب مذكرات سياسية عن حق الكورد في تقرير مصيرهم الى سفارات الدول الكبرى في بغداد وفيها سفارة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد طلبت السفارة إجراء لقاء مع هيئة حزبية للتعرف على حقيقة وأهداف حزب هيوا فأختار الحزب السادة النقيب فؤاد عارف وبرهان حامد الجاف وأنور جميل الجاف والمؤلف مكرم الطالباني للاجتماع بمستشار السفارة الأمريكية . ودار الحديث حول حزب هيوا ونفوذه بين الكورد وهل للحزب علاقة مع الحركة الكردية في كردستان إيران وماهية أهداف الحزب ... الخ .
ويتحدث السيد فؤاد عارف عن صداقته مع السيد فاضل رؤوف الطالباني . في حين ان المذكور لم يكن في بغداد أصلاً ، وقد تخرج من كلية الحقوق في الثلاثينات فتعين مديراً للناحية ثم محامياً في كركوك . ولم يكن المرحوم فاضل رؤوف الطالباني عضواً في حزب هيوا ، كما لم يكن المرحوم فاضل فيض الله الطالباني الذي كان يسكن مع المؤلف في دار واحدة ببغداد ، عضواً في الحزب آنذاك ، ان الوحيد الذي كان له علاقة سياسية معه هو المؤلف مكرم الطالباني .
وعلى الرغم من ادعاء السيد فؤاد عارف آنذاك بأنه أخذ الرسالة من بين أوراق السيد ماجد مصطفى ، ان المؤلف يعتقد ان ماجد مصطفى هو الذي سلم رسالة السيد رفيق حلمي الى فؤاد عارف ليسلمه الى المؤلف بالذات . فان كانت الرسالة هي بتوقيع السيد رفيق حلمي ، وهذا هو المرجح ، استهدف ماجد مصطفى فضح حقيقة رئيس الحزب وتهافته على المنصب الوزاري ، وان كانت مزورة ، كما أدعى بها السيد رفيق حلمي وأعضاء المحكمة التي شكلها ، فان التزوير يتعلق بالسيد ماجد مصطفى وكان لنفس الغاية .
ان اعطاء الأهمية لتلك الرسالة يتعلق بمصير الحزب ، فقد بادرت القيادة اليمينية بفصل أنشط العناصر في الحزب ، وهم من حملة الأفكار اليسارية وقد كتب الدكتور عبدالعزيز الشمزيني حول هذا الموضوع يقول : " فقد شعر الاستعمار البريطاني بأن سمعة الحزب تزداد وان تأثيره يشتد وتأكد من ان نمو هذا الحزب وازدياد نفوذه بهذه الصورة سيؤدي حتماً الى غلبة الحركة الثورية الكردية والحاق اضرار جسيمة بالمصالح الاستعمارية ، لذلك وضع نصب عينيه القضاء على هذا الحزب مهما كلفه الأمر ، فبدأ بتخريب الحزب من الداخل وتفكيكه مشعلاً نار الخلاف بين جناحيه اليساري واليمين الى أن تمكن من القضاء على الجناح اليساري الذي كان يمثل الأغلبية الساحقة من الأعضاء الوطنيين والتقدميين من الضباط والجنود الشباب والمثقفين وكذلك الشيوعيين . وقد أعتمد في تحقيق غايته هذه على العناصر اليمينية في الحزب ... ( 30 )
وهل يجد الانكليز خيراً من السيد ماجد مصطفى وزير الدولة في حكومة نوري السعيد الموالية لهم للقيام بذلك .
ان اللجنة المركزية التي تسلمت الرسالة المنسوبة الى رئيس الحزب السيد رفيق حلمي ، بدلاً من ان تقوم بالتحقيق النزيه في موضوع تلك المساومة اعلنت ان ذلك مؤامرة شيوعية ! " ورضخت لضغوط رئيس الحزب بتشكيل محكمة من العناصر اليمينية المعروفة لتصدر قرارها بفصل العناصر اليسارية . وبذلك اسقطت تهمة المساومة عن السيدين رفيق حلمي وماجد مصطفى .
وقد كتبت جريدة الحزب الشيوعي العراقي ( القاعدة ) مقالاً عن تلك المساومة بقلم السكرتير العام للحزب الرفيق فهد تحت عنوان " الشعب الكردي بين الحانة والمانة " (31 ) أوضح فيه ان مسألة الحقوق القومية للشعب الكردي هي التي تتعرض للضياع في عملية السير وراء رئيس الحزب ووزير الدولة ماجد مصطفى ... وفي مقال آخر بعنوان ، " الشعب الكردي بحاجة الى حزب عمل لا حزب أمل " أشارت الجريدة الى تجميد آلاف الشباب عن النضال السياسي الحقيقي من أجل تحقيق الديمقراطية في العراق التي في طيها فقط يتمكن الشعب الكردي من الافصاح عن رأيه الحر في البقاء ضمن العراق أو الانفصال عنه .
لقد دب الخلاف وتوالت الانشقاقات في صفوف الحزب نتيجة لهذا العمل الانتقامي بحق الذين يحملون آيديولوجية تقدمية داخل الحزب ، أدت الى انقسام هيوا الى عدة كتل شبه مستقلة . وكان فصل العناصر اليسارية من الحزب شكلياً فقط . فقد احتفظ هؤلاء بصلاتهم بمنظمات حزب هيوا وعملوا معها لدفع الحركة الكردية الى الامام ، وبقي رئيس الحزب يحتفظ بمسؤلياته في قيادة الحزب بعد أن نزع عنه تلك الهالة من التعظيم والقدسية ( الرئيس المقدس العظيم )، فاضطر بعد هذه الهزة العنيفة الى استشارة الهيئات الحزبية المسؤولة وعدم اتخاذ قرارات فردية في المسائل الهامة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
( 24 ) ينتمي السيد معروف جياووك الى عشيرة بالك الكردية القاطنة في أطراف راوندوز وقد تسلم السيد معروف جياووك مناصب قضائية وكذلك مناصب إدارية ( مدير عام انحصار التبغ ومتصرف لواء السليمانية ) كما انتخب نائباً في البرلمان. وهو من مؤسسي جمعية نادي الارتقاء الكردي ( كومه له ي سه ر كه وتني كوردان ) .
(25 ) أعترفت الدكتورة باكيزة رفيق حلمي أمام شخصين بحقيقة وجود رسالة السيد ماجد مصطفى الموجهة الى والدها المرحوم رفيق حلمي بين الوثائق الموجودة .
( 26 ) العدد 136 من مجلة ( روشنبيري نوي = المثقف الجديد ) الصادرة عن دار الثقافة والنشر الكردية ـ مقالة بعنوان صفحات من نضال حزب هيوا .
( 27 ) السيد فائق هوشيار ولد في السليمانية عام 1921 وبعد اكمال الدراسة الابتدائية والمتوسطة فيها انتقل الى بغداد لأكمال الدراسة الاعدادية وتخرج من كلية الحقوق ثم تسلم عدة مناصب قضائية وإدارية منها حاكم التحقيق ورئيس بلدية السليمانية ومدير عام الاستيلاء بوزارة الاصلاح الزراعي وعضو محكمة التمييز ومدير عام التسجيل العقاري .
( 28 ) تخرج السيد فؤاد عارف من دورة خاصة بالكلية العسكرية . عين مرافقاً للملك غازي عام 1936 ، ثم تدرج في الجيش الى أن وصل الى رتبة زعيم ( عميد ) وعين متصرفاً بعد ثورة 14 تموز 1958 ثم وزيراً للدولة وتسلم مناصب وزارية بعد مقتل عبدالكريم قاسم ، منها نائباً لرئيس الوزراء في وزارة الرئيس عبدالرحمن عارف ثم أحيل على التقاعد برتبة ( لواء ) .
( 29 ) العدد 88 من مجلة رنكين الصادرة عن دار النشر والثقافة الكردية 1996
( 30 ) د . عبدالعزيز الشمزيني ـ الحركة القومية التحررية الكردية ـ رسالة دكتوراه ـ 1986 .
( 31 ) جريدة القاعدة ـ لسان الحزب الشيوعي العراقي ـ العدد 2 لسنة 1945 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحلقة 11

النشاط العلني لحزب هيوا

على الرغم من ان حزب هيوا كان حزباً سرياً ، إلا ان الحركة المسلحة التي اندلعت في بارزان عام 1943 بالتعاون مع الحزب . اضطرت الحكومة الى الدخول في حوار معه ومع قائد الحركة مصطفى البارزاني . وقد بدأ الحزب بالاستفادة من المؤسسات الثقافية المجازة قانوناً وأهم تلك المؤسسات كانت جمعية نادي الارتقاء الكردي ( كومه له ي يانه ي سه ركه وتني كوردان ) (32 )
ومجلة ( كلاويز ) والاحتفال بعيد نوروز .

نادي الارتقاء الكردي ( يانه ي سه ركه وتني كوردان )

كانت جمعية نادي الارتقاء الكردي قد تأسست في بغداد عام 1930 هدفها نشأة وتطوير الثقافة الكردية . وكان نشاط النادي محدوداً يقتصر على عقد اجتماعات الهيئة الادارية في دار رئيس النادي السيد محمد أمين زكي الذي كان وزيراً للاقتصاد أو دار المعتمد العام السيد معروف جياووك الذي كان قاضياً في ديوان التدوين القانوني بوزارة العدل .

ان توسع نشاطات حزب هيوا في مدن كردستان وفي العاصمة بغداد شجع المعتمد العام السيد معروف جياووك وسكرتير النادي الاستاذ عبدالرحمن نورجان للقيام بجولة في كردستان لجمع التبرعات واستئجار بناية مناسبة للنادي لتوسيع النشاط الثقافي فيه . وقد ساند حزب هيوا المسعى ودعا اعضائه الى تنشيط النادي والاستفادة منه للنشاط العلني في المجالات الثقافية والاجتماعية .

وفي انتخابات الهيئة الادارية الجديدة عام 1943 فاز فيه السادة محمد أمين زكي ( عضو مجلس الاعيان ووزير سابق ) رئيساً للنادي ومعروف جياووك ( عضو هيئة التدوين القانوني ) معتمداً عاماً وعبدالرحمن نورجان ( خريج كلية التربية ) سكرتيراً وعلي كمال ( مدير شرطة متقاعد وتاجر ) وميرزا فرج ( تاجر ) وعبدالله لطفي ( صاحب مصنع للسكاير وتاجر تبوغ ) ومحمد علي عزيز ( ضابط متقاعد ) وبشير مشير ( خياط ) وعبدالرحيم فيلي ( تاجر ) وعارف بشدري ( محامي ) ومكرم الطالباني ( طالب جامعي ) ومسعود بهاءالدين النقشبندي ( طالب جامعي ) أعضاءاً في الهيئة الادارية الأئتلافية . وكان الاخيران يمثلان حزب هيوا في الهيئة الادارية الجديدة .

بدأ النشاط يدب في النادي ، ففي مساء كل يوم جمعة يجري اجتماع عام يحضره جمع غفير من المثقفين الكورد ، تلقى فيه محاضرات عن تاريخ وثقافة الشعب الكردي يساهم فيها المثقفون البارزون من الكورد السادة محمد أمين زكي ( مؤرخ ) وتوفيق وهبي ( خبير باللغة الكردية ) وآخرون .

وعند زيارة قائد الحركة الكردية المرحوم مصطفى البارزاني الى بغداد عام 1943 ، أقام النادي حفلة استقبال على شرفه ، الأمر الذي أدى الى وضع النادي تحت مراقبة أجهزة الأمن الحكومية وأجهزة الاستخبارات البريطانية . وكان الانكليز يترددون الى النادي ويحذرون من تسرب " الشيوعيين " إليه .

وقد بدأ الصراع بين الشخصيات الكردية الذين ينتهزون مثل هذه الفرص لتصيد المناصب ، فأصبح واضحاً ان هناك جبهتين في انتخابات الهيئة الادارية للنادي لعام 1944، جبهة حزب هيوا ، وتكوّن الأكثرية من أعضاء النادي ، وتضم قائمتهم للهيئة الادارية ، بالاضافة الى الأعضاء المنتسبين الى الحزب ، السيد محمد أمين زكي لرئاسة النادي والسيد علي كمال كمعتمد عام للنادي . أما قائمة المعتمد العام السيد معروف جياووك ، فكانت تضم الأعضاء القدامى بأستثناء علي كمال . فأصبح السادة محمد أمين زكي ومكرم الطالباني ومسعود النقشبندي في القائمتين . وحاول السيد ماجد مصطفى ادخال أسمه في قائمة حزب هيوا فلم يفلح فرشح نفسه مستقلاً ولكنه كان يطلب من الطلاب اعطاء صوتهم له . وعند اجراء الاقتراع وفرز الأصوات أيقن معروف جياووك فوز قائمة حزب هيوا ، فتظاهر بالمرض وطلب تأجيل فرز الأصوات الى اليوم التالي . ولم تفد محاولة الطلاب لأنجاز فرز الأصوات . وأعلن معروف جياووك في الصحف في اليوم التالي بان الانتخابات قد جرى بشكل غير قانوني وجرى فيها التزوير فقررت الهيئة الادارية ( ولم تجتمع الهيئة وجرت الانتخابات وفرز الاصوات تحت اشرافه ) الغاء الاقتراع وتأجيل الانتخابات الى موعد سيعلن عنه فيما بعد .

وفي اجتماع الهيئة الادارية أصر ممثلا الطلاب ( مكرم الطالباني ومسعود النقشبندي ) وشارك معهم السيد كاكه حه مه خانقاه على تحديد موعد للانتخابات فجرى تحديد الموعد من قبل المعتمد العام السيد معروف جياووك ونشر في الصحف وأعلن في النادي .

تجمع الطلاب في الموعد المحدد للانتخابات أمام النادي ، إلا انهم وجدوا النادي مغلقاً وامامه شرطيان منعا الأعضاء من دخول النادي بأمر وزير الداخلية . واجتمع مرشحوا حزب هيوا لأقرار ما يلزم القيام به تجاه هذا الخرق الفاضح للقانون وللنظام الداخلي للنادي . فقرروا عقد اجتماع الهيئة العامة في بناية ( الميتم الاسلامي ) الكائن مقابل بناية النادي ، وبعد انتخابات هيئة مشرفة على الانتخابات واجراء الاقتراع فازت قائمة هيوا بالاجماع . واتباعاً لقانون الجمعيات جرى تبليغ وزارة الداخلية ( مديرية الجمعيات) بكتاب بنتائج الانتخابات وبأسماء الفائزين فيها كأعضاء جدد للهيئة الادارية للنادي ، وفي اليوم التالي أمر السيد وزير الداخلية باعتقال أعضاء الهيئة الجديدة باستثناء السيدين محمد أمين زكي وعلي كمال . وبعد اسبوعين من الحبس الاحتياطي اطلق سراحهم بكفالة .

تجاه هذا الوضع المتأزم في النادي ، توسط محمد أمين زكي بين الطرفين لأعداد قائمة مشتركة تضم الى جانب ممثلي الطلاب ( من حزب هيوا ) الشخصيات الكردية المعروفة ، وهم السادة محمد أمين زكي ومعروف جياووك وعلي كمال وتوفيق وهبي وجمال بابان وعبد الرحيم فيلي ومحمد بابان ونوري شاويس ومكرم الطالباني ومسعود النقشبندي, جرت الانتخابات على أساس هذه القائمة الموحدة ، ففازت بأكثرية الأصوات .

حزب هيوا والعيد القومي الكردي " نوروز "

كان عيد نوروز من الاعياد التي يحتفل به معظم شعوب منطقة الشرق الأوسط . فكان الكورد يحتفلون به بايقاد المشاعل فوق السطوح ايذاناً بانتهاء فصل الشتاء القارص وبدء اليوم الجديد للربيع . ففي هذا اليوم تخرج قطعان الغنم والمعاز والابقار من مخابئها نحو السهول الخضراء وينتشر مربو المواشي لرعي مواشيهم فتعم الفرحة جميع المخلوقات في كردستان .

ان الشاعر الكردي المعروف الحاج توفيق ( بيره ميرد ) قد أضفى محتوى ومعنىً جديدين على هذا العيد ، فجعل فيه عيداً قومياً للكورد .

ومنذ القديم ، تفسر أسطورة ( أزدرهاك وكاوه ) بأن انتفاضة الجماهير الكردية بقيادة كاوه الحداد للقضاء على الحاكم الظالم المستبد أزدرهاك ( ضحاك ) قد حدثت وانتصرت فيها الجماهير على حكم أزدرهاك الذي اذاقها الآمرين ، فأعلنت عن يوم جديد في حياة الشعب الكردي . وقد أحيا بيره ميرد هذه الأسطورة ، فكانت جماهير السليمانية تستجيب لدعوته للأحتفال بهذا العيد في كردي سيوان بضاحية السليمانية في كل عام .

لقد شعرت الحكومة آنذاك ، بأن الاحتفال بهذا العيد كعيد قومي يجدد المشاعر القومية لدى الكورد، وقد يكون احدى الوسائل لتوحيد تلك المشاعر في سائر ارجاء كردستان فاخذت تعرقل وتمنع القيام بأي نشاط جماهيري في ذلك اليوم ، حتى انها جندت بعض رجال الدين من الكورد ضد القيام باحتفالات عيد نوروز مدعين انه عيد المجوز ومناهض لتعاليم الدين الاسلامي . أما أكثرية رجال الدين فكانوا يشاركون الجماهير الكردية وبشكل طبيعي في هذا اليوم دون أن يخطر ببال أحد انه عيد للمجوز ومخالف لتعاليم الاسلام . ولكثير من رجال الدين علماء الشريعة والمتصوفين ، قصائد في عيد نوروز والتغني بقدرة الخالق في اضفاء الجمال على الطبعية في هذا اليوم .

وعندما توسعت مجالات نشاط حزب هيوا ، تحول هذا العيد الى تظاهرة سياسية جابهتها الحكومة في البداية بالمنع ، إلا انها اضطرت الى الاقرار الواقعي به . ففي نوروز من عام 1944 قدم لفيف من الطلاب طلباً الى وزارة الداخلية للسماح لهم بإقامة احتفال بمناسبة عيد نوروز في بغداد ، جرى الاحتفال في دار المرحوم برهان حامد الجاف في محلة النصة بالاعظمية لم يحضره من المسؤلين الحكوميين سوى معاون مدير عام الداخلية سعيد قزاز .

فكلف حزب هيوا ( المؤلف ) بتقديم برنامج الاحتفال ، كما كلف السيد فائق هوشيار بالقاء كلمة الحزب في الاحتفال ، وكانت عن النشأ التاريخي لهذا العيد وأسطورة كاوه وأهمية ذلك للشعب . كما قدمت قصائد وطنية وأناشيد قومية وشارك في الاحتفال المغنون الكورد والفرقة الموسيقية للأذاعة الكردية .

وفي نوروز ( 21 آذار ) من عام 1945 ، كان المرحوم السيد حمدي الباجه جي رئيساً للوزراء وأستوزر كرديان في الوزارة وهما السيد توفيق وهبي وزيراً للمعارف والسيد عمر نظمي نائباً لرئيس الوزراء ، قدم الطلاب طلباً رسمياً الى وزارة الداخلية للقيام بعيد نوروز في حديقة قاعة الملك فيصل ( قاعة الشعب حالياً ) فوافقت الوزارة على الطلب . وتجمهر جميع غفير من العوائل الكردية في مكان الاحتفال ، فوجئوا ، بحضور رئيس الوزراء بنفسه يرافقه سبعة وزراء بينهم السادة توفيق وهبي وعمر نظمي وصالح جبر وآخرون .

قدم مكرم الطالباني كلمة الاحتفال مرحباً بفخامة رئيس الوزراء وأصحاب المعالي الوزراء والحاضرين ، ثم تحدث عن المغزى التاريخي والاجتماعي والسياسي لهذا العيد بالنسبة للشعب الكردي ، وانتقد الجهات التي تحاول تفسيراً خاطئاً ، ثم انتقد بشدة مقالات صحيفة ( البعث القومي ) التي كان يصدرها سامي شوكت المليئة بالآراء الشوفينية تجاه القوميات والاقليات غير العربية . ثم قدم البرنامج الفني ، وهو عبارة عن أغاني وأناشيد قومية ورقصات فولوكلورية كردية . وهكذا أصبح هذا العيد تقليداً رسمياً للسنوات المقبلة يحتفل به الاكراد بصورة منتظمة وبموافقة السلطات الحكومية ومشاركة المسؤولين في الدولة في أكثر الاحيان .

عـلاقة حزب هيوا بمجلة ( كلا ويز )

منحت وزارة الداخلية امتياز إصدار مجلة أدبية ثقافية باللغة الكردية " كلاويز " إلى المحامي السيد إبراهيم أحمد ، فصدر العدد الأول منها في 1 كانون الأول من عام 1939. وبعد اصدار عدة أعداد من المجلة تعين صاحب المجلة السيد إبراهيم أحمد حاكماً ( قاضياً ) في مدينة حلبجة ، فأصبح متعذراً عليه الأستمرار في إصدار المجلة في بغداد .

وبعدها تولى السيد على كمال تمويل اصدار المجلة وتعيين المحامي السنوي ( وهو كردي الأصل عاش في بغداد مديراً مسؤولاً عنها . وقام الشيخ علاء الدين سجادي وهو من المثقفين الكورد وعضو في حزب هيوا، بالأشراف على إصدار المجلة ساعده الحزب في نشرها وتوزيعها في كردستان . وقد كان امتياز المجلة للأمور الثقافية ، فيتعذر على الحزب استغلالها للأمور السياسية أو الحزبية ، فكانت تنشر المقالات الثقافية والاجتماعية والتاريخية وقد تخطت المجلة حدود امتيازها عندما نشر السيد على كمال مقالاً افتتاحياً جواباً على مقال نشره الأمين العام للجامعة العربية آنذاك الدكتور عبدالرحمن عزام بعنوان ( الأقليات القومية في الوطن العربي ) في مجلة مصرية تطرق فيه إلى المسألة الكردية في العراق بشكل مغاير لطموح الكورد . وقد رد السيد علي كمال عليه ، فتعرضت المجلة إلى مسائلة وزارة الداخلية كادت تؤدي الى غلقها والغاء امتيازها وذلك نتيجة للخلافات بين المعتمد العام لنادي الارتقاء الكردي السيد معروف جياووك وعضو الهيئة الإدارية للنادي السيد علي كمال ـ فادعى جياووك ان إبراهيم أحمد حاكم لا يجوز له إصدار المجلة وان المشرف على إصدارها الشيخ علاءالدين سجادي غير عراقي . فجرى إيقاف المجلة عن الصدور والتأكد عن عراقية المرحوم الشيخ علاء الدين سجادي . وأبدى السيد أحمد استعداده عن التخلي عن وظيفته لضمان استمرار المجلة في الصدور ولكن تمت تسوية الأمر عندما تم الاتفاق على قائمة ائتلافية مشتركة لادارة النادي كما أسلفنا سابقاً .

لماذا تظاهرت الحكومة بالاستجابة لمطاليب الكورد ؟

كانت الحرب العالمية الثانية قد تحول ثقلها نحو الشرق ، فقد هاجمت القوات الالمانية الاتحاد السوفياتي وتقدمت في عمق اراضيها ، إلا ان هذا التقدم كان يكلفها ثمناً باهضاً في مواردها البشرية والمالية ، فقد هبت شعوب الاتحاد السوفياتي للدفاع عن الوطن الاشتراكي وهي تقاتل النازيين شبراً شبراً ، وادرك الحلفاء ان انهيار الجبهة السوفياتية ، وهم لم يتهيأوا للأنتقال الى الهجوم في أوربا ، معناه انهيار الحلفاء في أهم مرحلة من مراحل الحرب ، كما أن انتصار القوات السوفياتية في أوربا يكون نكسة كبيرة للرأسمالية فيها . فقد تجمعت القوات البريطانية ( الجيش العاشر ) في كردستان لمجابهة احتمالات تقدم القوات الهتلرية الغازية لجبهة القفقاز ، واحتل الحلفاء إيران لمنع تسلل الالمان اليها بالتعاون مع رضا شاه ، فتمركز الجيش السوفياتي في أقليم اذربيجان الايرانية وقسم من كردستان ( مهاباد ) وحتى الحدود العراقية . وانتعشت الحركة القومية الكردية في هذا القسم من كردستان وتشكلت جمعيات ومنظمات كردية بمساعدة حزب هيوا وبالتنسيق بينهما . وايقنت الحكومة ان انتفاضة البارزانيين ما هي إلا احدى الانتفاضات التي يخطط لها حزب هيوا في كردستان ، وترافقها في أحد انعطافاتها الجادة تمردات في الجيش أيضاً . وكان البريطانيون يهيمنون على الجيش العراقي بعد فشل حركة مايس 1941 عن طريق الخبراء العسكريين والجنرال رنتن الذي عين مفتشاً عاماً للجيش العراقي . وكان الانكليز بحاجة إلى مساعدة الجيش العراقي وهم يعدونه للحروب الجبلية . كما كانوا على علم باتصال حزب هيوا مع الحركة الكردية في كردستان إيران وخاصة جمعية انبعاث الكورد ( ز . ك ) . فخطط الانكليز والحكومة العراقية لاحتواء الحركة الكردية والالتفاف على المطلب الرئيس للحركة وهو توحيد الالوية والأقضية الكردية في وحدة ادارية من قبل الكورد، وهو حكم ذاتي في الجوهر .

فقد ورد في تقرير نوري السعيد إلى الحكومة العراقية ((33 ) حول كيفية التعامل مع الحركة الكردية في هذا الظرف وذلك عام 1944، من المفيد تدوينه هنا لأطلاع القراء عليه .

تقرير رئيس الوزراء نوري السعيد
حول التعامل مع الحركة الكردية ( 34 )

جاء في التقرير :
ان الكورد = في نظري ينقسمون الى طبقات ثلاثة :
1 ـ رؤساء العشائر : هؤلاء يعيشون في حياة أقرب الى الاقطاعية منها الى المدنية وليس لهم هدف سياسي معين وانما همهم الأكبر هو الابقاء على ما ورثوه من سيطرة ونفوذ ضمن حدود منطقتهم وعشائرهم.
2 ـ التجار : وهؤلاء يرمون دائماً سيطرة حكومية تامة ليسود الأمن والنظام بغية ترويج تجارتهم ورعاية مصالحهم .
3 ـ المثقفون : وهم في ازدياد مضطرد . أما رغباتهم فانها لا تتعدى رغبات باقي المثقفين من أبناء العراق . فهم يطالبون بالأكثار من المدارس ونشر التعليم وزيادة وسائل المدنية ، كالعمران والصحة في تلك الربوع ، كما انهم يرغبون في جعل الادارة المحلية في ايديهم والقضاء على نفوذ الطبقة الأولى .
أما أهدافهم السياسية في استقلال كردستان الكبرى ، فان العقلاء منهم يعتقدون انه ليس بالامكان تحقيق هذه الفكرة إلا اذا ايدتها الدول الكبرى وذلك لأن ما يزيد على 80% من المناطق الكردية تقع خارج العراق .
اننا اذا أمعنا النظر وتتبعنا الحوادث والاخبار من خلال هذه الحرب الطاحنة ، وجدنا بوادر تظهر من حين لأخر تدل على ان بعض الدول الكبرى ترغب في استغلال القضية الكردية لصالحها ، واذا كان هذا الاستغلال لم ينيه أمره ولا يعلم أحد مبلغ صحة الوعود وزمن ومدى تحقيقها ، ففي عالم ملبد كالذي نحن فيه ، وإلى ان تستقر الأمور وتنجلي الحقائق وتظهر البواطن يجب على العراق ان يتروى في ادارة الكورد في المنطقة الشمالية وخاصة اذا علمنا ان الفوضى ضارية اطنانها داخل الحدود الإيرانية ، رؤساء العشائر المسيطرون في مناطقهم، وان الحكومة الإيرانية تجاريهم وتسايرهم . وقد بلغني انه قد تأسست في المناطق الكردية في إيران المتآخمة لتركيا والتي تحت النفوذ الروسي مجالس من الكورد لتنظيم وإدارة شؤونهم ، أما في داخل تركيا ، فقد حشد جيش تركي أكثر من المعتاد للسهر على استتباب الأمن والنظام في المناطق المتآخمة لإيران والعراق ، وقد قيل ان الاتصالات بين الكورد على اختلاف طبقاتهم جارية في الأيام الأخيرة أكثر من السابق وبشكل يلفت النظر ، وان هذه الاتصالات تسيرها وتنظمها الدول ذات الشأن للوقوف على مجريات الأحوال في المناطق الكردية بأجمعها.
يتضح مما سبق بيانه اننا نمرّ بظروف غير اعتيادية تحتم على المسؤولين ان يبالغوا في الحيطة والحذر وان يتجنبوا الحوادث التي من شأنها ان تفسح المجال أمام الطامعين ليستغلوا هذا الوضع غير الطبيعي طيلة مدة الحرب ، وخاصة اذا ما تبينـّا ان ليس للكورد في العراق هدف يخالف ما يصبوا إليه باقي أبناء العراق . فهم كغيرهم يطالبون باصلاح الادارة والعناية بالمعارف والصحة والعمران وغير ذلك من الأمور الحيوية التي لابد من القيام بها في كافة انحاء العراق عاجلاً أو آجلاً وذلك لرفع مستوى الشعب وزيادة كفاياته ( ويقصد كفاءاته ـ المؤلف ) وتنمية موارده . فما زالت هذه أهداف المسؤولين فلا يجب ان نجعل من تأخير بعض الاصلاحات وسيلة للاستغلال تعود علينا بالمتاعب وتكدر صفو العلاقات القائمة بين الكورد وأخوانهم العرب .
وإني حين أطلب عناية خاصة في المناطق الشمالية والمبادرة إلى اصلاح المنطقة الشمالية على حساب المناطق الأخرى ، عناية خاصة في المناطق الشمالية والمبادرة الى اصلاح ما يمكن اصلاحه قبل غيره ، لا أقصد من وراء ذلك اصلاح المنطقة الشمالية على حساب المناطق الأخرى ، وانما هو ترجيح تقتضيه الظروف الاستثنائية الحاضرة ، على اننا يجب ان ننظر الى العراق كوحدة شاملة ونقوم باصلاح شامل ايضاً يعم خيره على المجتمع .
نوري السعيد
رئيس الوزراء
*****************************
هوامش
(32 ) يانه ي سه ر كه وتني كوردان = نادي الارتقاء الكردي ـ أسس هذه الجمعية السادة محمد أمين زكي ومعروف جياووك وإبراهيم الحيدري ومحمود جودت وعبدالله لطفي وخلف شوقي الداوودي ومحمد عارف المدفعي وأحمد آغا كركوكلي والمحامي عارف البشدري ، وذلك في 30/5/1930 . وقد ترأس الوزير والقائد العسكري والمؤرخ السيد محمد أمين زكي هذه الجمعية لسنوات طويلة كما كان السيد معروف جياووك معتمداً عاماً للجمعية .
(33 ) نشر التقرير في المؤلف الذي نشره السيد مسعود البارزاني بعنوان ( البارزاني والحركة التحررية الكردية .
( 34 ) السيد مسعود البارزاني ـ المصدر السابق .

 

 

الحلقة 12

ماذا نستنتج من تقرير رئس الوزراء

عندما تظاهر نوري السعيد باستجابة مطاليب الحركة الكردية في 25/11/1944 جوبه بمعارضة شديدة داخل حكومته وخارجها ، وخاصة من منافسيه صالح جبر ومصطفى العمري وغيرهما من الوزراء والنواب . وإذا ربطنا بين هذا التقرير وقرار مجلس الوزراء الصادر الذي اقتصر على اجراء بعض الاصلاحات الادارية وتقوية الوجود الحكومي في المنطقة بفتح بعض المخافر والطرق المؤدية إليها مع ابعاد القائد الملا مصطفى البارزاني عن المنطقة ، نستنتج ما يلي :

1 ـ تجاهل رئيس الوزراء نوري السعيد الفقرتين الاساسيتين في المطاليب المقدمة من حزب هيوا والبارزاني اللتين تتعلقتان بالحكم الذاتي واللامركزية الإدارية بتوحيد الألوية والأقضية الكردية في كردستان بأسم ( ولاية كردستان ) واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في تلك الولاية .

2 ـ أراد نوري السعيد بتقسيمه المجتمع الكردي إلى ( 1 ) طبقة الاقطاعيين من رؤساء العشائر ( 2 ) طبقة البرجوازية التجارية ، ( 3 ) فئة المثقفين ، التعامل مع كل طبقة وفئة معاملة خاصة .

3 ـ تركز اهتمام الحكومة على فئة المثقفين لأن عددها في إزدايد مستمر كما يزداد في كردستان باضطرار ولهذه الفئة أهداف سياسية قومية ، وهي التي ستحرك الجماهير الكردية في الحركات القومية المقبلة . وقد قسم نوري السعيد هذه الفئة إلى قسمين ، الأول ، له أهداف سياسية واسعة تقضي بتشكيل دولة كردستان الكبرى ، ويهدفون تصفية النظام الاقطاعي في كردستان " يرغبون في جعل الادارة المحلية في أيديهم والقضاء على نفوذ الطبقة الأولى " والثاني وسماهم ب " العقلاء" يعتقدون انه ليس بالامكان تحقيق هذه الفكرة إلاّ إذا أيدتها الدول الكبرى " . وكان هذان القسمان من فئة المثقفين يسعيان لكسب تأييد الدول الكبرى ، وقد كانا متباينين في أفكارهما ، ففي الوقت الذي كان اليساريون يعتقدون ان كسب تأييد الدولة السوفياتية لقضية الشعب الكردي هو الضمان لأنتشار الثورة الكردية ونيل الكورد لحق تقرير المصير ، فان اليمينيين يعتقدون بامكانية تحقيق ذلك ، وضمن كردستان العراق على الأقل ، بكسب تأييد بريطانيا التي أصبحت هي المهيمنة على الوضع في العراق . وبامكان نوري السعيد أخذ الضمانات من بريطانيا بعدم تجزأة العراق وعدم تأييد حتى " العقلاء " من الكورد إلى حد الاعتقاد بامكانية تحقيق الحكم الذاتي لكردستان العراق بتأييد من بريطانيا . ويمكن ترضية هؤلاء " العقلاء " باجراء بعض الاصلاحات الإدارية ، فان " رغباتهم لا تتعدى رغبات باقي المثقفين من أبناء العراق ، فهم يطالبون بالاكثار من المدارس ونشر التعليم وزيادة وسائل المدنية كالعمران والصحة في تلك الربوع كما انهم يرغبون في جعل الادارة المحلية في أيديهم " أي تعينهم موظفين لأدارة الالوية والأقضية الكردية ، و " القضاء على نفوذ الطبقة الأولى " ويقصد الاقطاعيين ورؤساء العشائر . وقد أراد نوري السعيد نفسه في سائر أرجاء العراق بالقيام باصلاح زراعي على شاكلة ما جرى بعد سنين في إيران على أيدي حكومة الشاه ، وذلك بتحديد الحد الأعلى للملكية الزراعية وتجزأة الاراضي المستردة من الاقطاعيين ببيعها بالاقساط الى صغار المالكين والفلاحين الميسورين .

وقد عرض ذلك على المجلس النيابي ( البرلمان ) الذي كان يتكون أكثرية أعضائه من رؤساء العشائر وكبار ملاك الاراضي ، إلأ انه جوبه بمعارضة شديدة من أكثرية النواب ، وقد قال آنذاك كلمته الشهيرة ،" لنتنازل طوعياً عن قسم من الاراضي بدلاً من أن نفقد رؤوسنا معها ".
وقد فقد الاراضي ورؤوسهم فيما بعد .

وكان نوري السعيد يعتقد ، انه بالقضاء على نفوذ طبقة الاقطاعيين من رؤساء العشائر ، سيفقد المثقفون أهم سند لتحرك الريف من الانتفاضات والثورات الكردية المقبلة ، وبذلك سيضمن مستقبل التعاون مع " العقلاء " من المثقفين ويعزل الآخرين ، أما التجار منهم " يرمون دائماً سيطرة حكومية تامة ليسود الأمن والنظام بغية ترويج تجارتهم ورعاية مصالحهم " .

ومن المعتقد ان خطة الدولة لم تكن خافية على رئيس حزب هيوا الأستاذ رفيق حلمي ، وعلى الرغم من التنسيق الذي جرى بينه وبين وزير الدولة ماجد مصطفى ، كما ذكر ذلك السيد فؤاد عارف في العدد 88 من مجلة رنكين لسنة 1996، بانه قد عقد اجتماعاً في السليمانية في دار الشيخ محمد غريب التقى فيه السيد رفيق حلمي ووزير الدولة السيد ماجد مصطفى ، انتهى الاجتماع باتفاق وتصافي المذكورين حول المطاليب الكردية المقدمة إلى الحكومة . وقد استعاضت الحكومة عن تشكيل " ولاية كردستان " بتشكيل " مديرية عامة لمعارف كردستان " وتعيين رئيس الحزب السيد رفيق حلمي لهذا المنصب .

عقد اجتماع في بغداد لمناقشة فكرة
" مديرية معارف كردستان "

بناءً على عرض حكومة نوري السعيد فكرة تأسيس مديرية عامة لمعارف كردستان وتعيين السيد رفيق حلمي مديراً عاماً لها ، جمع الأخير حوالي عشرين من أعضاء اللجنة المركزية والكوادر المتقدمة في الحزب في فندق " العاصمة " بمنطقة الميدان الذي كان يحل فيه في بغداد ، عرض عليهم الفكرة ومتحمساً لها ، مبرراً ذلك بهذا المنصب سيسهل عليه التنقل في سائر مناطق كردستان لتقوية وتوسيع منظمات الحزب ، كما وعدهم بتعينهم في المناصب الادارية لأدارة كردستان حال تخرجهم من الكليات ( وكان معظمهم من طلاب كلية الحقوق ) وأوضح ان هذه الفكرة ، فكرة تجاهل تشكيل ولاية كردستان الاستعاضة عنها بمديرية معارف كردستان ، وتعيين المثقفين في المناصب الادارية في المنطقة هي نفس فكرة الحكومة الواردة في تقري رئيس الوزير المشار إليه أعلاه . إلا ان المجتمعين قد رفضت الفكرة بالاجماع وأصروا على ضرورة تلبية المطلبين الاساسين من المطاليب التي قدمت إلى الحكومة ، وهما وحدة كردستان وادارتها ذاتياً وجعل اللغة الكردية اللغة الرسمية فيها . إلا ان نوري السعيد وماجد مصطفى بدءا بتعيين الضبط الكورد من العناصر العسكرية القيادية في حزب هيوا كضباط ارتباط في الأقضية الكردية ، فكانوا هم الذين يديرون تلك الأقضية من الناحية العملية .

لماذا أرادت الحكومة إجراء إصلاحات إدارية

واجتماعية في كردستان

أوضح نوري السعيد في تقريره المشار إليه أعلاه ، الأسباب الكامنة وراء اجراء بعض الأصلاحات الادارية والاجتماعية في المنطقة ، وان أي تأخير في ذلك " يعود علينا بالمتاعب وتكدر صفو العلاقات القائمة بين الكورد واخوانهم العرب " . إلا ان الحكومة لم تكن تعير أهمية لتلك العلاقات بين الشعبين عندما كانت تجر الحملات العسكرية القمعية ضد الكورد كلما طالبوا بنفس تلك الأصلاحات في السابق . فلماذا الاهتمام بهذه المنطقة الآن ولماذا الحرص على الكورد باخوانهم العرب الآن ؟! لقد أوضح نوري السعيد الاسباب الكامنة وراء ذلك في تقريره ، حيث قال : " نجد بوادر تظهر من حين لآخر تدل على ان بعض الدول الكبرى ترغب في استغلال القضية الكردية لصالحها " .

إن اعتقاد نوري السعيد في إمكانية استغلال القضية الكردية من جانب الدول الكبرى كان مبيناً على حدثين اولهما وجود الجيش السوفياتي في قسم من كردستان إيران والنهوض القومي والديمقراطي للحركة الكردية هناك ، وهو يقول :

" تأسست في المناطق الكردية في إيران المتآخمة لتركيا ( ويقصد منطقة مهاباد ـ المؤلف ) والتي تحت النفوذ الروسي ، مجالس من الادارة وتنظيم شؤونهم " . وقد طالب الكورد في العراق أيضاً بادارة منطقتهم بانفسهم ، ثانيهما البيان أصدرته السفارة البريطانية في العراق تطلب فيها الكورد الخلود إلى السكينة لأن الحركة المسلحة مضرة بمصلحة تصدي الحلفاء لقوات دول المحور ، وان حكومة صاحبة الجلالة البريطانية ستنظر بعين العطف الى مطاليب الكورد بعد انتهاء الحرب . وعلى الرغم من علم رئيس الوزراء نوري السعيد بكذب تلك الوعود البريطانية للعراق ، كان يخشى ان تكون حافزاً " للعقلاء " في القيادة اليمينية من حزب هيوا للتحرك والمطالبة بتحقيق تلك الوعود في مؤتمر الصلح بعد الحرب كما جرى ذلك بعد الحرب العالمية الأولى . ففضح رئيس الوزراء الحكومة قائلاً " يجب على العراق ان يتروى في إدارة الكورد في المنطقة الشمالية " كما نصح بـ " تجنب الحوادث التي من شأنها ان تفسح المجال أمام الطامعين ليستغلوا هذا الوضع غير الطبيعي مدة الحرب " وقد تضطر بعض الدول الكبرى ، " لضرورة الحرب " الى قطع الوعود للكورد ، فعلى الحكومة تهدئة الوضع واحتواء الحركة باجراء بعض الاصلاحات الإدارية الخاصة ، إلا ان هذه الفكرة ، عن إجراء الاصلاحات الإدارية التي كانت تصدم بنفوذ رؤساء العشائر قد قوبل بمعارضة شديدة داخل البرلمان وخارجه ، أيدها الوصي على العرش عبدالاله ، فكان خير وسيلة لتنصل الحكومة عن وعودها السابقة ، هو استقالة حكومة نوري السعيد والاتيان بحكومة أخرى تتنكر لتلك الوعود ، خاصة ان تلك الوعود لم تأخذ طريقها الدستوري والقانوني لتكون ملزمة للحكومات المقبلة ، فقدم نوري السعيد استقالة وزارته في 3 حزيران 1944، وكلف السيد حمدي الباجه جي بتشكيل الوزارة .

تشكيل وزارة برئاسة السيد حمدي الباجه جي
وتنصلها عن وعود الحكومة

قدمت حكومة نوري السعيد استقالتها في 3 حزيران 1944 بعد ان قدم رئيس الوزراء تقريره أشار إليه سابقاً حول التعامل مع المشكلة الكردية وكان يتلخص في ان الطبقة الاقطاعية ورؤساء العشائر من أجل الحفاظ على مصالحها وسلطتها في الريف ، وان البرجوازية التجارية الكردية تريد بسط سيطرة الحكومة لتأمين استمرار تجارتها ومصالحها ، وبالامكان التعامل مع " العقلاء " من فئة المثقفين ، بعزل الثوريين منهم ، باجراء بعض الاصلاحات الادارية والاجتماعية واشراكها في ادارة المنطقة ، وتوارثت هذه الحكومة قرار مجلس الوزراء السابق القاضي بجمع أسلحة الكورد في منطقة بارزان وابعاد قائد الحركة المرحوم مصطفى البارزاني عنها.

كلف السيد حمدي الباجه جي بتشكيل وزارة جديدة خلفاً لوزارة نوري السعيد المستقيلة . ويجب ان لا يعزى تشكيل وزارة جديدة الى اتباع سياسة جديدة مغايرة لسياسة حكومة نوري السعيد . تشكلت الوزارة وكأنها أكثر اعتدالاً من سابقتها ، وكان لمجىء هذه الوزارة علاقة بالوضع المتأزم في العراق على العموم ، حيث عمت الاضرابات والمظاهرات مدن العراق ، وهي تطالب باطلاق حرية العمل الحزبي وإصدار صحف وطنية وحرية تشكيل النقابات العمالية والمنظمات المهنية . وكان أسم نوري السعيد يقترن بالرضوخ لبريطانيا وقمع الحركة المطالبة بالحرية والديمقراطية والاستقلال . فجاءت هذه الوزارة وسمحت بصدور بعض الصحف الحزبية والمستقلة .

وكان أول عمل قامت به الوزارة الجديدة تجاه الكورد ، هو الايعاز الى ضباط الارتباط الكورد الالتحاق بوحداتهم العسكرية والغاء مناصب ضباط الاحتياط التي أوجدتها الوزارة السابقة كاجراء مؤقت للاصلاح الاداري .

وبعد التشاور بين حزب هيوا و مصطفى البارزاني ، تقرر عودة الضباط الى وحداتهم باستثناء الرائد الركن عزت عبدالعزيز وكذلك النقيب مصطفى خوشناو والنقيب ميرحاج أحمد ، اللذان اتهما بالسفر الى إيران للاتصال يالسوفيت وبالحركة القومية الكردية هناك ( 35 ) وقد طلب هؤلاء اجازة أمدها شهران حالما ينجلي الوضع وأراد حزب هيوا توثيق الصلة بالأحزاب والحركات الكردية خارج العراق .

الاتصال بالمنظمات الكردية

تجاه هذا الوضع الجديد ، قررت قيادة حزب هيوا الاتصال بالاحزاب والتنظيمات الكردية الأخرى الاجزاءالاربعة من كردستان ، للتنسيق معها لمجابهة كل الاحتمالات المتوقعة من الحكومة الجديدة في العراق ، فسافر لهذا الغرض كل من النقيب مصطفى خوشناو والنقيب ميرحاج أحمد الى مهاباد للأتصال بجمعية ( ز . ك ) ، كما سافر الرائد الركن عزت عبدالعزيز الى سوريا للأتصال بقيادة حزب خويبون ( الاستقلال ) التي اتخذت من دمشق مقراً لنشاطها في كردستان الشماية .

وقد اخبرت المخابرات الإيرانية المخابرات العراقية بنشاط كل من مصطفى خوشناو وميرحاج أحمد ، وذكرت انهما بالاضافة الى اتصالهما بالمنظمات الكردية في مهاباد ، اتصلا بالضباط السياسيين السوفيت ، فأصدرت الحكومة أمراً بعودة الضابطين الى وحدتهما فوراً وعند عودتهما الى بغداد ، تم إلقاء القبض على النقيب ميرحاج أحمد وتمكن مصطفى خوشناو وبمساعدة العضو البارزاني في حزب هيوا الشيخ حسين خانقاه في الهرب من بغداد واللجوء الى بارزان . أما ميرحاج أحمد ، فقد أرسل الى معتقل العمارة . وعند عودة عزت عبدالعزيز من سوريا ، صدر أمر بالقبض عليه ، ولكنه تمكن من الافلات والوصول الى بارزان بمساعدة منظمات حزب هيوا .

ان حكومة الباجه جي التي اعلنت انها ستطلق الحركات الديمقراطية وتجيز الاحزاب والصحف ، رأت ان اجراءات الاعتقال والملاحقة بحق الكورد تتناقض مع تلك الوعود ، فأمرت باطلاق سراح مير حاج أحمد واعادته الى بغداد ، إلا انه تمكن من الافلات والوصول الى بارزان للالتحاق برفاقه من الضباط هناك .

الوضع السياسي العام في العراق

انضم الاتحاد السوفيتي الى جبهة الحلفاء عندما هاجمت القوات الهتلرية حدود الاتحاد السوفياتي عام 1941 وتوغلت الى عمق الاراضي السوفياتية . ونظراً لدور الاتحاد السوفياتي في الحرب ضد النازية في أوربا ، اضطرت الدول الحليفة الى مماشاة القوى الاشتراكية والديمقراطية التي كانت تنشط ضد النازية والفاشية في كل مكان وكانت تطالب باطلاق الحريات الديمقراطية والغاء القوانين الاستثنائية المقيدة للحرية وباطلاق تشكيل الاحزاب والجمعيات والنقابات .

وقد تأسس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 وبدأ يمارس نشاطه السياسي بصورة سرية ، وأصدر صحيفة سرية ( القاعدة ) كما بدأت الجماعات الأخرى تمارس نشاطها العلني ، منها حزب الاستقلال ( حزب قومي ) والحزب الديمقراطي ( حزب ديمقراطي ليبرالي ) وحزب الشعب وحزب الاتحاد الوطني ( حزبان ديمقراطيان تقدميان ) . وقدم فيما بعد لفيف الشيوعيين والديمقراطيين طلباً لتأسيس حزب ديمقراطي تقدمي بأسم ( التحرر الوطني ) .

وبدأت الجماهير تتحرك للمطالبة باتباع سياسة وطنية معادية للاستعمار واشاعة الديمقراطية السياسية والاجتماعية ، وعمت البلاد موجة من المظاهرات والاضطرابات وعقدت الاجتماعات الجماهيرية لهذا الغرض . وتجاه هذا الوضع اضطرت الحكومة الجديدة التي جاءت لتهدئة الأوضاع أصلاً ، الى إجازة بعض الأحزاب ، منها حزب الاستقلال برئاسة الشيخ محمد مهدي كبة والحزب الوطني الديمقراطي برئاسة السيد كامل الجادرجي وحزب الشعب برئاسة السيد عزيز شريف وحزب الاتحاد الوطني برئاسة السيد عبدالفتاح إبراهيم . إلا انها رفضت اجازة حزب التحرر الوطني بحجة انه الوجه العلني للحزب الشيوعي العراقي المحضور نشاطه أصلاً . وقدم مجموعة من الديمقراطيين اليهود ( شيوعيون وديمقراطيون ) طلباً لتأسيس منظمة ديمقراطية معادية للصهيونية، لمحاربة الافكار الصهيونية التي تروجها المنظمات الصهيونية بين اليهود ، فتم اجازتها بأسم ( عصبة مكافحة الصهيونية ) يترأسها يوسف هارون زلخة .

وصدرت عدة صحف حزبية منها : لواء الاستقلال وصوت الاهالي والشعب والاتحاد ، كما استمرت الصحف السرية في الصدور سراً .
ولم يتمكن حزب هيوا ، وكان حزباً ذو أفق قومي انعزالي ، من ايجاد صلة بالاحزاب الديمقراطية لكسب تأييدها لقضية الشعب الكردي العادلة . وكان بين الاحزاب من يؤيد الحقوق القومية للشعب الكردي ( الحزب الشيوعي وحزب التحرر الوطني ) ومن يقف ضد الحملات القمعية ضده ( الحزب الوطني الديمقراطي ) ومن يدعوا الى الديمقراطية والمساواة القومية ( حزب الشعب وحزب الاتحاد الوطني ) ومن وثق ضد الحقوق القومية للكورد ولكنه وقف ضد الحملات العسكرية القمعية ضدهم ( حزب الاستقلال) وبقي الحزب في قوقعته .

هامش
ــــــــــ

(35 ) كان لحزب هيوا علاقة بتأسيس جمعية ( ز . ك ) ( زيانه وه ي كورد = البعث الكردي ) في كوردستان إيران ( مهاباد ) حيث سافر النقيب مير حاج الى مهاباد في أيلول 1942 وساهم في تأسيس هذه الجمعية . فقد أصدرت ( ز . ك ) مجلة كردستان وعليها شعارات حزب هيوا ( بزي كورد وكوردستان ـ بزي هيوا ـ بزي سه روكي هيوا = عاش الكورد وكردستان ـ عاش هيوا ، عاش قائد هيوا ) وقد تأسست هذه الجمعية في مهاباد في 16 أيلول 1942 .
ـــــــــــــــــــــ

الحلقة 13

اتصالات البارزاني برؤساء العشائر الكردية

بات واضحاً من خلال ممارسات الحكومة تجاه المسألة القومية الكردية وتجاهلها للحقوق القومية للكورد والغائها بعض الاجراءات السابقة ( الغاء مهام ضباط الارتباط ) وتحركها في تحشيد الوحدات العسكرية في كردستان ، انها عازمة على القيام بحملة عسكرية لتصفية الحركة الكردية المسلحة .

لم تكن هذه الاجراءات شيئاً جديداً في سياسة الدولة تجاه المسألة الكردية ، ان حكومة نوري السعيد التي تظاهرت بتلبية مطاليب الكورد ، كانت تخطط لأبعاد البارزاني عن المنطقة وعزل الحركة الكردية المسلحة بابعاد رؤساء العشائر عن تأييدها ، ومن ثم اجراء بعض الاصلاحات الادارية ، وتأسيس مديرية لمعارف كردستان وتعيين رئيس حزب هيوا الاستاذ رفيق حلمي في هذا المنصب وتعيين بعض المثقفين في الوظائف الادارية .

إنني أتفق مع السيد مسعود البارزاني في ان وزير الدولة السيد ماجد مصطفى قد أخفى النوايا الحقيقية لرئيس الوزراء نوري السعيد عن السيد مصطفى البارزاني ، وقد خول مجلس الوزراء وزير الداخلية بجمع أسلحة الكورد وابعاد البارزاني عن المنطقة في الوقت المناسب . إذن ، ان وزير الدولة السيد ماجد مصطفى ووزير الداخلية السيد عمر نظمي وهما كرديان ، كانا مكلفان بتصفية الحركة الكردية المسلحة ، ولم يكن تنفيذها سوى مسألة الوقت المناسب ومن ثم التعامل مع " العقلاء " من المثقفين الذين يكتفون بتحقيق بعض الاصلاحات الادارية ومشاركتهم في ادارة المنطقة . ولهذا السبب بالذات كان السيد ماجد مصطفى يسعى للتقرب من حزب هيوا ورئيسه السيد رفيق حلمي وقد عقد معه عدة لقاءات احدها في كركوك ، كما جاء على لسان النقيب بكر بعدالكريم الحويزي في مقال نشره في مجلة ( كزنك ) الصادرة في السويد ، ولقاء آخر في دار الشيخ محمد غريب في السليمانية وكذلك الرسائل المتبادلة بينهما كما أسلفنا سابقاً . ويقول السيد فؤاد عارف ( العدد 88 من مجلة رنكين ) " ان العلاقات بين ماجد مصطفى ورئيس حزب هيوا كانت حسنة حتى الآخير " .

ان حكومة السيد حمدي الباجه جي قد سارت على نفس سياسة رئيس الوزراء نوري السعيد ولكن بصورة أكثر صراحة من سابقتها . ويظهر من الضغوط التي مارستها السفارة البريطانية في بغداد على لسان الضابط السياسي في الموصل ( كابتن ستوكس ) ان الحكومة البريطانية والحكومة العراقية كانتا متفقتان على تلك السياسة حيال المسألة الكردية التي تتلخص في تصفية الحركة المسلحة الكردية وابعاد قائدها البارزاني عن المنطقة وابعاد رؤساء العشائر عن حزب هيوا وابعاد العناصر الثورية من المثقفين ممن يحملون الأفكار الماركسية عن الحزب والتعامل مع القيادة اليمينية في الحزب . وكان فصل العناصر الماركسية من الحزب هو جزء من هذا المخطط ، وظهرت صيحات من القيادة اليمينية لوصف كل عمل للتصدي لهذا المخطط بانه " مؤامرة شيوعية " .

وتجاه هذا الوضع المعقد ، تحرك البارزاني للقيام باتصالات مع رؤساء العشائر الكردية ، لعله يتمكن من استمالة رؤسائها ، فاتصل برؤساء عشائر السورجيين والزيباريين وهركي وخوشناو وده زيي وغيرهم ، فاستحصل منهم الوعود بالتعاون معه ان تعرضت كردستان لحملة عسكرية من الحكومة ، معتقدين ان الانكليز يؤيدون البارزاني .

ومن المفيد ان نورد ترجمة عربية لرسالة لرؤساء عشيرة دزه يي
موجهة الى مصطفى البارزاني بتاريخ 10/3/1945 . ( 36 )
بسمه تعالى ـ عاش الكورد وكردستان ـ عاش الشعب الكردي .
الى أخينا الغالي العزيز جناب مصطفى المحترم .

بعد تقديم الاحترام ، ان كنت تسأل عن أحوالنا فاننا والحمدالله في حالة جيدة ، وندعو لكم من الله عز وجل الصحة والتوفيق .

ايها الأخ العزيز ـ وصلتنا رسالة سيدنا الكبير جناب الشيخ أحمد وفهمنا محتوى الرسالة . وسررنا بها للغاية .

ايها الأخ العزيز ... انتم تعلمون ان الشعب الكردي مظلوم ومقهور جداً . لذا يستلزم ان نكافح بكل الوسائل من أجل الوطن الأم ، وان كفاحكم ثابت للعيان . ونحن بكل الامكانات مستعدون للكفاح .

ونشد بحرارة على يد حضرة جناب الشيخ مع وافر دعائنا ، وتحياتنا الى الأخوة ( م ) و(ع) و ( ح ) وغيرهم ونستودعكم الله .
أخوكم ، سليمان رسول ... أخوكم ، محمد كاكه خان ... أخوكم ، علي خورشيد آغا ... أخوكم ، خضر أحمد باشا ... أخوكم سليمان حاجي .

وهناك عشرات من الرسائل من رؤساء عشيرة البرواري والأميرة ميان خاتون رئيسة الطائفة اليزيدية وتعهدات شفهية للعديد من رؤساء العشائر في لقاءاتهم مع البارزاني ، يتعهد فيها وقوفهم الى جانب الحركة الكردية ان حاولت الحكومة النيل منها .

تشكيل لجنة تحرير كردستان

بات واضحاً ان السلطات البريطانية في العراق تؤيد اجراءات الحكومة في تصفية الحركة المسلحة واعادة بناء المخافر في كردستان وتجريد البارزانيين من السلاح وابعاد المرحوم مصطفى البارزاني عن المنطقة ، وان القيادة اليمينية لحزب هيوا عاجزة عن معالجة الوضع المتأزم ، ناهيك عن دخولها في مساومات مع الحكومة كما أسلفنا سابقاً ، فتجاه هذا الوضع وبسبب عدم الثقة بالقيادة اليمينية للحزب تشكلت لجنة تحرير كردستان برئاسة المرحوم مصطفى البارزاني .

والضباط الذين التحقوا بالحركة وهم الرائد عزت عبدالعزيز والنقيب مصطفى خوشناو والنقيب ميرحاج أحمد والملازم الأول خيرالله عبدالكريم والملازم محمد محمود قدسي وذلك في 15/1/1945. وقد يأس البارزاني من محاولة جر الحكومة الى الحل السلمي وكان الهدف من تشكيل هذه اللجنة هو ابعاد الطابع العشائري عن الحركة وتشكيل قيادة ثورية تقوم بقيادة الحركات المقبلة متعاونة مع تنظيمات حزب هيوا .
وقد أعلنت لجنة تحرير كردستان برنامجها القومي وهي : (37 )

1 ـ تحرير كردستان وانقاذها من الظلم والأضطهاد .

2 ـ تشكيل فصائل مسلحة في أرجاء كردستان للدفاع عنها .

3 ــ تعبئة الشعب الكردي للثورة واجراء مصالحة بين العشائر .

4 ـ توثيق الصلة مع المنظمات والاحزاب الكردية في سائر أقاليم كردستان .

5 ـ ايصال صوت الشعب الكردي ومنظماته الى الرأي العام العراقي والدولي وتقديم مذكرات الى سفارات الدول الكبرى في بغداد .

6 ـ تنشيط الاعلام الحزبي وفضح سياسة الحكومة في التنصل لوعودها عام 1943 .
ان الشيئ الجديد في برنامج لجنة التحرير هو تشكيل فصائل مسلحة في كافة ارجاء كردستان بدلاً من الاعتماد على تأييد رؤساء العشائر فقط ، حيث كانوا ينظمون الى الثورة وينسحبون منها طبقاً لمصالحهم الخاصة . ولم يفكر حزب هيوا بتشكيل مثل هذه الفصائل. والشيئ الآخر ، هو اخراج الحركة الكردية من العزلة التي فرضها عليها حزب هيوا وهو ايصال صوت الشعب الكردي الى الرأي العام العراقي والدولي والربط بين الكفاح المسلح والكفاح السياسي في الحركة القومية الكردية . أما النقطة الأخرى ، فهي تنشيط الاعلام الحزبي ، وقد كانت لجنة التحرير تعتبر نفسها جزءاً من حزب هيوا . ولم يكن للحزب نشاط اعلامي يذكر الى ذلك الحين.

مركزان قياديان في حزب هيوا

كانت لجنة التحرير ( ليزنه ي ئازادي ) تعتبر نفسها جزءاً قيادياً في حزب هيوا ، ولكنها لا تتبع أوامر وتعليمات رئيس الحزب رفيق حلمي وكانت تتصل بفروع ومنظمات الحزب وكأنها هي الهيئة القائدة لها . وخشية من افلات زمام القيادة من أيدي رئيس الحزب، أرسل رسالة الى المرحوم مصطفى البارزاني يقترح فيها ان تكون السياسة بيد رئيس الحزب وتكون القيادة العسكرية المتمثلة بلجنة التحرير تابعة للقيادة السياسية . هذا هو نص الرسالة . (38 )

في 30 / 1 / 1945
سيادة البارزاني ...

أرسلنا اليكم في 18 / 1 / 1945 أثنين من أعضاء الحزب وهما ( بروسكه وهندرين ) حملناهما رسالة مقتضبة لكم . ولكن مع الأسف شعرت السلطات الحكومية بمهمتها فعادا من أربيل .

ان غايتنا من الاتصال بكم هي :

ان ينظر باهتمام الى برنامج هيوا للمستقبل . من المعلوم ان أية حركة قومية اذا لم تمتلك وضوح الرؤيا وبرنامجاً واضحاً فلا شك انها ستصاب بالفشل وكما تعلمون فأن الحركة القومية تحتاج الى قائد جسور ويدين قويتين ، يد سياسية وأخرى عسكرية . اليد الساسية تؤمن مستلزمات الدفاع والاتصال بالاصدقاء ووضع البرنامج السياسي ، أما اليد العسكرية فعليها الدفاع بقوة السلاح عن حقوق الشعب وانتزاعها من الغاصبين . كل العالم يسير على هذا النمط . ونقترح ما يأتي :

1 ـ ان نكون مطلعين على أوضاع وتحركات بعضنا البعض وان نتبادل المعلومات .

2 ـ نعمل من أجل توحيد التنظيمين ( حزب هيوا ولجنة التحرير) ويكون المركز القيادي في بارزان .

توقيع
رئيس حزب هيوا

يظهر من هذه الرسالة ان لجنة تحرير كردستان التي كان أعضاؤها جميعاً ـ باستثناء البارزاني ـ أعضاء في حزب هيوا ، كانت تتحرك دون الرجوع الى قيادة الحزب ، بل ويظهر من الرسائل الأخرى ، انها هي التي تصدر التعليمات والأوامر الى الحزب لأسناد حركتها . لذا اقترح رئيس الحزب توحيد المنظمتين في منظمة واحدة ، وبسبب عدم تمكن البارزاني من نقل مقره الى السليمانية اقترح السيد رفيق حلمي نقل مقر الحزب الى بارزان . أما ما يتعلق ببرنامج الحركة ، فان برنامج حزب هيوا لم يكن أوضح من برنامج لجنة التحرير الذي أعلنه حال تأسيسها . والمعتقد ان السيد رفيق حلمي كان يقصد بالبرنامج المطاليب التي ستقدمها اللجنة الى الحكومة ، لتكون متطابقة مع مطاليب الحزب .

أما البارزاني ولجنة التحرير ، فقد أجابا على الرسالة بما يأتي : (39 )
الرقم ـ 1
التاريخ 15 / 2 / 1945

1 ـ تسلمنا رسالتكم المرقمة والمؤرخة في 30 / 1 / 1945 وفهمنا مضمونها .

2 ـ لا نرى من المناسب نقل مقر حزب هيوا الى بارزان في الوقت الحاضر .

3 ـ لاشك ان تحرير كردستان يحتاج الى تضحية واستعدادات ، واني لأشكر الله على ما نعم به علينا من إيمان وثقة بعدالة قضية شعبنا والتضحية في سبيلها .

4 ـ إني ورفاقي في اللجنة قررنا القيام بجولة في انحاء كردستان لأفهام أبنائنا ببرنامجنا .

5 ـ نرجو من فروع الجمعية ايصال وجهات النظر ومعلومات مركز هيوا الينا بسرعة .

6 ـ أرجو من الأخوان الذين قرروا الالتحاق بصفوف الثورة ، الالتحاق فوراً لأن الوقت قد حان .

7 ـ حال بدأ الثورة ، نرجو توزيع البيانات ونشر أخبارنا في مدن وقرى كردستان وجميع مناطق العراق وسنطلعكم على أوضاعنا باستمرار .

8 ـ يرجى تحديد شخص أمين في كل مدينة ليكون مسؤولاً عن تأمين الأتصال بيننا .

9 ـ يرجى من مركز الجمعية ( K.H.K ) ( ويقصد حزب هيوا ـ المؤلف ) ارسال آلة طابعة الينا ، وكنا قد طلبنا من ( D ) ختماً بأسم ( هيئه تي ئازادي ) يرجى ارساله الينا بسرعة .

10 ـ علمنا ان بعض الأفراد يراجعكم بأسمنا وهذا بأمر الحكومة وعلمها ، يرجى عدم قبول أي شخص ما لم يحمل رمزنا ( ويقصد كلمة السر ـ المؤلف ) .

11 ـ طريقة الاتصال بنا سيكون كما يلي :

( أ ) ـ أربيل ـ شقلاوة ـ راوندوز ـ مزنة ـ شيتنة ـ بارزان .

(ب ) اربيل ـ شقلاوة ـ خليفان ـ سربشمه ـ ريزان ـ بارزان .

( ج ) ـ الموصل ـ عقرة ـ بله ـ بارزان .

( د ) ـ الموصل ـ دهوك ـ عمادية ـ بارزان .

12 ـ نعلم جيداً ان الحكومة تحاول بمختلف أساليب الخداع تصفية القضية وعزل بارزان عن كردستان . ان القضية هي واحدة وليس لدينا قضيتان فهدفنا تحرير كردستان لا غير ، يجب الانتباه الى هذه المحاولة .

13 ـ من أجل افشال خطة الحكومة نرجو تنشيط قواعدكم للرد على دعايات الحكومة .

14 ـ يرجى ارسال جهاز راديو الينا لكي نطلـّع على أخبار العالم.

15 ـ سنرسل أخبارنا اليكم عن طريق شعبة ( 50 ) ( ويقصد السليمانية ـ المؤلف ) فيرجى الاتصال بها بعد الآن .

16 ـ يرجى توزيع المذكرة الموجهة الى شخصيات عراقية ومفكريه ، أما البيان الآخر فلا يوزع .

17 ـ تعلمون بان أعداداً كبيرة من المناضلين تجمعوا حولنا . ولجنة الحرية مكلفة بتأمين حاجياتهم ولكي نثبت جدارة شعبنا ونحقق الأكتفاء الذاتي ، فانني أتوجه بالرجاء الى كل كردي مناضل مخلص ان يمد لنا يد العون . وأرجو ان يلعب حزب هيوا دوراً كبيراً في جمع التبرعات .

18 ـ الاحظ الآن بعض البرود في نشاط شعبة ( ى ) ( يقصد السليمانية ـ المؤلف ) بينما كانت في السابق أنشط شعبة وموضع تقدير وأعجاب الجميع ـ يرجى الاتصال بها لتعود الى نشاطها المعهود نأمل ان يستمر اتصالنا .

رئيس لجنة التحري / مصطفى البارزاني .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش
ـــــــــ
( 36 ) نشر نص الرسالة في مؤلف السيد مسعود البارزاني ـ البارزاني والحركة التحررية الكردية ـ ثورة بارزان 1943 ـ 1945 .
( 37 ) مسعود البارزاني ـ مصدر سابق .
( 38 ) نفس المصدر السابق .
( 39 ) نفس المصدر .

 

الحلقة 15

الاتصال بالمنظمات الكردية والضباط السياسيين السوفيات

في كردستان الشرقية

كان الضباط السياسيون البريطانيون والحكومة العراقية على علم باتصال لجنة الحرية ورئيسها البارزاني بالمنظمات السياسية الكردية في شرق كردستان وبالضباط السياسيين السوفيت هناك . فكانوا يخططون لضرب الحركة وتصفيتها بأسرع وقت . فأرسلت لجنة الحرية وفداً بتاريخ 7/5/1945 الى إيران لأستطلاع رأي السوفيت بالوضع المتفجر في كردستان الجنوبية . فأرسل السوفيات ضابطين بصورة سرية الى منطقة بارزان للقاء المرحوم مصطفى البارزاني ، فوعد بتقديم العون العسكري إليه في حالة تعرض المنطقة الى هجوم عسكري . وفي حالة تعذر مقاومة الهجوم العراقي ـ البريطاني ، على الكورد الحفاظ على قواعدهم المسلحة بالانسحاب الى كردستان الشرقية . وفي بداية حزيران 1945، التقى البارزاني مع الجنرال الكردي السوفياتي ( سه ر مندسيا مندوف ) ، كما سافر مصطفى خوشناو للتشاور مع المنظمات الكردستانية في مهاباد .

اللقاء الأخير مع الحكومة

بناءً على طلب متصرف لواء أربيل سعيد قزاز جرى لقاء له مع البارزاني وحضر اللقاء الضابط البريطاني كابتن جاكسن ، وذلك في ( ميركه سور ) بتاريخ 17 / 6 / 1945، حذر الجانب الحكومي ـ البريطاني الملا مصطفى البارزاني من مغبة الأتصال بالمسؤولين السوفيت والمنظمات الكردية في إيران . وحدثت مناقشة حادة بين الجانبين ، فتوتر الجو بينهما وهو ينتظر شرارة لينفجر . وقد حدثت هذه الشرارة عندما أغتيل أحد أقارب البارزاني وهو ( اولى بك ) داخل مخفر ميركه سور بتاريخ 8 /8 / 1945 .

حاولت لجنة الحرية تطويق حادث اغتيال اولى بك ، فقدمت مذكرة الى المسؤولين العراقيين والسفير البريطاني ببغداد في 18/8/1945، شرحت فيها ظروف اغتيال اولى بك وأشارت الى الوعود التي قطعتها حكومة نوري السعيد بتاريخ 25/1/1943 باجراء الاصلاحات في كردستان واعلان حكومة حمدي الباجه جي بتمسكها بالقرارات المتخذة من قبل الحكومة السابقة . إلا انها خططت لاجتياح المنطقة عسكرياً ، وانها تحشد لهذه الغاية قوات كبيرة فيها . وناشدت لجنة الحرية في مذكراتها ، الحكومة العراقية والدول الكبرى لايقاف هذه العمليات العسكرية وحل المشكلة الكردية سلمياً .
هاجمت الجماهير الكردية ، عند سماعها باغتيال اولى بك ، مخفر شرطة ميركه سور فاستولت عليها وقتلت من فيها . وجرى نفس الشيئ في مخفر بارزان . وكان واضحاً ان الحكومة العراقية والسلطات البريطانية كانتا تخططان لضرب الحركة الكردية وتصفيتها ، وان الاجتماع الأخير مع متصرف لواء أربيل والضابط البريطاني كابتن جاكسن كان بمثابة الانذار الأخير للبارزاني ولجنة الحرية .

حكومة الباجه جي العميلة لبريطانيا تخول وزير الدفاع
باحتلال المنطقة

أصدر مجلس الوزراء بتاريخ 8 /8 / 1945 البيان الآتي :
" بعد الاطلاع على مضامين التقارير المصرحة باضطراب الأمن في منطقة بارزان وأطرافها ، ونظراً للاعمال الاجرامية التي قام بها الملا مصطفى البارزاني وأعوانه المخلة بالأمن العام ، وبما ان الواجب يقضي بأعادة النظام والانتظام ومنع تكرار الاجرام ، تقرر احتلال المنطقة البارزانية احتلالاً عسكرياً والقبض على المجرمين وسوقهم الى العدالة .
ويخول وزير الدفاع اجراء الترتيبات اللازمة لتنفيذ هذا القرار ."
وبادر متصرف لواء أربيل سعيد قزاز بتوجيه انذار الى السيد مصطفى البارزاني بوجوب تسليم نفسه للسلطات الحكومية . واليكم نص الانذار :

انـــــــذار من متصرف اربيل التابع الى الحكومة العميلة لبريطانيا الى المرحوم بارزاني

إلى ـ الملا مصطفى البارزاني
نظراً الى الاعمال الاجرامية التي ارتكبت في منطقة كردستان من قبلكم ومن قبل اتباعكم ، الأمر الذي أدى الى اخلال السكينة والأمن العام ، فقد قررت الحكومة اعادة الأمن الى نصابه وازالة الاجرام من هذه المنطقة ، وعليه ، وجب انذارك للمبادرة الى تسليم نفسك والمجرمين البارزانيين الى الحكومة خلال ثلاثة أيام من تسلمكم هذا الانذار وبحالة عدم انصياعكم لتنفيذ ذلك فستقوم الحكومة بالاجراءات اللازمة وسوف تكونون أنتم المسؤلين عن كل ما يقع نتيجة ذلك عن الاضرار في الأنفس والمال .
توقيع
متصرف لواء أربيل
12 /8 / 1945 سعيد قزاز

وقد سبق قبل أسبوع ان وجه اللفتننت كورنل ر. ميد المشاور السياسي البريطاني بالموصل آنذاك انذاراً مشابهاً الى البارزاني جاء فيه :
" لقد أمرني السيد السفير البريطاني ان اعلمك بان تصرفاتك قد أصبحت متعبة ... إنني أرغب ان أبين لك بوضوح تام بأن هذه هي المرة الأخيرة التي فيها تنوي السفارة البريطانية انذارك .
كنت أمل ان أتمكن من ابلاغكم هذه الرسالة بصورة شخصية ولكن مادام رفضت مقابلتي مع سعادة المتصرف ، فأنني أكتب لك هذا النمط بالضبط ... "

اعلان الاحكام العرفية في المنطقة والبدء
بالعمليات العسكرية

اعلنت الحكومة الاحكام العرفية في لوائي أربيل والموصل ، وعينت اللواء الركن مصطفى راغب تركي الاصل والحاقد على الشعب الكردي ( 42 ) قائداً للحركات العسكرية في المنطقة . وانذرت الحكومة جميع رؤساء العشائر الكردية بالابتعاد عن الحركة الكردية وقائدها البارزاني وعقوبتهم باقسى العقاب ان خالوا ذلك .
وصدرت الآوامر الى الجيش بالتحرك لاحتلال المنطقة . وبدأت القيادة العسكرية بتحشيد القطعات العسكرية من القوات المرابطة في المنطقة التايعة للفرقة الثانية ( بعد ان ابعدت عنها الضباط الكورد المتعاطفين مع الحركة ) وقوات من الفرقة الأولى المرابطة في وسط العراق بشن هجوم كبير .
ان تحشيد وتموين هذه القوة الكبيرة كان يستغرق ـ حسب تقدير القيادة العسكرية للثورة الكردية ـ حوالي عشرين يوماً ، فاتخذت هذه القيادة قراراً باخذ المبادرة ومهاجمة مواقع القوات العسكرية قبل اجراءاتها التعبوية فكانت الثورة الكردية التي اندلعت في 25/8/1945 .

الثورة الكردية عام 1945

لماذا نسميها بثورة ؟
سمى العديد من المؤرخين والباحثين الكورد الثورة الكردية عام 1945 بـ " انتفاضة البارزانيين " أو " حركات بارزان " . كما سمتها الحكومة والوكالات الأجنبية للأنباء بـ " حركة التمرد البارزاني " و " العصاة " ... الخ . إلا ان حقيقة هذه الحركة المسلحة كانت بخلاف التسميات المذكورة ،وذلك للاسباب الآتية :
اولاً ـ عندما نضع هذه الحركة المسلحة في اطارها التاريخي المعين ، نرى انها اندلعت ضد الاستعمار البريطاني والحكم الملكي الرجعي العميل . ويتبين من اللقاءات والرسائل والانذارات الموجهة الى قيادة الثورة المتمثلة في حزب هيوا ولجنة الحرية ، ان الاستعمار البريطاني والدولة العراقية العميلة كانتا مصرة على تصفية الحركة ، وخاصة عندما علمنا بوجود صلاة للجنة الحرية بالقوى الديمقراطية الكردية في إيران وتريد ان تكوّن صلاة بالقوى الوطنية العراقية وبالقوى الاشتراكية المتمثلة بالضباط السياسيين السوفيت في كردستان إيران ، وقد كانت لهذه الثورة مميزاتها القومية الخاصة ، عندما كان على رأسها شخصية عشائرية ودينية ( مصطفى البارزاني ) ولكنه كان جزءاً من لجنة الحرية التي تضم عدداً من الضباط الوطنيين الذين يحملون أفكاراً تقدمية .
ثانياً ـ كان وراء الثورة حزب سياسي قومي يضم مختلف طبقات وفئات الشعب الكردي . فلم تكن ، إذن تمرداً عشائرياً ، بل ثورة الشعب الكردي ، اندلعت أول الأمر من منطقة أوسع من منطقة عشيرة بارزان ، بأمل توسيع رقعتها لتشمل سائر مدن كردستان .
ثالثاً ـ كانت للثورة أهداف قومية واضحة ، بخلاف الانتفاضات المحلية السابقة ، تمثلت في المطاليب التي قدمتها الجماهير الكردية من مدن وارياف كردستان تطلب من الحكومة تحقيقها عام 1943. ومن بين تلك المطاليب توحيد الألوية والأقضية الكردية في وحدة ادارية واحدة تتمتع بالحكم الذاتي تدار من قبل الكورد أنفسهم ، واعتبار اللغة الكردية اللغة الرسمية في المنطقة واجراء اصلاحات أخرى تتعلق بالتعليم والصحة والاعمار كما اعترف بذلك رئيس الوزراء نوري السعيد نفسه في تقريره المشار إليه سابقاً .
واستمر الكورد يطالبون الحكومة بالوفاء بتعهدها في تلبية مطاليبها ، إلا ان الحكومة وياسناد من السلطات البريطانية كانت تخطط للالتفاف على المطلبين الرئيسيين وهما توحيد كردستان واعتبار اللغة الكردية اللغة الرسمية في المنطقة ، مستعينة بهما باجراء بعض الاصلاحات ضمن القوانين المعمول بها بعد تصفية الحركة المسلحة التي تقودها لجنة الحرية وعزل العناصر التقدمية في حزب هيوا .

مركزان مختلفان لقيادة الثورة

منذ ان تشكلت " لجنة الحرية " في منطقة بارزان برئاسة المرحوم مصطفى البارزاني والضباط التقدميين في حزب هيوا سلكت هذه القيادة مسلكاً مغايراً لقيادة حزب هيوا فبات واضحاً ان هناك مركزين لقيادة الثورة الكردية ، لا يعترف أي منهما بقيادة الطرف الآخر . ففي الوقت الذي كان رئيس الحزب رفيق حلمي يعتبر نفسه القائد الأعلى للحركة القومية الكردية وان قيادة لجنة الحرية ما هي إلا القيادة العسكرية الميدانية للثورة ، تجلى ذلك في الرسائل المتبادلة بين المركزين والتي أشرنا اليها سابقاً ، رفض رئيس لجنة الحرية مصطفى البارزاني اقتراح رفيق حلمي بنقل مركز القيادة السياسية الى بارزان ، لئلا تتجاوز زعامته للحركة المسلحة، وكان يصدر التعليمات الى الحزب للقيام باسناد الثورة المسلحة وتوسيع رقعتها لتشمل سائر كردستان . ان هذه الازدواجية في القيادة نجمت عن ضعف القيادة السياسية وعجزها عن قيادة الثورة .
ان القيادتين السياسية والعسكرية كانتا متباينتين في افكارهما وفي رؤيتهما لستراتيجية الثورة . ففي الوقت الذي بدأت القيادة السياسية في الحزب " بتطهير " صفوف الحزب من العناصر التقدمية التي تحمل آيدلوجية ماركسية ، كانت في قيادة لجنة الحرية العديد من العناصر الثورية التي تحمل أو تتأثر بالآيدلوجية الماركسية كالنقيب مير حاج والرائد الركن عزت عبدالعزيز والنقيب مصطفى خوشناو .
أما ما يتعلق بستراتيجية الثورة وتحالفاتها ، أوضح الدكتور عبد العزيز الشمزيني ، الذي كان أحد القياديين في لجنة الحرية ، وذلك في رسالته للدكتوراه ( الحركة القومية التحررية الكردية ) عندما قال :
" لقد كان الخلاف داخل حزب هيوا يدور حول قضيتين رئيسيتين، هما :
اولاً ـ في أي اتجاه سياسي ينبغي ان يسير الشعب الكردي في نضاله التحرري وحل قضيته القومية ؟ وعلى من يجب ان يعتمد ويتخذه سنداً في نضاله ؟ هل يجب الاعتماد على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي ، أم على بريطانيا والمعسكر الاستعماري ؟ وأي منهما يساند الشعب الكردي ويسانده لنيل حريته وحقوقه القومية ؟
ثانياً ـ هل يجب على حزب هيوا ان يشترك اشتراكاً فعالاً وبجميع الوسائل وبكل قواه في الثورة الكردية في منطقة بارزان ويتحمل قيادتها وتوجيهها ، أم يجب عليه ان يقف موقفاً متفرجاً وسلبياً من الثورة ولا يشترك فيها اشتراكاً فعالاً اللهم إلا بمساعدة سرية طفيفة لا تلفت نظر الطبقة الحاكمة العراقية ولا تغضب حكومة بريطانيا ؟
وأوضح تماماً ان القيادة اليمينية لحزب هيوا سلكت مسلكاً يختلف عن مسلك قيادة لجنة الحرية . فالقيادة اليمينية في الحزب تعتقد ان بالاعتماد على بريطانيا والمعسكر الاستعماري ، يمكن ان يحقق الشعب الكردي أهدافه القومية ولهذا الهدف كانت توثق علاقاتها مع السلطات البريطانية في مدن كردستان وتدخل في مساومات مع وزير الدولة السيد ماجد مصطفى وترضى بتحقيق مكاسب بسيطة من حركات محدودة تنتهي بالمساومات .
في حين ان قيادة لجنة الحرية قد يأست من مناورات الحكومة البريطانية والوعود الكاذبة للحكومة العميلة في بغداد ، فاخذت تقيم علاقات وثيقة مع السوفيت كما بدأت بتكوين علاقات مع الحركة الوطنية المعارضة في بغداد تطلب مساندتها لتحقيق الحقوق القومية للشعب الكردي .
وفي الوقت الذي اكتفت قيادة حزب هيوا اليمينية بالتأييد الاعلامي والسري بشكل لا يلفت نظر الحكومة ولا يغضب بريطانيا، تعمل قيادة لجنة الحرية من أجل توسيع رقعة الثورة بحيث تغطي سائر مناطق كردستان وتتبع اشكالاً متعددة للكفاح ، كفاح مسلح ، مظاهرات واضرابات في المدن ، التأييد الاعلامي الفعال ، احتلال المدن ... الخ .
وقد كانت القيادة اليمينية للحزب تحسن الظن ببريطانيا وتعتقد انها ستحضى بوعودها " بالنظر بعين العطف لمطاليب الكورد بعد انتهاء الحرب " تلك العبارة الغامضة التي قالتها اثناء الحرب العالمية الأولى التي انتهت بتجزأة كردستان وعدم تلبية أي مطلب قومي للشعب الكردي . أما قيادة لجنة الحرية ، فكانت تعتقد ان السبل مسدودة للتعاون مع بريطانيا ، وقد تبين ذلك من النقاش الحاد الذي جرى بين البارزاني والكابتن جاكسن بحضور متصرف لواء اربيل سعيد قزاز بتاريخ 17/6/1945 في ميركه سور عندما رد البارزاني عليهما : " لقد خنتم الوعود والمواثيق وأغلقتم كل الابواب ، ولذلك لم يعد في وسعي إلا أن أطرق باباً آخراً من أجل قضية الشعب الكردي العادلة " .
وفعلاً أقامت لجنة الحرية علاقات بالحركة الديمقراطية الكردية في إيران وقائدها القاضي محمد وبالسلطات السوفياتية تطلب مساعدتها للتصدي للهجوم العراقي ، البريطاني .
ان هذه الازدواجية في القيادة والاختلاف الجوهري في الآيدلوجية والسياسة لكلا القيادتين قد أدى الى الارتباك وعدم التنسيق بينهما .
وقد استغلت الحكومتان العراقية والبريطانية هذه الحالة فتمكنتا من اجهاض الثورة وضربها قبل ان تتمكن من حل خلافاتها الداخلية.
ان القيادتين لم تتمكنا من تحريك الجمهرة الاساسية لقوى الثورة ، أعني قوى الفلاحين في الريف لاعتمادها على رؤساء العشائر الذين خانوا العهد الذي قطعوه للحزب وللجنة الحرية باسناد الثورة التي اندلعت ... وقد تركوا صفوف الثورة عندما هددهم الضباط السياسيون الانكليز ، وتحولوا ضدها عندما علموا ان الثورة اخذت مسلكاً معادياً للانكليز .

تعيين القادة العسكريين لجبهات القتال

على أثر الانذار الحكومي ـ البريطاني لقيادة الثورة الكردية ، وقرار الحكومة بتخويل وزير الدفاع باحتلال منطقة بارزان وتعيين قائد للعمليات العسكرية واعلان الاحكام العرفية ،

عقدت لجنة الحرية اجتماعاً هاماً واتخذت القرارات الآتية :
1 ـ تعيين النقيب مصطفى خوشناو لقيادة جبهة ميركه سور ـ راوندوز ، وتعيين الملازم محمد محمود قدسي مساعداً له .
2 ـ تعيين الرائد الركن عزت عبدالعزيز لقيادة جبهة العمادية وتعيين عبدالحميد باقر مساعداً له .
3 ـ تعيين الشيخ سليمان البارزاني لقيادة جبهة عقرة يعاونه أحد الضباط .
4 ـ ترتبط هذه القيادات بالقائد العام لقوات الثورة الكردية الملا مصطفى البارزاني .
وتلقت القيادة رسالة من حزب هيوا في بداية شهر آذار 1945 تفيد بأن القطعات العسكرية ستقوم باحتلال مواقع ستراتيجية في جبهة راوندوز ، كجبل قلندر وجبال برادوست بحجة المناوارات الاعتيادية وذلك خلال الفترة من 5 ـ 14 آذار 1945 .
وفور تسلم هذه الرسالة أصدر البارزاني أوامره في 3/3/1945 الى قائد الجبهة مصطفى خوشناو وتقضي بمنع تنفيذ تلك الخطة والدفاع عن المنطقة بكل الوسائل ، وفي حالة تحرك القطعات العسكرية تقوم قوات الثورة باحتلال ميركه سور ، واخلاء القرى لئلا تقع هدفاً لقصف الطائرات .
وجه مصطفى خوشناو انذاراً الى القائد العسكري لمنطقة راوندوز رفيق عارف حذره من مغبة القيام بأية حركة .

لجنة الحرية توجه رسالة الى قيادة حزب هيوا

وجهت لجنة الحرية رسالة الى قيادة حزب هيوا بتاريخ 3/3/1945 تطلب فيها بالتنسيق بينهما والقيام بالاجراءات التالية لمساندة الثورة فيها : (43 )
1 ـ نخول حزب هيوا اصدار ما يراه مناسباً من بيانات .
2 ـ ارسال ممثلين عن فروع هيوا الى بارزان مقراً للجنة التنسيق .
3 ـ الاتصال بكل الدول الأجنبية لشرح قضية شعبنا .
4 ـ ابلاغ الراغبين في الالتحاق ان يذهبوا الى ( بلنك ) وهو بدوره يؤمن سلامة وصولهم الى إيران .
5 ـ حال اندلاع الثورة توزيع بيان اللجنة في مختلف انحاء العراق .
6 ـ ايصال اخبار الثورة الى الجميع وخاصة الى الطلاب .
7 ـ التحضير للقيام بمظاهرات احتجاجية .
8 ـ قطع خطوط التلفون وتخريب الطرق .
9 ـ توجيه ضربات شديدة الى مصالح الشركات المتعاونة مع الحكومة .
10 ـ التخطيط لأحتلال كركوك وتنظيم امورها بدقة وعدم الاساءة الى الممثليات الخارجية فيها .
ويظهر من بنود هذه الرسالة ، ان لجنة الحرية التي كانت تعير أهمية كبيبرة للاعمال الجماهيرية ( مظاهرات ) التي طلبتها من قيادة حزب هيوا القيام بها في سائر ارجاء كردستان ، وان الهدف من احتلال كركوك ، كما ورد في الفقرة ( 10 ) من الرسالة هو شل حركات الجيش بالاستيلاء على هذا الموقع السوقي الهام وكذلك تهديد مصالح الانكليز في شركات النفط .
وعلى الرغم من التزام البارزاني بعهده بأن لا يكون البادئ في العمليات المسلحة ضد الحكومة ، إلا ان الحكومة بالاضافة الى تنصلها عن وعود الحكومة السابقة في تلبية المطاليب التي قدمها حزب هيوا وقيادة الحركة الكردية في بارزان عام 1943، بدأت تفتعل المبررات لضرب الحركة وتصفية لجنة الحرية للأسباب التي ذكرنها آنفاً . وكان الواعون من الكورد يعرفون جيداً ان الانكليز لن يتساهلوا مع العلاقات الخارجية للجنة الحرية ولن يسمحوا بدوامها وكانت الدلائل تدل على ان القوات التي احتشدت في المنطقة ليست لمجرد القيام بالمناورات والتدريبات الروتينية كما زعم الضباط البريطانيون ، وان الصدام المسلح واقع لا محالة . ولذا خططت القيادة العسكرية الكردية للاستفادة من فترة الاسابيع الثلاثة التي احتاجتها الوحدات العسكرية الحكومية لتعبئة قواتها وتكديس مستلزمات القتال من الاعتدة والأغذية ، للقيام بهجمات قوية وخاطفة على المواقع العسكرية والنقاط الستراتيجية وطرق المواصلات لأخذ المبادرة بيدها . إلا ان طائرات القوة الجوية العراقية وبدعم من القوة الجوية البريطانية التي كانت ترابط في القواعد الجوية في العراق ، بادرت بقصف مواقع وتحشدات الكورد بعد صدور بيان الحكومة المشار إليه أعلاه في 8/8/ 1945 .
ـــــــــــــــــــــــــ
هامش
( 42 ) ينحدر اللواء الركن مصطفى راغب من أسرة ( صاري كهيه ) التركية التي استوطنت في مدينة كركوك . صهر الشخصية التركية عزت باشا الذي أشغل منصب متصرفية كركوك في العهد العثماني . وقد عرف مصطفى راغب بافكاره الشوفينية المعادية للكورد ، فاستغلت الحكومة قابلياته العسكرية وروحه المعادية للكورد لتعينه قائداً للفرقة الثانية وقائداً عاماً للحركات العسكرية لمحاربة الثورة الكردية عام 1945 .
( 43 ) المصدر السابق .

 

الحلقة 16

بدء الصدام المسلح

بدء الصدام المسلح في 25/8/1945، عندما تقدم اللواء الثالث بقيادة العقيد الركن حسيب الربيعي ومعه فوج من قوة الشرطة نحو مرتفعات بادينان بهدف احتلال جبل قلندر . فتصدت له القوات الكردية المسلحة المتمركزة في هذه المنطقة وأجبرته على التراجع،
والحقت به خسائر كبيرة ، بينها آمر الفوج المقدم هرمز قيصر ، فتوقف الهجوم حتى يوم 5/9/ 1945 .
وفي محور راوندوز ، قامت القوات الحكومية بقيادة العميد الركن اسماعيل صفوت بهجوم يوم 5/9/1945 بهدف السيطرة على منطقة برادوست وجبل قلندر . وتقدمت هذه القوة عن طريق هاوديان ـ مازنه ، وعند بدء الظلام هاجم الثوار هذه القوة من جهات عديدة ، فساد الفوضى في صفوف القوة العسكرية ، واستولى الثوار على العديد من المدافع والأسلحة الرشاشة وكميات كبيرة من الاعتدة والتجهيزات العسكرية ، كما أسروا 80 جندياً ، وترك الجيش 480 قتيلاً في ميدان المعركة واستشهد خمسة من الثوار الكورد .
وحاول لواء من قوة الشرطة السيارة ( درك ) معه قوات من عشيرة البريفكانيين الكردية الذين تركوا صفوف االثورة والتحقوا بالقوات الحكومية . وكان اللواء بقيادة مزاحم ماهر الكنعاني ، لعبور نهر الزاب الكبير نحو بارزان ، إلا ان الثوار منعوهم من ذلك.
وفي محور عقرة ، حاول الجيش المؤلف من اللوائين الأول والخامس وقوة من الشرطة السيارة بقيادة العميد ياسين حسن ، احتلال وادي نهلة وكان الثوار بقيادة مصطفى البارزاني نفسه يعاونه عدد من الضباط من قيادة لجنة الحرية ، فتصدوا للجيش في 4/9/1945 وتمكنوا من تطويق اللواء الخامس من الفرقة الثانية بالقرب من ( دينارته ) وأوقعوا فيها خسائر كبيرة قدرت بخمسمائة بين قتيل وجريج ، واستولى الثوار على مدفع صالح للأستعمال وعلى مئات من البنادق والرشاشات والاعتدة والتجهيزات العسكرية الاخرى، فأضطرت القيادة العسكرية الى استدعاء اللواء الخامس عشر من جبهة راوندوز الى عقرة في 8/9/1945. ونظراً لحراجة الموقف العسكري للحكومة ، حضر المفتش العام العسكري البريطاني في الجيش العراقي الجنرال رنتن بنفسه عندما علم باستسلام حامية ( بله ) الى الثوار .
وفي 12/9/1945، نظم الجنرال رنتن بالتعاون مع القادة العراقيين خطة للهجوم من ثلاثة محاور ، اللواء الخامس عشر من عقرة الى مضيق ( زنطة ـ دينارته ) واللواء الخامس من دينارته للألتقاء باللواء الخامس عشر . واللواء الأول من جبل سد عقرة نحو وادي نهلة . إلا ان الهجوم قد فشل تماماً وتكبد الجيش خسائر فادحة وتم أسر 50 جندياً والاستيلاء على كميات من الأسلحة والأعتدة الحربية ,

الضغط على القيادة اليمينية لحزب هيوا
لفتح جبهة أخرى .

تعرضت قيادة حزب هيوا لضغوط قيادة الثورة المسلحة والجماهير الحزبية للقيام بعمل يخفف الضغط العسكري على منطقة بارزان ، بفتح جبهة أخرى ضد الحكومة والعمل من أجل توسيع رقعة الثورة لتشمل مناطق أخرى من كردستان .
وقد سبق للجنة الحرية ان طلبت في رسالتها المؤرخة في 3/3/1945 من رئيس الحزب رفيق حلمي القيام باصدار بيانات لتأييد الثورة والقيام بمظاهرات في سائر مدن كردستان وتقديم مذكرات الى ممثلي الدول الأجنبية لشرح قضية الشعب الكردي ، وفتح جبهة أخرى باحتلال كركوك .
وقد خول رئيس الحزب اللجنة المركزية في بغداد باصدار بيان بأسمه بعد وضع الخطوط الرئيسية له ، فكان ينم عن الغرور والمكابرة لتأييد الثورة والطلب من الجيش التمرد والعصيان وعدم مقاتلة الكورد ، وقد تبين فيما بعد ان مسودة البيان كتبها المرحوم كاكه حمه خانقاه . وقد استهل البيان بالعبارة الآتية :
" نحن الزعيم الأعلى للشعب الكردي أمرنا بما هو آت . ان الملا مصطفى البارزاني هو أحد رجالاتنا .. الخ " وحال توزيع البيان في بغداد ، القت الحكومة القبض على كل من كاكه حمه خانقاه ومكرم الطالباني وجليل هوشيار وعبدالقادر قزاز والشيخ علاء الدين سجادي وجوهر دزه ي وكانبي دزه ي ، وجرى احالتهم الى المجلس العرفي العسكري لمحاكمتهم بتهمة تحريض الجيش على التمرد والعصيان وعقوبتها الاعدام . وجرى اعتقال عشرات من الضباط الكورد.
كما قام الحزب بتقديم مذكرة الى سفارات الدول الخمس الكبرى في بغداد يشرح فيها حقيقة المشكلة الكردية والغبن الذي أصاب الكورد جراء المساومات التي جرت من وراء ظهرهم لاقتسام كردستان من قبل تركيا وإيران والعراق وسوريا. وطالبت المذكرة باحياء البنود الواردة في معاهدة سيفر بشأن مستقبل كردستان . فكان موقف الدول الكبرى من المسألة الكردية ومن المذكرة التي قدمها حزب هيوا كالآتي :

موقف بريطانيا

كانت لبريطانيا مطامع استعمارية في كردستان منذ القرن التاسع عشر وقد وقفت ضد أماني الشعب الكردي في مؤتمر الصلح وشاركت في اقتسام كردستان بموجب معاهدة سايكس بيكو ، ومن خلال مساومات طويلة جرت اقتسام كردستان بموجب معاهدة لوزان فحولت القضية الكردية من قضية قومية تنتظر الحل الى مجرد تخطيط الحدود بين تركيا والعراق ، لضمان مصالحها الاستعمارية . واستمرت بريطانيا في سياستها المناهضة للحقوق القومية للشعب الكردي في الحرب العالمية الثانية أيضاً ، وعندما نهض الكورد للمطالبة بحقوقهم القومية كباقي شعوب العالم ابان الحرب ، وقفت بريطانيا ضد أماني الشعب عندما أنذرت قيادة الثورة الكردية على لسان سفيرها في بغداد عام 1945 بوجوب اطاعة أوامر الحكومة العراقية العميلة لها والسماح للقوات الحكومية باحتلال المنطقة وتصفية قيادة الحركة المتمثلة في لجنة الحرية . وقام الجنرال الانكليزي ( رنتن ) بقيادة العمليات العسكرية بنفسه ضد الثورة الى ان تم القضاء عليها .

موقف الولايات المتحدة الأمريكية

لم يكن موقف الولايات المتحدة الأمريكية بأحسن من شريكاتها الاستعمارية الأخرى حيال القضية الكردية ، ولم يكن اهتمامها بهذه المسألة سوى للأشتراك في الحصول على حصتها من الاسلاب . وساهمت بهذه المسألة الولايات المتحدة في اسقاط جمهورية كردستان الشعبية في مهاباد بعد ان مارست الضغوط على الاتحاد السوفياتي للأنسحاب منها .
وفيما يتعلق بموضوع القضية الكردية ابان الحرب العالمية الثانية وعل أثر تقديم مذكرة حزب هيوا الى سفارات الدول الكبرى في بغداد ، طلبت السفارة اللقاء مع ممثلي الحزب للتعرف على أهدافه وعلى حقيقة المسألة الكردية . فتم هذا اللقاء بين مستشار السفارة وعدد من قياديي الحزب في بغداد ، تم فيه شرح أبعاد المسألة القومية الكردية وأهداف مذكرة حزب هيوا في تحقيق الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي ولم يتعد اللقاء ذلك ، ولم تجر لقاءات أخرى حسب علمي .
أما موقف فرنسا فقد كانت فرنسا محتلة من قبل المانيا النازية ولها حكومتان ، واحدة في ( فيشي ) برئاسة المارشال بيتان ، وهي عميلة لألمانيا ، وأخرى في المهجر في بريطانيا برئاسة الجنرال ديغول ، والحكومتان عاجزتان عن القيام بأي شئ حيال المسألة الكردية .
وكانت الصين منشغلة في محاربة المحتلين اليابانيين الذين احتلوا منشوريا من جهة وفي الحرب الأهلية القائمة بين الشيوعيين والكومنتانغ من جهة أخرى .

موقف الاتحاد السوفياتي

فضح الاتحاد السوفياتي المعاهدات اللصوصية الاستعمارية التي عقدتها الحكومة القيصرية مع الدول الاستعمارية الأخرى ، كمعاهدة سايكس ـ بيكو التي تقاسمت تلك الدول بموجبها كردستان .
وابان احتلال الحلفاء لايران في الحرب العالمية الثانية ، ساعدت القوات السوفياتية في اذربيجان وكردستان الشعبين على تنظيم انفسهما في أحزاب ومنظمات ديمقراطية ، واقامة ادارة شعبية ( جمهورية كردستان الشعبية ـ جمهوريه تي ميللي كردستان ) في القسم الذي كان تحت هيمنتهم في كردستان الشرقية .
وعند اتصال البارزاني ولجنة الحرية بالسلطات السوفياتية في ايران وعرض المخطط البريطاني في تصفية الحركة الكردية ، وعد السوفيات ـ رغم الصعوبات التي كانوا يعانون منها ـ بتقديم ما يمكن من العون للحركة الكردية للتصدي للهجوم العراقي ـ البريطاني ، وعند عدم التمكن من التصدي للهجوم ، الانسحاب بقواتها المسلحة الى كردستان الشرقية لدعم الحركة القومية الكردية هناك .

موقف قيادة حزب هيوا من طلب لجنة
الحرية لاحتلال كركوك
كانت إحدى النقاط التي طالبت بها لجنة الحرية من قيادة حزب هيوا هي تحرير كركوك . كان لواء كركوك يمتد من نهر سيروان وجلولاء ( قرة خان ) جنوباً وحتى بلدة آلتون كوبري ( بردي ) على نهر الزاب الصغير شمالاً ، ومن مضيق دربندخان شرقاً حتى سلسلة جبال حمرين ونهر دجلة غرباً . وكان التركيب السكاني لهذا اللواء مكّون من أكثرية كردية ، يليها التركمان في مدن آلتون كوبري وكركوك وداقوق وطوز وكفري وناحية سليمان بك وفي بلدة قره تبة.
والعرب ، وهم في قضاء حويجة وناحية قره تبة . وفي كركوك منابع وآبار النفط ومؤسسات متكاملة لاستخراج البترول وعزل الغاز عنها وضخها عبر الأنابيب الى موانئ البحر الأبيض المتوسط في سوريا ولبنان وفلسطين .
وكان في كركوك ، بالاضافة الى وجود معظم وحدات الفرقة الثانية ومطار القوة الجوية ، مقر الجيش العاشر البريطاني المتمركز بالقرب من بلدة كفري ، فلم يكن تحرير كركوك بالأمر الهين كما تصورته لجنة الحرية في بلرزان ، ناهيك عن استماتة الأنكليز لحماية مصالحهم البترولية لشركة P.C.I .
وفي كركوك نفسها عقدت لجنة الحرية عدة اجتماعات للضباط الكورد المنتمين الى حزب هيوا والمتعاطفين مع لجنة الحرية في بارزان في دار الملازم الأول فاتح داوود الجباري لتدراس طلب لجنة الحرية في تحرير كركوك . فكانت آراء الشباب المتحمس من ذوى الرتب الصغيرة من الضباط هو تحريك الوحدات العسكرية المرابطة في ضاحية المدينة وسيطرة على المؤسسات الحكومية ومنشآت النفط دون التعرض لأعمال شركة P.C.I ، إلا ان الضباط من ذوي الرتب الكبيرة ، بينهم آمر الفوج العقيد عزيز قزاز وآمر الفوج المقدم أمين الراوندوزي ، كانوا يعتبرون هذا العمل مغامرة طائشة بمثابة الانتحار للتنظيمات العسكرية للحزب ، ناهيك عن ان معظم الضباط من أعضاء ومؤيدي الحزب قد أبعدوا عن الوحدات العسكرية أو اعتقلوا ، ولم يتمخض الاجتماع عن اتخاذ قرار للقيام بعمل عسكري لتحرير كركوك، فعادت فكرة فتح جبهة ثانية ضد الحكومة بالاستعانة برؤساء العشائر المتعاطفين مع الحركة في منطقتي كفري وخانقين ، كعشائر الجاف والطالباني والزنكنة ودلو وباجلان وشرفبياني ... الخ ، يلتحق بهم عدد كبير من الضباط والجنود لتحرير ما يمكن تحريرها من مناطق لواء كركوك . ومن غير المعروف عما اذا كشف رئيس الحزب السيد رفيق حلمي فحوى الرسالة الواردة إليه من البارزاني أو الهدف الاساسي لعقد مؤتمر العشائر في قرية كلار ، حيث يتمتع الحزب بتأييد من لدن رؤساء عشيرة الجاف وقد كان رئيس العشيرة كريم بك الجاف وشقيقه داوود بك الجاف عضوين بارزين في الحزب.

مؤتمر ( كلار ) والنتائج المتوخاة منه

طلبت لجنة الحرية من الحزب فتح جبهة ثانية في لواء كركوك لتخفيف الضغط على منطقة بارزان من حهة وتهيئة الظروف لتحرير كركوك نفسها من حهة أخرى . وكان نفوذ الحزب يتمركز في قضائي كفري وخانقين ، حيث انضم اليه معظم رؤساء عشائر الجاف والطالباني والزنكنة ودلو وباجلان وشرفبياني وغيرها . ولعب رجل الدين والعضو البارز في الحزب ( الملا سيد عبدالحكيم ) الدور الأساسي في عقد اجتماع عشائري موسع ( كونفرانس ) لرؤساء العشائر والكوادر الحزبية من المثقفين في قضائي كفري وخانقين ، حضره رئيس الحزب السيد رفيق حلمي ورؤساء العشائر في منطقتي كفري وخانقين كما حضره عدد كبير من كوادر الحزب في القضائين المذكورين ،وأوفدت لجنة الحرية أثنين من ضباطها ، هما رئيس أول ( رائد ) محمود شيخ طه والرئيس ( نقيب ) عبد المجيد علي للأشتراك فيه .

الآراء المتباينة حول الهدف من عقد كونفرانس كلار

يظهر من الآراء المتباينة التي نشرت في العدد 88 لسنة 1996 لمجلة ( ره نكين )، ان رئيس الحزب لم يكشف الرسالة التي وردت إليه من رئيس لجنة الحرية المرحوم مصطفى البارزاني حول الاعمال التي يقتضي القيام بها لمساندة الثورة في حالة اندلاعها . وقد تحاشى وصول المعلومات الى الجهات الحكومية عن وجود علاقة له بالحركة المسلحة القائمة في منطقة بارزان .
يقول السيد عزيز بشتوان ، وكان مسؤولاً عن تنظيمات الحزب في قضاء خانقين " كان الاجتماع الأول في قرية كلار عام 1944 لازالة الخلافات بين الضباط المثقفين في الحزب مع رئيس الحزب . كما أتذكر ان كريم بك الجاف قد توسط بينهما فتمت إزالة الخلافات ولم يبق بينهم أي خلاف ولكنني لم أكن في الاجتماع الثاني . وحسبما أتذكر ، صدر الأمر بالقبض على الملا سيد عبدالحكيم بعد ضرب المراكز الحكومية في المنطقة . وقد اختفيت أنا أيضاً وفرضت غرامة على منطقة خانقين . "
ويقول المرحوم محمد سعيد بك الجاف : " على الرغم من إنني لم أكن عضواً في حزب هيوا ، ولكن كان مصطفى بك الجاف أحد الأعضاء البارزين فيه . وقد كنت أحضر بعض الاجتماعات لآن أعمال الحزب كانت علنية . "
ثم يقول : " لم يكن لهذا الاجتماع علاقة بفتح جبهة أخرى ضد الحكومة . بل لمعالجة الخلافات الداخلية للحزب . وقد حدثت انشقاقات في الحزب ، لأن أكثرية المثقفين في الحزب كانوا يعتبرون مسلك وبرنامج حزب هيوا شبه عشائري ولهذا انفصلوا عن حزب هيوا وانضم قسم منهم الى الحزب الشيوعي . "
ويكـّذب المرحوم محمد سعيد الجاف قيام بعض رؤساء العشائر المشاركين في مؤتمر كلار بأستشارة المشاور السياسي البريطاني في كركوك كورنيل لاين . ويتحدث عن الاجتماع الثاني الذي جرى فيه البحث حول فتح جبهة ثانية ضد الحكومة في قرية قريبة من قرية كلار برئاسة الملا سيد عبدالحكيم وحضور عدد من رؤساء العشائر هناك . ويتساءل المرء ان اجتماعاً هاماً لهذا الاجتماع الذي يتقرر فيه فتح جبهة ثانية ضد الحكومة ، لم يحضره رئيس الحزب والشخصيات البارزة من رؤساء العشائر الأعضاء في حزب هيوا أمثال كريم بك وداوود بك الجاف وفتح الله بك دلو وآخرن ؟ اما هؤلاء أبدوا عدم استعدادهم للمشاركة في مثل هذا العمل عندما علموا بالعلاقات الخارجية للجنة الحرية واصرار البريطانيين على ضرب الثورة التي تقودها هذه المجموعة من الضباط التقدميين .
ويتفق الاستاذ رشيد باجلان مع السيد عزيز بشتيواني والمرحوم محمد سعيد الجاف حول الهدف من عقد مؤتمر كلار ويقول ان الهدف كان لأجراء مصالحة بين رئيس الحزب ومجموعة من الضباط الذين اختلفوا معه ، وتوسط المرحوم كريم بك الجاف لازالة الخلافات بين الطرفين .
ويتساءل المرء لماذا حدثت الخلافات بين تلك المجموعة من الضباط المؤيدين للجنة الحرية ورئيس الحزب السيد رفيق حلمي ؟
يقول الدكتور عزيز شمزيني ، ( 45 ) ان احدى النقاط التي اختلف الجناح اليميني برئاسة السيد رفيق حلمي مع الجناح اليساري الذي يضم معضم المثقفين والضباط هي حول مسألة : هل يجب على حزب هيوا ان يشترك اشتراكاً فعالاً وبجميع الوسائل وبكل قواه في الثورة الكردية في منطقة بارزان ويتحمل قيادتها ويوجهها ، أم يجب عليه ان يقف موقفاً متفرجاً وسلبياً من الثورة ولا يشترك فيها اشتراكاً فعالاً اللهم إلا بمساعدة سرية طفيفة لا تلفت نظر الطبقة الحاكمة العراقية ولا تغضب حكومة بريطانيا . "
ويقول الدكتور شمزيني :
" وكان يترأس الجناح اليميني في الحزب رئيس الحزب نفسه رفيق حلمي . " ويتحدث عن الخلاف حول الموقف من الثورة في بارزان فيقول :
" أما فيما يتعلق بموقفه من الخلاف الثاني ( ويقصد موقف حزب هيوا من الثورة ـ المؤلف ) فقد كان يطالب الحزب بالوقوف على الحياد تجاه الثورة الكردية وعدم مساعدتها أو قيادتها مدعياً ان ذلك قد يؤدي الى اغضاب بريطانيا لأن الثورة انما تحارب حليفتها الحكومة العراقية في الوقت الذي تحارب هذه الحكومة المانيا الهتلرية معها أي في وقت حرج لبريطانيا . "
ويقول عن الجناح الآخر :
" أما الجناح اليساري الذي يضم الأغلبية الساحقة أعضاء الحزب التقدميين الوطنيين ضباطاً وجنوداً وطلاباً ومثقفين ، فقد كان يطالب باشتراك الحزب اشتراكاً فعالاً في الثورة الكردية ومساندتها بكل قدراته ومحاولة قيادتها وتوجيهها . "
ويقول الدكتور شمزيني "
" ورغم ان الخلاف حول مساندة الثورة كان خفيف الوطأة في بداية الثورة وان الجناح اليميني أضطر الى الخضوع للأغلبية الساحقة والأذعان لرغباتها في مساعدة الثورة بالمال ومساندتها بالدعاية ( الخط تحت العبارة من صنعي ـ المؤلف ) إلا ان الخلاف بقي موجوداً ولم يحسم . "
ان حديث الدكتور شمزيني يدور حول الخلافات داخل المؤتمر بالذات . وان وجود الضابطين من لجنة الحرية في كونفرانس كلار لهذه الغاية ، أي دفع الحزب للأشتراك اشتراكاً فعالاً في الثورة ومساندتها بكل قدراته ومحاولة قيادتها وتوجيهها . وان أقوال السادة عزيز بشتيوان ورشيد باجلان ومحمد سعيد الجاف بأن المرحوم كريم بك الجاف تمكن من تسوية الخلافات غير واردة لأن الحزب ، كما قال الدكتور شمزيني ، لم يبادر الى مساعدة ومساندة الثورة إلا بتقديم بعض الاموال المتجمعة من التبرعات واصدار بيان وتقديم عدد من المذكرات الى ممثليات الدول الكبرى في بغداد ، وبقيت الخلافات قائمة الى ان اجبرت لجنة الحرية التي سلكت مسلكاً آخر ، رئيس الحزب على التخلص من قيادة الحزب والتنحي جانباً .
ومن المؤكد ان السيد رفيق حلمي لم يعرض على هذا الاجتماع رسالة الملا مصطفى البارزاني الذي يطلب فيها من الحزب مساندة الثورة بالقيام بالمظاهرات وتحرير كركوك والالتحاق بصفوف الثورة فلم يذكر أحد من الحاضرين في هذا الاجتماع شيئاً عن فحوى تلك الرسالة .
وكان الهدف الاساسي لهذا الكونفرانس الحزبي حسم نقطتي الخلاف بين القيادة اليمينية برئاسة السيد رفيق حلمي وقيادة لجنة الحرية برئاسة البارزاني ، حول النقطتين الاساسيتين ، الجهة التي يجب الاعتماد عليها لمساندة الشعب الكردي ، بريطانيا أم الاتحاد السوفياتي ، ومدى مساهمة الحزب في الثورة .
وقد دب الخلاف بين الحاضرين في اجتماع كلار حول النقطتين وحاول كريم بك الجاف الذي استضاف الحضور التخفيف من حدة النقاشات ، ولكن المسألة كانت حدية لم يتمكن من حلها ، فقد وافق عدد من رؤساء العشائر على الاستجابة لطلب قيادة لجنة الحرية بفتح جبهة ثانية ، منهم عثمان بك شرفبياني والشيخ نجيب عبدالوهاب الطالباني والشيخ عطا جمال الطالباني ومحمد علي آغا وزنكنة وآخرون ، بينما علق الآخرون مشاركتهم في الثورة على موافقة الانكليز ، وهم كريم بك الجاف وداوود بك الجاف وفتح الله بك دلو ( 46 ) وآخرون ، فقد طلبوا امهالهم لبعض الوقت لأستشارة المستشار البريطاني في كركوك ( الكولونيل لاين ) ، لمعرفة موقف بريطانيا من الثورة الكردية التي اندلعت في عدة مناطق من كردستان. وقد حذر الكولونيل لاين هؤلاء من التورط في الاسهام في هذه الحركة التي يسيرها الروس ( حسب تعبيره ) وان الحكومة مصممة على ضربها وتصفيتها . أما الموافقون بالعمل الحكومة ، فقد عقدوا اجتماعاً آخر في قرية قريبة من كلار ( كيزة كان ) حضره بالاضافة الى المذكورين أعلاه ، صالح آغا باجلان ومحمد صالح دلو ومصطفى بك جاف وعدد من رؤساء فرق الجاف انسحب العديد منهم من الاجتماع لخشيتهم من الثورة في عمل مسلح ضد الحكومة وضد الانكليز وقام الآخرون بضرب المراكز الحكومية ( مخافر الشرطة ) في منطقتي كفري . وهذا هو السبب في عدم حضور رئيس الحزب السيد رفيق حلمي والشخصيات البارزة في الحزب هذا الاجتماع الثاني الذي عقد لتنظيم العمليات المسلحة ضد الحكومة لتخفيف الضغط على الثورة في مناطق راوندوز وعقرة وبارزان ... الخ . وبدلاً من رئيس الحزب أو المسؤول الحزبي عن المنطقتين ترأس الأجتماع الملا سيد عبد الكريم ، ذلك الوطني الشجاع المخلص .
وقد فرضت الحكومة غرامات جماعية على جميع عشائر المنطقتين ، كفري وخانقين المشاركة في الحركة وغير المشاركة ، بما فيها عشائر الجاف ودلو وباجلان . أصدرت أومراها بالقبض على القائمين بالحركة وعدد من مختاري القرى الواقعة ضمن منطقة تلك العمليات . وبقيت المسألة معلقة ، كما بقي المشاركون في الحركة بعيدين عن متناول أيدي الحكومة الى ان انتهت الثورة في لوائي أربيل والموصل كما سنبّين ذلك فيما بعد ، ثم صدر عفو عام عن المشاركين بهذه الحركة المسلحة باستثناء أعضاء لجنة الحرية وقادة الثورة ، حيث حكم على ( 105 ) منهم بالاعدام وزج المئات في المعتقلات لعدة سنين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
( 45 ) الدكتور عبدالعزيز شمزيني ـ المصدر السابق .
( 46 ) كان فتح الله بك دلو مسؤولاً عن حماية منشآت النفط في خانقين التي كانت تابعة لبريطانيا ، مقابل راتب شهري يتقاضاه هو والحراس الذين عينهم .

 

الحلقة 17 ( ما قبل الأخيرة )

عجز القيادة اليمينية لحزب هيوا عن توسيع وقيادة الثورة

أظهرت نتائج مؤتمر كلار عجز القيادة اليمينية لحزب هيوا عن فتح جبهة ثانية لتوسيع رقعة الثورة ، وأكتفت ـ كما أسلفنا ـ بتقديم بعض المساعدات المالية والاعلامية للثورة في المناطق الشمالية في كردستان الجنوبية .
وهي لم تكن عاجزة عن تحريك الريف الكردستاني بمعزل عن مواقف رؤساء العشائر فحسب بل وعجزت عن القيام بأي عمل يذكر حتى في المدن التي له فيها نفوذ كبير كالسليمانية واربيل والأقضية الكردية في لواء الموصل وخانقين التابعة للواء ديالى ناهيك عن لواء كركوك ، حيث له عدد كبير من الضباط من ذوي الرتب المختلفة . وكان الحزب يعاني من الأنقسامات الفكرية والتنظيمية ، وتهمين على قياداته العناصر اليمينية التي لم تستوعب ما تجري في العالم من تطورات فكرية وسياسية ففي الوقت الذي كانت الجماهير في وسط وجنوب العراق تملأ الشوارع بمظاهراتها الصاخبة ويقوم العمال باضرابات في المعامل والمؤسسات الحكومية والشركات الأجنبية ، وهي تطالب بالحريات السياسية والنقابية وتعمل من أجل اسقاط الحكومات المناوئة لمصالح الشعب ، عجزت حزب هيوا عن تنظيم مظاهرة احتجاج في أية مدينة من مدن كردستان ضد عمليات التنكيل والقمع التي تعرضت لها القرى الكردية التي اشتركت في الثورة . وقد قالت جريدة ( القاعدة ) الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي آنذاك في مقال افتتاحي بعنوان : " الشعب الكردي بحاجة الى حزب عمل لا حزب أمل " قالت فيه : " ان هذا الحزب قد جمدّ عشرات الألوف من الشباب الكورد المتحمسين عن الأسهام في أي نشاط سياسي من أجل الحريات الديمقراطية التي في ظلها فقط يتمكن الشعب الكردي من الافصاح عن رأيه في تقرير مصيره بنفسه ."(47)
وعن الصراعات الداخلية والمساومات بين الشخصيات الكردية لتصيد المناصب ، كتبت الجريدة المذكورة مقالاً آخر بعنوان : " الشعب الكردي بين الحانة والمانة " تطرق الى المساومات التي كانت تجري بين رئيس الحزب السيد رفيق حلمي ووزير الدولة ماجد مصطفى على حساب المصالح الحيوية والحقوق المشروعة للشعب الكردي ، وحذرت الصحيفة الشباب الكورد من الانجرار وراء هؤلاء ودعتهم الى الاسهام الفعال في نضالات الشعب من أجل انتزاع الحقوق الديمقراطية له .
وكانت هذه القيادة لا تزال تعتقد ان بامكان بريطانيا مساعدة الكورد لنيل حقوقهم القومية ، وهي تبني آمالها على الوعود الغامضة والكاذبة لعدد من الضباط السياسيين البريطانيين الذين يعملون لحساب المخابرات البريطانية في كردستان . إلا ان الانكليز وقفوا علناً ضد الثورة الكردية ، بل وقاد الجنرال الانكليزي رنتن بنفسه المراحل النهائية الحاسمة للعمليات العسكرية ضد الثوار في قاطع عقرة ، وتحت وعود ووعيد الضباط البريطانيون انسحب معظم رؤساء العشائر الكردية تأييدهم للثورة وللجنة الحرية .
وكانت لجنة الحرية تعتمد ، بالدرجة الأولى على عدة آلاف من البارزانيين الذين كانوا تحت قيادة رئيس اللجنة مصطفى البارزاني وأخوته والضباط ( الذين التحقوا بالثورة ، وليست لها امكانات لتجنيد الشباب في جيش ثوري خاص بالثورة أو تنظيم ميليشيات حزبية ، بسبب الموقف السلبي لحزب هيوا . وعندما لجأ مئات من الشباب للتطوع في صفوف الثوار ، طلب البارزاني المساعدات المالية من حزب هيوا لأعاشة هؤلاء بسبب ضعف الامكانات المالية للجنة الحرية ولا يوجد ما يدل على تقديم مثل هذه المساعدات . وكان الأمل الوحيد للجنة هو قيام الحزب بفتح جبهات أخرى بتعاون رؤساء العشائر الذين تعهدوا تحريرياً بمساندة الثورة ، ولكن لم يفعلوا ، بل وانحاز معضمهم الى جانب الحكومة حاملين السلاح ضد الثورة . وتجاه هذا الوضع المأساوي ، تعاون الانكليز والحكومة العراقية لسحق الثورة ، وعجزت القيادة اليمينية لحزب هيوا عن تطوير وتوسيع الثورة وخيانة رؤساء العشائر الكردية وتحويلهم ضد الثورة، قررت لجنة الحرية ورئيسها البارزاني ، بعد التشاور مع السوفيت ، بالانسحاب الى كردستان الشرقية في إيران للحفاظ على قوتها المسلحة وانقاذ العوائل من البطش والإفناء .

اجبار رئيس الحزب السيد رفيق حلمي
على الاستقالة من حزب هيوا

ايقن الضباط الذين أوفدتهم لجنة الحرية لحضور مؤتمر كلار الذي عقده حزب هيوا بناءً على طلب اللجنة ورئيسها البارزاني ، ان القيادة اليمينية للحزب بزعامة السيد رفيق حلمي ورؤساء العشائر في منطقة كلار وكفري يعلقون القيام بأي عمل لمساندة الثورة والاسهام فيها على موافقة بريطانيا في حين ان الثورة التي اندلعت في لوائي اربيل والموصل اخذت طابعاً معادياً لبريطانيا والحكم الملكي العميل . وقد تعاونت الحكومتان للقضاء على الثورة . ولم يتمكن رؤساء العشائر الذين استجابوا لنداء لجنة الحرية من توسيع عملياتهم ضد المؤسسات الحكومية بسبب الموقف السلبي للعشائر الرئيسية في المنطقة في الاسهام فيها . وعندما يئس هذان الضابطان من موقف السيد رفيق حلمي ، تصديا له في طريق عودته وأجبروه على التوقيع على تصريح يعلن فيه تخليه عن حزب هيوا لأنه لا يستجيب لطموح الشعب الكردي ولا يتفق مع روح العصر ( 48 ) فيوقع على التصريح . وعقد اجتماع آخر في قرية كلار اعلن فيه السيد رفيق حلمي تخليه عن قيادة الحزب طوعاً فترك الحزب نهائياً .

خيانة الاقطاعيين ورؤساء العشائر الكردية
كانت لجنة الحرية أكثر ادراكاً من القيادة اليمينية لحزب هيوا لروح العصر وللاطار التاريخي للمسألة الكردية بأن الثورة يجب ان توجه ضد الاستعمار البريطاني والحكم الملكي الرجعي العميل . وكان هذا الاتجاه ينسجم مع روح العصر للحركات القومية في المستعمرات والبلدان التابعة للأنفصال عن النظام الاستعماري العالمي والاسهام في دفع هذا النظام الى مزبلة التاريخ إلا ان لكل حركة قومية مميزاتها القومية الخاصة . واحدى هذه المميزات هو ضعف البرجوازية الكردية وعجزها عن تحريك الريف وجر الجمهرة الاساسية للمجتمع الكردستاني لمجتمع الاستئناف الى الثورة ، أعني جماهير الفلاحين . ففي كل ثورة وانتفاضة كردية استعانت البرجوازية برجال الدين من الاقطاعيين من رؤساء العشائر لجر الفلاحين الى النضال القومي . ونظراً لغياب برنامج اجتماعي يخص مصالح الفلاحين بسبب وجود كبار ملاك الاراضي في قيادة الثورة ، كثيراً ما انسحب هؤلاء عندما كانت مصالحهم تقتضي ذلك .
وكلا القيادتين ، قيادة حزب هيوا وقيادة لجنة الحرية كانتا تعقدان الآمال على رؤساء العشائر في الثورة ، إلا ان الحكومة والانكليز حاولوا بشتى الوسائل اغراء رؤساء العشائر الكردية لدفعهم لسحب تأييدهم للحركة القومية ، ومن ثم تحويلهم من جانب الثورة الى ضدها . وقد لعب الضباط البريطانيون الذين كانت لهم علاقات وثيقة بهم في ممارسة الضغوط عليهم فقد انسحب رؤساء عشيرة ( سورجي ) مع عشيرتهم وحملوا السلاح ضد الثورة وتبعه رؤساء العشائر الأخرى واحداً بعد آخر ، تاركين صفوف الثورة ليتحولوا الى جانب الحكومة ، فتبع السورجيين رؤساء الزيباريين واالبرادوستيين والروزبيانيين والدوسكيين والمزوري والبريفاني .
وكان المثقفون لا يثقون برؤساء العشائر من الاقطاعيين وكبار ملاك الاراضي الذين حصلوا على مصالح كثيرة واستحوذوا على مساحات كبيرة من الاراضي في ظل الاحتلال البريطاني والحكم الملكي العميل . وقد اشار نوري السعيد الى هذه الحقيقة في تقريره المؤرخ في حزيران 1944 عند حديثه عن المثقفين الكورد بقوله : " انهم يرغبون في جعل الادارة المحلية في ايديهم والقضاء على نفوذ الطبقة الأولى ." ( ويقصد طبقة الاقطاعيين ـ المؤلف ) .
وكان احدى نقاط الخلاف بين المثقفين ، الذين يحملون آيدولوجية ماركسية والقيادة اليمينية لحزب هيوا ، هو ذلك الاهمال الفظ لمصالح الجمهرة الاساسية للمجتمع الكردستاني ، أعني به طبقة الفلاحين التي تشكل نحو ( 80% ) من سكان كردستان ، والتوجه نحو رؤساء العشائر من كبار الاقطاعيين . وعلى سبيل المثال ، كانت أراضي قرية ( كوله جو ) التابعة الى منطقة زنكاباد ( زند آباد ) بلواء كركوك ملكيات صغيرة تعود للفلاحين ، أو أراضي أميرية صرفة يستغلها هؤلاء ، وهم من عشيرة زند الكردية . ويتولى رئيسها ( كويخا غني ) شؤون العشيرة ويضمن لهم الحصول على حصتهم المائية من دوائر الري . وكانت هذه القرية مزدهرة فيها رؤساء عشيرتي الجاف والطالباني المجاورتين لها . وعلى الرغم من أن العديد من الفلاحين في هذه القرية كانوا أعضاءاً في حزب هيوا، وبدلاً من قيام الحزب بحماية مصالح الفلاحين في هذه القرية من اطماع رؤساء الجاف والطالباني ، توسط بينهما للاتفاق على الاستيلاء على أراضي القرية مشاركة أو مناصفة دفعاً لحدوث خلاف أو عداء بين العشيرتين . لذا ، على الرغم من تمتع الحزب بنفوذ في المدن وبين رؤساء العشائر ، لم يتمكن من ايجاد قاعدة قوية في الريف الكردستاني ، الأمر الذي أدى الى اضعاف مواقف الثورة كالثورات الكردية الأخرى .

الشيخ عبدالله الشمزيني يوجه نـــــداءاً
الى المثقفين ورؤساء العشائر الكردية

وجه الشيخ عبدالله الشمزيني ، نجل الشهيد الشيخ عبدالقادر الشمزيني الذي أعدمه الأتراك احفاد هولاكو ، رسالة الى المثقفين ورؤساء العشائر الكردية ، يحثهم فيها تأييد ومساندة الثورة الكردية في العراق . اليكم نصها " ( 49 )

بسم الله الرحمن الرحيم

عاش الكورد وكردستان الكبرى حرة . انكم مطلعون على كافة أمم العالم في هذه الفرصة التاريخية من أجل تقرير المصير وسيادة مشرفة في ميدان السياسة العالمية ، باستثناء الشعب الكردي الذي لا يسمع صوته في أي مجال ، يبدو انه قرر الاستسلام لعبودية الدول الأجنبية .
ايها الاصدقاء الاعزاء .. تعلمون مدى الغبن اللاحق بالكورد وعظم التضحيات التي قدمها للخلاص من العبودية . ان أرواح الشهداء من أبناء الكورد ينظرون الينا باحتقار . ألسنا نحن أيضاَ بشر؟ أليس لنا الحق في الحياة الحرة كأمم العالم كالعرب والعجم وغيرهما؟ فاذا كان لنا هذا الحق ، لماذا لا نطالب به ؟ لماذا لا نقاتل من أجل حريتنا ؟ لماذا لا نجتث الطمع والانانية والفساد من صفوفنا لنكون أخوة صادقين ، نناضل من أجل الحرية والسعادة الابديتين ؟ واليوم يخوض مصطفى ميدان الكفاح بروح قومية جديدة وصادقة ضد العدو الغاصب ، فهل نبقى متفرجين ولا نسانده بشيئ ونتركه ليلقى مصيره ؟ انه شعلة لا تنطفيء في قلب الشعب الكردي . وكما هو معلوم لديكم ان ثورة كردستان الشمالية استمرت من عام 1925 وحتى 1928. فقد افنيت اعداد كبيرة من الشعب الكردي بسبب تعاون البعض من الكورد مع العدو لقتل أبناء قومه . واعدام الرؤساء والمشايخ والعلماء والشخصيات الكبيرة وعمت الآلام ربوع كردستان. والنتيجة سقطت كردستان بيد العدو الغاصب .
وحرصاً على تحرير كردستان وسعادة الشعب الكردي يجب ان نستيقظ من الغفلة وان نعي واجباتنا في هذه المرحلة التاريخية حيث تتقرر مصير أمم العالم .
ابتهل الله عز وجل ان يحقق آمالنا ولكم تمنياتنا المخلصة .
الشيخ عبدالله الشيخ عبدالقادر
4 / 10 / 1945

انتهاء الثورة والانسحاب الى شرق كردستان

لم تمن قوات الثورة الكردية باية هزيمة عسكرية في جبهات القتال.
ولكن لجنة الحرية أيقنت عجز حزب هيوا عن تقديم العون لها لديمومة الثورة وتوسيع رقعتها . وخان رؤساء العشائر وانحازوا الى جانب الحكومة وحملوا السلاح ضد الثورة ، فقررت لجنة الحرية الانسحاب الى كردستان الشرقية طبقاً للاتفاق الذي سبق ان عقده البارزاني مع القاضي محمد و السوفياتية هناك . فقد جرى الانسحاب بشكل مدروس ومنظم الى الحدود التي تفصل كردستان الجنوبية عن الشرقية . وخلال هذا الانسحاب المنظم ، حدثت معارك عنيفة بين الجيش العراقي تسنده قوات العشائر الكردية التي خان رؤساءها الثورة وبين الثوار المنسحبين ، لتغطية وحماية انسحاب عوائلهم .
ففي جبهة عقرة ، انسحب قائد هذه الجبهة ، وكان المرحوم مصطفى البارزاني ، مع قواته الى جبل بيرس وجرت معركة عنيفة لمنعه من الوصول الى بارزان ، إلا انه تمكن من الوصول اليها في 2/10/1945، لحماية العوائل البارزانيين عند عبورهم جبل شيرين الى نقطة التجمع المتفق عليها في ( كاني ره ش ) .
وفي برادوست ، جرت معركة عنيفة مع الجيش والمرتزقة البرادوستيين ، فتمكن الثوار من استعادة جبل ( قلندر ) لتغطية انسحابهم نحو كاني ره ش . وكانت الطائرات تقصف قوافل العوائل المنسحبة ، فاوقعت فيها الخسائر في النساء والاطفال والشيوخ . ودخلت القوات المنسحبة ، وهي تحمل العوائل الى كردستان الشرقية في 11/10/1945 عن طريق ( كيله شين ـ وه ركه وه ر ) فلقوا الترحاب من أخوانهم الكورد هناك وشاطروهم المسكن والملبس والمأكل ، وتم توزيغهم على 45 قرية كردية هناك .
والتقى المرحوم مصطفى البارزاني في قرية ( نيركي ) مع القائد العسكري السوفياتي هناك واتفق معه على توزيع واسكان العوائل في مناطق ( مه ر كه وه ر ـ شنو ـ نغده ، مهاباد ) وارسل السوفيات مستشفى ميدان للجيش السوفياتي لمعالجة الجرحى والمرضى ، ثم جرى تنظيم القوة المسلحة في افواج وتم تسليمها الاسلحة الحديثة ،
وعين الضباط عزت عبدالعزيز وسيد عزت شمزيني ومصطفى خوشناو ومير حاج أحمد ومحمد محمود قدسي وعبدالرحمن القاضي وبكر عبدالكريم الحويزي وخيرالله عبد الكريم ونوري أحمد طه ومحمد صالح ، امراء الألوية والأفواج ، لتكون هذه القوة المنظمة والمدربة ، القوة العسكرية الاساسية لجمهورية كردستان الشعبية ( كوماري ميللي كوردستان ) التي تشكلت في مهاباد فيما بعد ، وعين مصطفى البارزاني قائداً عاماً للقوات المسلحة ومنح رتبة لواء ( جنرال ما ريو ) كما عين معه كل من حمه آغا ميركه سوري برتبة عقيد ومحمد أمين ميرخان برتبة عقيد أمراء للالوية .

تفكك حزب هيوا وظهور أحزاب كردية أخرى

كانت الثورة التي اندلعت في كردستان الجنوبية بين عامي 1943 ـ 1945 محكاً لقدرة حزب هيوا على قيادة عمل ثوري وامكاناته في ديمومة وتطويرها ، والتي اندلعت في البداية في جزء منها ، وتوسيع رقعتها لتعم سائر مناطق كردستان الجنوبية ، وتعميق محتواها لتشمل الجمهرة الاساسية للشعب الكردي ، أعني الفلاحين الذين هم القوة الرئيسية في الثورات القومية المعاصرة . فقد اخفق حزب هيوا في كل ذلك ، فلم يتمكن من توسيع رقعة الثورة لتمتد الى ألوية السليمانية وكركوك والمناطق الأخرى من لواء اربيل.
فقد انحصرت في المنطقة الكائنة بين الزاب الكبير والحدود التركية كما لم يتمكن الحزب من تحريك الجماهير التي كان له نفوذ واسع في المدن للقيام باعتصامات واضرابات ومظاهرات لمساندة الثورة المسلحة ، ولم يقم علاقات نضالية بالحركة الوطنية في سائر ارجاء العراق ، رغم حدوث الثورة الكردية في فترة النهوض الثوري في العراق ، لكسب تأييدها وعطفها على الحقوق المشروعة للشعب الكردي .
وقد رفع الحزب الشيوعي العراقي مذكرة أبان الحملات العسكرية القمعية ، وذلك بتاريخ 21/11/1945 الى الحكومة قال فيها :
" ان الحكومة تصم اذانها عن شكاوى الشعب الكردي وطلباته في الاصلاح ، انها تدع الجوع يجتاح قراهم ، تحبس عنهم حقوقهم الدستورية ( كما تحبسها طبعاً عن الشعب العربي ) ، لا تهتم بأمر تثقيفهم كما يريدون ، ولا بأمر مستواهم الاقتصادي والاجتماعي وغيره ، تغمض عينها وتصم آذانها عن نشاط عملاء الاستعمار ورعايتهم بين الكورد وتقوم هي بنفسها بمثل ذلك النشاط والدعاية وتشجع روح الشوفينية عند العرب وخصوصاً بين أفراد الجيش ، ثم تسوق الجيش والشرطة في " حملات تأديبية " كما تسميها ضد القبائل الكردية ثم تحولها الى حملات تأديبية ضد الشعب الكردي بأسره ، وبصورة خاصة ضد طالبي الاصلاح الديمقراطي ، فتنشر الارهاب وتعلن الاحكام العرفية وتملأ السجون بالمواطنين الكورد كما هو جار الآن في المناطق الكردية . ان سلوك الحكومة العراقية وحليفتها الحكومة البريطانية تجاه الشعب الكردي لا يتفق وأبسط مبادىء الحق والعدالة ومناف لحقوق الكورد الذين يؤلفون ربع سكان العراق ولهم الحق في التمتع بالحريات الدستورية والديمقراطية وبحرياتهم الشخصية وبحرية قراهم وديارهم ، ولهم كذلك ان يطالبوا ويسعوا لرفع مستواهم الاقتصادي والثقافي والصحي والاجتماعي ، فمحاولة الحكومة العراقية حكم الشعب الكردي بالعنف والاكراه ، ومنعه عن المطالبة بحقوقه أمر لا يتفق ومصلحة الوحدة الوطنية التي ينشدها الشعب العراقي ، عرباً وكورد ـ ومخالفة تماماً لتصريحات قادة الأمم المتحدة المحبة للحرية وللمبادئ التي حاربت وضحت من أجلها الشعوب " . ( 50 )

وعلى صعيد القيادات ، فكان هناك مركزان قياديان في االثورة الكردية ، الأول القيادة السياسية اليمينية التي حبست الحركة الوطنية الكردية في نطاق محدود وذات أفق ضيق ، وكانت تعتقد ان الشعب الكردي يمكن ان ينال حقوقه القومية عن طريق بريطانيا التي أعطت وعداً غامضاً ، على لسان الضباط السياسيين الانكليز في كردستان في ان : " الحكومة البريطانية ستنظر بعين العطف الى مطاليب الكورد بعد انتهاء الحرب " .
وكانت هذه القيادة تحارب أية أفكار تقدمية كالتي انتشرت و سادت في العراق وفي سائر انحاء العالم . وتوسع كل حركة تطلب فيها بالاصلاح " مؤامرة شيوعية " يتعرض طالبوه الى الملاحقة الحزبية والابعاد عن الحزب .
وقد تمثل هذا التيار اليميني في الحزب في مجموعة من الضباط الكبار وفئة من المثقفين الذين هم يمنتمون الى طبقة كبار ملاك الاراضي وكذلك من رؤساء القبائل الكردية .
والثاني لجنة الحرية التي تشكلت من عدد من الضباط التقدميين الذين يحملون آيديولوجية تقدمية ، برئاسة مصطفى البارزاني ، يعتقد جازماً ان بريطانيا في سبيل ايجاد استقرار في المنطقة ابان الحرب قد أعطت وعداً كاذباً وغير ملزم للكورد وانها هي مصدر النكبات لهم منذ الحرب العالمية الأولى ، وان الثورة الكردية ، يجب ان تعتمد على الجماهير الكردية وان تستخدم مختلف اساليب الكفاح ، المسلح والسياسي ، وان توجه النضال ضد الاستعمار البريطاني والحكم الملكي العميل . وعلى الحركة القومية الكردية كسب تأييد الحركة الوطنية الديمقراطية في العراق وتوثق علاقاتها معها وتكسب أيضاً الرأي العام العالمي الى جانب قضيتها العادلة .
ان الجمهرة الاساسية في حزب هيوا من المثقفين ( الطلاب والمعلمين وصغار الموظفين والكسبة وصغار الضباط وضباط الصف وصغار التجار ) كانوا قد تأثروا بالافكار التقدمية التي انتشرت آنذاك في العراق .
ففي بغداد ، احتك الطلاب الكورد في الكليات بزملائهم التقدميين العرب الذين كانوا يعطفون على قضيتهم وتأثروا بنشاطهم السياسي والفكري . فقد صدرت العديد من الصحف المعارضة للحكومة ( الشعب ، صوت الاهالي ، الاتحاد ، الرأي العام ، لواء الاستقلال...الخ ) وتأسست عدة أحزاب ديمقراطية وقومية وبدأت تمارس نشاطها العلني ( حزب الشعب وحزب الاتحاد الوطني والحزب الوطني الديمقراطي ، وحزب الاستقلال ) ونشطت الاحزاب السرية ( الحزب الشيوعي العراقي ) وشبه العلنية ( التحرر الوطني ) وتملأ بمظاهراتها الصاخبة شوارع بغداد وهي تطالب بالحقوق الديمقراطية وباستكمال استقلال البلاد . وتكونت نقابات العمال ، وهي تطالب وتضغط بدورها على الحكومة لتعميق وتوسيع الديمقراطية وانتزاع حقوقها الاقتصادية والاجتماعية بممارسة حقها في الاضراب وتحسين احوالها المعيشية . وظهرت في تلك الفترة على صعيد البلاد العربية ... ( وإلى الحلقة الأخيرة ) .
ــــــــــــــــــ
هوامش
( 47 ) كان شباب هيوا على استعداد للاسهام في الاعمال الجماهيرية في بغداد والمدن الأخرى لولا الموقف السلمي لقيادة الحزب . فقد خرج طلاب كلية الحقوق في مظاهرة عام 1945 ، إلا ان الطلاب الاكراد بقوا في الصفوف ممتنعين عن الاسهام ، وقد طلب السيد صالح الحيدري في أن أحثهم على الاشتراك فيها فاستجابوا لذلك بسهولة ، فاشتركوا بنشاط في المظاهرة مخالفين تعليمات الحزب بعدم الاشتراك .
( 48 ) ان هذا التصريح موقع من السيد رفيق حلمي كرهاً ، هو تلك الرسالة التي تحدث عنها السيدان فائق هوشيار ورشيد باجلان . فلا علاقة لها بتلك الرسالة التي عرضها المؤلف على قيادة الحزب .
( 49 ) مسعود البارزاني ـ المصدر السابق .
( 50) من مذكرة السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي ( فهد ) الى الحكومة العراقية بتاريخ 21 / 11 / 1945 .

 

 

الحلقة 18 والأخيرة

... والبلدان التي تتقاسم كردستان ، حركات وطنية ديمقراطية ( حزب نزورة في إيران والحزب الشيوعي في تركيا والاحزاب الشيوعية العمالية والأحزاب القومية التقدمية في البلدان العربية ) وعلى الصعيد العالمي ، صمدت الدولة الاشتراكية الاتحاد السوفياتي أمام أشرس هجوم رأسمالي متمثل في المانيا وايطاليا الفاشية وتمكنت هذه الدول من الحاق الهزيمة السياسية والعسكرية بهما .
في مثل هذه الظروف الداخلية والعربية والاقليمية والدولية ، حاولت القيادة اليمينية في حزب هيوا ، حبس الحزب والحركة القومية الكردية في قوقعة قومية ضيقة والابتعاد عن الحركة الوطنية والديمقراطية في العراق وفي البلاد العربية والعالم والابقاء على حسن الظن بالدول الامبريالية في نيل الحقوق القومية للشعب الكردي، الأمر الذي أدى الى تعمق الخلافات الداخلية ، الفكرية والسياسية والتنظيمات داخل الحزب ، مما أدى ، في آخر المطاف الى ظهور تكتلات ذات آيديولوجية متباينة وانشقاقات تنظيمية ، وبالتالي خروج حزب هيوا من ميدان الكفاح السياسي ، بعد ان ظهر عجزه عن قيادة الشعب الكردي في النضال من أجل نيل حقوقه القومية المشروعة خلال الثورة التي اندلعت في كردستان للفترة من 1945 ـ 1963 فلم يتمكن هذا الحزب من تطوير نفسه فكرياً وسياسياً وتنظيمياً ليكون أكثر انسجاماً مع روح العصر ، روح الثورات الديمقراطية ضد الاستعمار والحكومات الرجعية التي كانت تعم الملايين من شعوب آسيا وافريقيا وامريكيا اللاتينية ، ابان وبعد الحرب العالمية الثانية ، ترك حزب هيوا الميدان السياسي ليفسح المجال لظهور احزاب كردية ديمقراطية أكثر ادراكاً لروح العصر وأوثق ارتباطاً بالجماهير الكردية.

جوهر الخلافات الفكرية والسياسية داخل الحزب

حزب هيوا ، كأي حزب ، برجوازي كان يجمع في صفوفه ، بالاضافة الى ممثلين من الاقطاعيين والفلاحين ، فئات عديدة من المثقفين الذين نشأوا من أوساط متباينة . وقد تأثر هؤلاء بالآراء الفكرية ( الآيديولوجية ) والسياسية التي كانت تتصارع على الصعيد الداخلي في العراق وعلى الصعيد العالمي ، فانتقل هذا الصراع الى داخل الحزب أدى الى ظهور كتل متباينة فيه . وخلال سنوات الكفاح المسلح ( 1943 ـ 1945 ) تمثلت هذه الصراعات في ظهور مركزين قيادين متباينين في مسارهما الفكري والسياسي ، واخذت هاتان القيادتان تتباعدان الى ان أدى الى انقسام الحزب وتفككه في النهاية .
ففي المجال الآيديولوجي ، بينما كانت القيادة اليمينية في الحزب المتمثلة في رئيس الحزب الاستاذ رفيق حلمي وعدد من المثقفين من أبناء رؤساء العشائر الاقطاعيين وكبار الموظفين وكبار الضباط والتجار ورؤساء القبائل من كبار ملاك الاراضي ، تحمل آيديولوجية برجوازية ـ اقطاعية يمينية ، تحاول صد الآيديولوجيات الاخرى عن الحزب ، وتطرد وجبة بعد أخرى من المثقفين الذين تأثروا بالآيديولوجية الماركسية والافكار الديمقراطية ، انتشرت هذه الآيديولوجية بسرعة بين تلك الفئات التقدمية وهي تعارض بدورها الأفكار اليمينية في الحزب .
وقد ملأت الكتب والمطبوعات المعبرة عن الافكار التقدمية الاشتراكية ، المكتبات وأرصفة الشوارع يستعين الشباب فيها بتلك الأفكار المعاصرة ، فلم يعد بامكان القيادة اليمينية ابعاد الشباب الكورد عن تلك الآيديولوجية التي تعادي بالاساس الآيديولوجية البرجوازية اليمينية والآيديولوجية الاقطاعية الرجعية ، وتطالب بتصفيتها فكرياً وسياسياً واجتماعياً .
وفي المجال السياسي ، بينما كانت القيادة اليمينية تعقد آمالاً على الدول الامبريالية التي كانت مهيمنة على الحكومات الرجعية في العراق ، في حصول الاكراد على حقوقهم القومية ، كانت الفئات التقدمية في صفوف المثقفين ، ترى ان رأس الحربة يجب ان يوجه الى الدول الامبريالية التي استعمرت مساحات شاسعة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، وان أساس التحرر القومي للكورد هو في الانفصال عن النظام الاستعماري وبالقضاء على الحكم الرجعي العميل في العراق ، واقامة نظام ديمقراطي حر ، يتمكن فيه الشعب الكردي عن الافصاح الحر عن رأيه في تقرير مصيره بنفسه . ولم تكن هذه الافكار السياسية بجديدة على المثقفين الكورد في تلك الفترة ، فقد سبقهم الى ذلك مثقفون أوائل ، من أمثال الاساتذة حمزة عبدالله وابراهيم أحمد وعبدوالواحد نوري وعشرات غيرهم .
وفي المجال التنظيمي ، بينما كانت القيادة اليمينية في الحزب تعتمد بالاساس على رؤساء العشائر وكبار ملاك الاراضي من الاقطاعيين في احتواء الجمهرة الاساسية في الريف ، لتكون القوة المسلحة للثورة ، كان المثقفون يرون ضرورة الاعتماد على جمهرة الفلاحين مباشرة وتوثق الصلة بها لتكون الجيش الاساس للثورة القومية التي ستكون حتماً ديمقراطية في الجوهر ، ولا تكون ديمقراطية إلا إذا مست مصالح الفلاحين في التحرر من النظام الاقطاعي . وكان هؤلاء يرون في ضرورة الاعتماد على الجنود وضباط الصف وصغار الضباط لأسناد الثورة والالتحاق بصفوفها في الظرف المناسب .
وقد ضغط المثقفون على قيادة الحزب للاسهام الفعال في الثورة الكردية التي اندلعت بقيادة الضباط التقدميين في لجنة الحرية ، وحاولوا توسيع رقعتها وتعميق محتواها . ولكن رؤساء العشائر الذين كانوا قد قطعوا العهد للحزب على مساندة الثورة ، سرعان ما أداروا ظهرهم لها بإحياء وضغوط من الحكومة والضباط البريطانيين، بل وتحولوا ضدها وحملوا السلاح بوجهها عندما علموا انها تتوجه ضد الاستعمار البريطاني والحكم الرجعي العميل . وبقي كبار الضباط في مناصبهم بتجديد الولاء للحكومة والتنديد بالثورة ، ولم تمس الحكومة المركز الوظيفي لرئيس الحزب ، في حين انها زجت بعشرات من الضباط الصغار والمثقفين في السجون والمعتقلات ، ونصبت فيما بعد المشانق لهم .
وقد عقد المؤتمر الذي عقده الحزب في قرية ( كلار ) بهدف توسيع رقعة الثورة وفتح جبهة ثانية في لوائي كركوك وديالى ، الخلافات داخل الحزب . فقد علق رؤساء العشائر في هذا المؤتمر الابقاء بعهدهم تجاه الشعب والحزب على موافقة الانكليز للاسهام في الثورة . ان هذا الموقف من الثورة القومية الكردية قد عرى تماماً القيادة اليمينية للحزب ، وكشف عجزه التام عن قيادة أي ثورة قومية كردية ، وفضحت مساوماتها الرخيصة لاصطياد المناصب الحكومية ودفع ثمنها من دماء الشعب الكردي . فاذا كان المثقفون من طلاب الكليات يمارسون حقهم في النقد باسلوب ديمقراطي ، فان المثقفين من الضباط اضطروا الى اللجوء الى القوة لوضع حد لمهزلة ترك الثورة لتلقي مصيرها والوقوف متفرجاً على حرق وتدمير القرى الكردية وقتل المئات من النساء والاطفال . فاجبروا رئيس الحزب الاستاذ رفيق حلمي على التخلي عن الحزب لفشله في قيادة الحزب والشعب فقدم استقالة تحريرية وتخلى عن الحزب .

محاولات لاعادة الوحدة الى صفوف حزب هيوا

ان احداث الثورة التي اندلعت في كردستان للفترة من 1943 ـ 1945 قد تركت آثارها السلبية والايجابية على الحركة التحررية الكردية فيما بعد . فعندما نكشف عجز القيادة اليمينية في توسيع واسناد الثورة بشكل فعال ، اجبر رئيس الحزب على التخلص عن قيادته ، ولم يحاول العودة الى ميدان الكفاح السياسي القومي في الحزب ثانية .
اما حزب هيوا نفسه ، فقد دبّ الانقسام في صفوفه بسبب تلك الخلافات الآيديولوجية والسياسية والتنظيمية التي شرحناها سابقاً . فقد احتفظت الكتلة اليمينية ، وهي شبه مجمّدة ، بأسم الحزب لبعض الوقت دون ان تقوم بأي نشاط سياسي يذكر ، ولكن سرعان ما اضمحل دورها وهجرت الميدان السياسي كتنظيم قومي ، انضم بعضهم الى الاحزاب الكردية التي ظهرت فيما بعد وترك الآخرون العمل الحزبي . وانضم اليساريون الذين سبق ان فصلوا منه والذين كانوا لازالوا فيه الى الاحزاب والمنظمات الماركسية التي كانت لها عدة كتل ، ثم استقرت في انظمامها الى الحزب الشيوعي العراقي . وبقيت اعداد كبيرة من الاعضاء محتفظين بعلاقاتهم الحزبية تحت أسم " هيواي آزاد ـ هيوا الحر " ولكنهم لا يألون على شيئ .
جرت أول محاولة لاعادة الوحدة الى ما تبقى من التنظيمات ، وذلك بمبادرة من اليساريين لعقد اجتماع حضره عدد كبير من مختلف الاتجاهات في دار السيدين رشيد عبدالقادر وجليل هوشيار في محلة الصليخ ببغداد ، إلا ان الخلافات الفكرية والسياسية كانت من العمق بدرجة يستحيل فيها التوفيق بين تلك الكتل ، فانتهى الاجتماع دون الوصول الى نتيجة .
أما المحاولة الثانية ، فقد قام بها عدد من الماركسيين الذين كانوا يعملون في بعض المنظمات الماركسية ( شورش ويكيتي تيكوشين ـ الثورة ووحدة النضال ) . وكان أنشطهم السيد صالح الحيدري ( 51 ) فتم تأسيس حزب ( رزكاري ـ الخلاص ) .
كانت فكرة العناصر الماركسية هي ، ان الحركة الكردية بحاجة الى حزب قومي ديمقراطي واسع يضم في صفوفه الفئات الديمقراطية التقدمية من الكورد ، يدخل فيه الشيوعيون كمنظمة تحتفظ بتنظيماتها ( فراكسيون ) ويوجهون الحزب فكرياً وسياسياً من خلال هذا الائتلاف التنظيمي . وكانت هذه الفكرة شبيهة بفكرة تأسيس حزب التحرر الوطني الذي تأسس بجهود العناصر القيادية في الحزب الشيوعي العراقي ( حسين محمد الشبيبي وسالم عبيد النعمان وغيرهما ) ليكون حزباً جماهيرياً يستوعب فئات واسعة من الديمقراطيين والتقدميين من المثقفين والعمال والفلاحين والكسبة .. الخ .
ان انحلال حزب ( رزكاري ) خلال فترة قصيرة لم يكن بسبب التناقضات الفكرية والسياسية في هذه المجموعة غير المتجانسة من شتات حزب هيوا فحسب ، بل وان العناصر القيادية لهذا الحزب من أعضاء منظمتي ( شورش ويكيتي تيكوشين ) انفسهم لم يكونوا مستقرين فكرياً وسياسياً . ففي الوقت الذي تم تأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 وأسس له فرعاً في كردستان ، كان ( شورش ) يعتبر نفسه الفرع الكردي لحزب شيوعي عراقي لم يتأسس بعد ، لأنه يرفض الاعتراف بالحزب الشيوعي القائم وبفروعه في كردستان ، بينما كان ( يكيتي تيكوشين ) فرعاً للمنظمة الشيوعية المنشقة ( وحدة النضال ) التي لا تعترف بدورها بالحزب الشيوعي . ان هاتين المنظمتين الشيوعيتين بقيتا معلقيتين في الهواء ، لا أرضية فكرية أو سياسية لبقائهما . وسرعان ما دخلتا في حوار مع الحزب الشيوعي العراقي انظم العناصر التي تحمل الآيديولوجية الماركسية ـ اللينينية الى الحزب الشيوعي ( فرع كردستان ) وبينهم السيد صالح الحيدري نفسه .
وقد ورد الاساس الفكري لتأسيس حزب رزكاري كورد في البيان الذي أصدرته منظمة ( شورش ) تحت شعار (( اتحدوا لتأسيس حزب رزكاري كورد ـ ناضلوا لسحق خطط الاستعمار والرجعية )) . جاء فيه :
" الأمة الكردية مقسمة حسب خطط واطماع الاستعمار ، عليها ان تناضل في سبيل تقرير المصير وتحرير كردستان ، وذلك بازالة وقطع دابر الاستعمار الانكليزي وخدامه مستخدمة قوة منظمة مدبرة في جميع المناطق الكردية متحدة تام الاتحاد فيما بينها . وفي هذه الايام يكوّن حزب للجميع بأسم ( رزكاري كورد ) من كثير من الجمعيات الكردية العراقية الصغيرة نتيجة لمساعي الحزب الشيوعي لكردستان العراقية والوطنيين الآخرين . ومع محافظة الحزب الشيوعي على كيانه ، فانه يتعاون كلياً للوصول الى الغيايات الحاضرة " .
وجاء فيه :
" نحن الحزب الشيوعي ننادي جماهير الشعب الكردي العزيز في العراق للعمل على تقدم حزب رزكاري كورد ومعاونته ونخاطب بأعلى صوتنا جميع الوطنيين في كافة انحاء العالم بأن لا يألوا جهداً لتقوية حزب رزكاري كورد . "
وعلى الرغم من الهدف لتأسيس هذا الحزب كان تأسيس حزب قومي ديمقراطي تقدمي في كردستان ، إلا ان التذبذب الآيديولوجي لمؤسسي هذا الحزب من أعضاء ( شورش ويكيتي تيكوشين ) كان أحد الأسباب الرئيسية لعدم بقاءه ، ولكن كان اللبنة الأولى لميلاد أحزاب كردستانية تقدمية بصورة أكثر طبيعية من حزب رزكاري كورد . ان الضرورات التأريخية هي التي تولد الاحزاب السياسية وهي التي تؤدي الى انحلال الاحزاب القديمة التي لم تبق ضرورة لبقائها .
وكانت منظمة ( هيواي ئازاد ـ الأمل الحر ) آخر منظمة باقية من حزب هيوا وهي تصدر نشرة دورية بأسم ( شيلان ) (52) وكان أبرز أعضائها الشيخ حسين خانقاه والشيخ عبدالقادر سيا منسور الطالباني وعطا جمال الطالباني وعبدالكريم أسعد الطالباني . وفي اجتماع عام ( كونفرانس ) لهذه المنظمة عام 1946 عقد في دار بمحلة بكلر ـ قورية بكركوك ، تقرر حل المنظمة . فأنظم بعضهم الى الحزب الشيوعي وانظم الآخرون الى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أسسه الاعضاء القياديون في لجنة الحرية ، وذلك في مدينة مهاباد بكردستان إيران ، وترك الآخرون العمل الحزبي . وهكذا هو هيوا في ميدان النضال القومي لتظهر أحزاب كردستانية أكثر استجابة لروح العصر وأوثق صلة بمصالح الجماهير الكردية المطالبة بالديمقراطية وحق تقرير المصير .

عبر وتجارب

ظهر في سياق أزمة النظام الاستعماري التي بدأت في الثلاثينيات ووصلت الى أوجها في الحرب العالمية الثانية ، تنوع كبير جداً في وسائل وطرائق وأشكال الحركات القومية التحررية في مختلف بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، لأن القوى القومية ناضلت في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية في غاية التنوع ، يالاضافة الى الخصائص القومية والتاريخية والتقاليد المميزة لكل شعب ولكل بلد .
ان خبرة حركة التحرر الوطني في كل بلد هي قسط معين في نضال شعوب العالم ضد الامبريالية ، فاختار هذه الخبر ودراستها دراسة عميقة ، والاقتباس منها دون استنساخها بصورة آلية والامتناع كلياً عن فرض خبرة النشاط الثوري لبلد على البلدان الآخرى ، ولحزب ما على الاحزاب الأخرى ، ان هذه الأمور قد غدت قاعدة في العلاقات بين القوى الثورية في مختلف البلدان .
لقد أثبتت الحياة ، بما لا يقبل الشك ، ان الانتصارات العظيمة لحركات التحرر الوطني في مختلف البلدان ولمختلف فصائلها ، وعبر مسيرتها النضالية الطويلة الشاقة ، كانت مقترنة ، على الدوام ، بوعيها لدورها المشترك والتعاون بين مختلف فصائلها . كما ان أبرز أسباب نكساتها وهزائمها هو نزوع فصائلها الى الصراع فيما بينها . ومن العبث ان يفتش المرء في ثنايا التاريخ لعموم الحركات الثورية، عن وقائع كان فيها انقسام القوى الثورية لنجاح مساعيها . وتحاول الامبريالية ان تبق حسن الظن بها وترسخ لدى بعض فصائل الحركة القومية الاعتقاد بعدم الجدوى في مقاومتها ، وبالتالي الرضوخ لمشيئتها والاتكال عليها ، الأمر الذي أدى بتلك الفصائل الى التخلف عن الركب العالمي لنهوض القوميات في نضالها ضد الامبريالية ومن أجل تحررها السياسي والاجتماعي ، بينما واصل الآخرون النضال ضدها ومن خلال انتصاراتها ونكساتها تمكنوا من تحقيق العديد من المكاسب لشعبهم .
ان هذه الحركات الثورية حلقات مترابطة تمارس تأثيرها المتبادل فيما بينها ، سلباً أو ايجاباً ، فمن العبث المحاولة في عزل الحركة القومية للشعوب الأخرى .
ان القوى السياسية التي بقت على حسن ظنها بالامبرياليين ووعودهم الكاذبة ، تخلفت عن الركب العالمي الذي ساهم في دفع النظام الاستعماري الى مزبلة التاريخ ، فلم تتمكن من تحقيق أي هدف من أهداف شعبها فسرعان ما هجرت ميدان الكفاح الوطني نادبة حظها العاثر لتترك المجال للقوى الأكثر استجابة لمطامح شعبها وأكثر انسجاماً مع روح العصر ، عصر انهيار النظام الاستعماري وتحرر شعوب المستعمرات والبلدان التابعة ، لتأخذ مكانها في ميدان الكفاح الوطني التحرري .
كان حزب هيوا ، بمنطلقاته السياسية ، حزباً قومياً يمينياً . لم يدرك الجوهر الديمقراطي للحركات القومية المعاصرة المعادية للاستعمار والرجعية ، فلم يتمكن من الاستفادة من الوضع العالمي أبان وبعد الحرب العالمية الثانية ، ليتحالف مع حركات التحرر الوطني داخل العراق وخارجه ضد العدو المشترك ، الاستعمار والرجعية ، فبقى يحسن الظن بالأول ويتحالف مع الثانية ، فلم يتمكن من الاسهام الفعال لا في انتفاضة 1943 واستثمار نتائجها ولا في الثورة التي اندلعت ضد الحكم الملكي الرجعي والاستعمار البريطاني عام 1945، فكان ذلك محكاً له في قدرته على قيادة الثورة الوطنية الكردية ، الأمر الذي أدى الى تفككه وانحلاله ومن ثم هجره ميدان الكفاح القومي .
أما الفئات التقدمية التي ظهرت داخل الحزب وعلى هامشه ، المتمثلة بالفئات التقدمية من المثقفين الذين تأثروا بالايديولوجيات المعاصرة ، الذين كانوا على صلة بالحركة الوطنية في سائر ارجاء العراق ، وكذلك ( لجنة الحرية ) التي تشكلت من عدد من الضباط التقدميين برئاسة الملا مصطفى البارزاني عام 1945 ، فقد قادت الثورة في الاجزاء الشمالية من كردستان العراق عام 1945 ضد الاستعمار البريطاني والحكم الملكي العميل ، وبالتعاون مع المنظمات الثورية لحزب هيوا . وعلى الرغم من اخفاق الثورة للاسباب التي بيَنتها في هذا الكتاب ، انها واصلت النضال ضد الامبريالية والقوى الرجعية المتمثلة في الحكم الشاهنشاهي في إيران ، فقد ساهمت في تأسيس جمهورية كردستان الشعبية في مهابات ، والتي اغتالتها الرجعية الايرانية بالتعاون مع الامبريالية الامريكان والانكليز .
لقد ادركت هذه الفئات التقدمية في الحركة القومية الكردية ، الجوهر المعادي للامبريالية والرجعية للحركات القومية المعاصرة ، فبدلاً من مغازلة الاستعماريين أو التعاون معهم ، وجهت سهامها ضدهم ، فوضعت الحركة القومية الكردية على طريق الكفاح الصحيح لتواصل هذا الكفاح حتى النهاية .
ان تجربة حزب هيوا والاسباب التي أدت الى عدم استثمار نتائج الانتفاضة 1943 واخفاق ثورة 1945 في كردستان تثبت بما لا يقبل الشك ، ان أي حسن ظن بالامبريالية والاعتماد عليها سوف لا تكون نتائجه أحسن من النتائج التي وصل اليها حزب هيوا . ان طريق الاعتماد على الامبريالية طريق مسدود ، بينما طريق الكفاح ضدها طريق مطروق رغم عظم التضحيات التي يتطلب ذلك . فعلى القوى القومية الكردية ان تتجنب السير في الطريق الذي سار حزب هيوا ، والذي أدى الى الاضرار بمصالح الشعب وتفككه وانحلاله . :
" من جرّب المجرّب حلت به الندامة " .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
( 51 ) صالح الحيدري ينسب الى العائلة الحيدرية في أربيل . تخرج من كلية الحقوق ببغداد وعمل في العديد من المنظمات الماركسية ، ثم انظم الى الحزب الشيوعي العراقي ، وقد لعب دوراً كبيراً في توحيد شتات حزب هيوا تحت قيادة تقدمية بأسم ( حزب رزكاري ) ولكنه لم يدم طويلاً بسبب نفس الخلافات التي كانت موجودة في حزب هيوا . وكان مؤلف هذا الكتاب مدعواً لحضور المؤتمر التأسيسي لهذا الحزب ولكن وجوده في السجن أبان الثورة الكردية حال دون مشاركته .
( 52 ) شيلان ـ أسم لاطلال مدينة أثرية قديمة تقع بالقرب من قرية زرداو التابعة لقضاء كفري بلواء كركوك ( محافظة ديالى حالياً ) .

 

الصفحة الرئيسة