
بمناسبة مرور تسعة عقود على انتهاء الحرب العالمية الاولى
لماذا اخفقت محاولات الشيخ محمود الحفيد في إنشاء دولة كوردستان
عقب الحرب الكونية الأولى؟
أوات أسعدي
من المعروف أن زوال الإمبراطورية العثمانية وازدياد النفوذ البريطاني في منطقة الشرق الأدنى يعتبران من أهم العواقب المباشرة للحرب الكونية الأولى التى وضعت أوزارها قبل 90 عاماً، بعد ان اضطرت ألمانيا على الجبهة الغربية التوقيع على وقف اطلاق النار يوم 1918.11.11 ومن المعروف ايضاً أن من أهم نتائج هذه التطورات على المدى البعيد كانت نشوء عدد من الدول على أنقاض الامبراطورية المذكورة والتى اصبحت جميعها فيمابعد (بإستثناء اسرائيل) اعضاءً في جامعة الدول العربية عقب تشكيل الجامعة بعقود قليلة لتحمل اسم “الدول العربية”.
والسؤال الذي نحن هنا بصدده ونحاول القاء الضوء عليه هو: وماذا عن الدولة الكردية؟ أو بالأحرى لماذا لم ينل شعب كردستان حصته من كعكة الاستقلال حين اخفقت عناصره النشيطة في تشكيل كيان سياسي خاص بهم والحفاظ عليه عندما قررت دول الحلفاء قبيل إنتهاء الحرب العالمية الأولى تقطيع أوصال الجزء الأكبر من الامبراطورية المهزومة؟ هنا نسعى الى الإجابة على هذا السؤال المطروح عبر دراسة الظروف العامة التى رافقت الأحداث والمؤثرات التي تحكمت في سيرها على جميع المستويات. إن أهمية هذا التساؤل تكمن في حقيقة تأريخية خافية على كثيرين فيما اعتقد الا وهي أن محاولة إنشاء دولة كردية في كردستان الجنوب (كردستان العراق اليوم) قد سبقت قيام الدولة العراقية بسنتين كاملتين على الأقل. وهذا ما يعطي أكراد العراق طابعاً نادر المثال.
كان قيام دولة كردستان غداة الحرب العالمية الأولى مرهوناً بعوامل كثيرة مترابطة الحلقات والتداعيات، لكل منها امتداداته وتشابكاته وإن كان عامل التأريخ من أهم هذه الحلقات. ليس المقصود هنا إعادة المقولة الخاطئة موضوعياً والصحيحة إسمياً بأن التأريخ لم يعرف يوماً دولة باسم كردستان، وتبعاً لذلك، لايصح أو لا يمكن أن تنشأ دولة كردستانية في العصر الحديث. فمن خلال نظرة تاريخية سريعة للقرون الماضية نجد عدداً كبيراً من كيانات سياسية (دول وإمارات) اتسمت باشكال مختلفة من الاستقلال الذاتي فى المناطق الكردية الحالية حكمتها سلالات كردية ـ إسلامية. فإمارات الشداديين والحسنويين والمروانيين بعد النصف الثاني من القرن العاشر للميلاد اضافة الى الإمارات الكردية في القرنين الثامن والتاسع عشر الماضيين، والتي فاق تعدادها الإمارات الخليجية الحالية بضعفين على أقل تقدير، خير دليل على صحة رأينا.
بيد أن هذه الحقيقة لم تشكل فيما بعد عاملاً إيجابياً لصالح الكرد. فكلما زاد عدد مراكز القوة في مساحة جغرافية معينة وتعارضت المصالح والامكانات المتاحة، صعبت التسوية الشاملة للخلافات وبالتالي صعبت إقامة مؤسسة موحدة تحقق للمعنيين مصالح متساوية. ففي ظل هذه الحقيقة، فضلاً عن وجود مراكز قوية ومتماسكة أخرى (الأمبراطورية العثمانية والصفوية) فشلت الإمارات الكردية لأسباب سياسية وجغرافية وداخلية عديدة في تشكيل دولة قوية موحدة، الأمر الذي لعب دوراً اساسياً في تقرير مستقبل الكرد في القرن العشرين. فبعد القضاء على هذه الإمارات من قبل العثمانيين واحدة تلو الأخرى لم يطرأ طيلة الفترة الزمنية الواقعة بين نهاية هذه الإمارات (أواسط القرن التاسع عشر) والحرب العالمية الأولى أي تحول اقتصادي واجتماعي ملموس في مناطق كردستان الوعرة، وهذا ما جعل مهمة العناصر الكردية النشطة عسيرة إن لم نقل مستحيلة في أواخر العقد الثاني من القرن الماضي، أي عندما كانت المنطقة بأكملها مقبلة على تحولات سياسية جذرية.
وعلى أثر غياب أهم العوامل الحديثة لتوحيد المجتمع وتقدمه، أي عامل وجود الدولة والكيان السياسي المستقل بالإضافة الى الازدهار الاقتصادي، ظلّت تركيبة المجتمع الكردي هشةً ومفككة مثل أكثرية المجتمعات الشرق أوسطية. بمعنى أن العامل الاجتماعي الذى تركه العامل التاريخي قد لعب دوراً بارزاً في الفشل الكردي في نهاية المطاف. والأرجح ان انتفاضات الشيخ محمود الحفيد، وهو من أكثر الشخصيات شعبيةً في تلك الحقبة والذي كان إنشاء دولة كردستانية من أعز أمانيه، ماكانت تخفق، لولا التفتت الكبير في نسيج المجتمع الكردي الناجم عن فشل القادة الكرد في القرنين الماضيين من جهة والحكم العثماني من جهة ثانية.
لا شك في أن تحركات الشيخ محمود الحفيد والوجود البريطاني منحا القضية الكردية بعداً جديداً وفتحا أمام مجتمع كردستان أفاقاً جديدة أيضاً. فبادر الشيخ وبعث مبكراً برسالة الى البريطانيين وطالبهم فيها بـ “ألا يستثنون كردستان من قائمة الشعوب المتحررة” حسب تعبير المسز بيل الذي لعب دوراً أساسياً في موضوع تتويج الملك فيصل الأول في العراق. وقد نجح التقارب بين الجانبين الكردي والبريطاني قبيل انتهاء الحرب وانتعشت أجزاء كثيرة من كردستان في الأشهر الأولى من هذه العلاقات وخاصةً بعد إعلان الهدنة. وكان هذا التطور التأريخي تمهيداً لبداية جديدة. غير أن هذا الانتعاش كان قصير الأجل مما أدىَ الى عدم استتباب الأمن في أرجاء البلاد كما أن مناطق كردستان بقيت منعزلة عن بعضها مثلما في السابق. زد على ذلك أنه لم يحدث تغيير سريع ومناسب في البناء التحتي للمجتمع الكردي. والمشكلة التى فاقمت هذا التخلف كانت تكمن في افتقار القيادات الكردية التقليدية الى رؤية واضحة وبناء هدف موحد يضمن لهم الاستقلال الذاتي على المدى البعيد. لم يعط أكثرية هؤلاء القادة الأولوية الى القضايا المصيرية والى ماهو أكبر وأهم من المكاسب الفردية والعشائرية. لذا مالبث أن بدت نذر السوء في الأفق. فعندما بدأ الأنجليز بحياكة المؤمرات ضد الشيخ محمود محاولين بذلك الحدَ من نفوذه ومنع قيام دولة كردستان، بغية بسط سياساتهم الإنتهازية في المنطقة، لم يتمكن القائد الكردي ضمن ظروفه الشاقة والمعقدة من جمع شمل كل العشائر الكردية المسلحة تحت لوائه، لأن البريطانيين بذلوا جهوداً بالغة للحيلولة دون ذلك، الأمر الذي جعل من حركة شيخ محمود الحفيد تتحول الى إنتفاضة محلية الطابع الى حد ما، الامر الذي سهَل بالتالي القضاء عليها. لعل نتائج المجابهة العسكرية التى حدثت في منتصف 1919 بين قواته و القوات البريطانية وما ترتب على ذلك من عواقب وخيمة جديدة على الحركة الكردية التحررية، تثبت مدى ضعف الحركة المشار اليها. فعندما انتفض الشيخ محمود ضد البريطانيين وانزل علم بريطانيا العظمى يوم 19 من أيار (مايو) 1919 في السليمانية معلناً بذلك عن قيام أول كيان سياسي حديث في الجزء الآسيوي من الأمبراطورية العثمانية المنهارة، لم تتجاوز عدد قواته المئات القليلة مما أدَى الى إختلال ميزان القوى دفعة واحدة وبشكل واضح لصالح الإنجليز. وبين ليلة وضحاها خيم ظل الخيبة والأخفاق على الكرد.
ومن الوهم الاعتقاد بأن عامل التاريخ والحالة الاجتماعية في كردستان كانتا السبب الأول والأخير في إخفاق الشيخ محمود الحفيد في إنشاء دولته المنشودة. يضاف الى ما سبق عنصر آخر لم يكن أقل شأناً، وهو العامل الجيوـ سياسي.
بطبيعة الحال لانستطيع لضيق المجال هنا الدخول في التفاصيل، بيد أن محاولة سريعة لاستقراء الأوضاع السياسية لتلك الفترة تساعدنا على التعرف على دور هذا العامل.
فإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن انعدام تكافؤ القوى من الممكن تخطيه عن طريق تحالفات تكتيكية، نجد في حالتنا هذه انها كانت من الأمور المستعصية. فإذا بقيت كردستان حتى العام 1914 ساحة للصراع الدائر بين السلطات العثمانية والصفوية فإن الحرب العالمية الأولى لم تأت بطرف ثالث تتفق مصالحه مع قيام دولة كردية. وقد بقيت كردستان مطموعاً فيها من كل حدب وصوب كما في الماضي.
فمن الشرق حمل الإيرانييون مطامعهم الى مؤتمر باريس في أكتوبر 1919 يصفها كاتب إنجليزي بأنها جاءت احياءً لذكرياتهم عن المجد الفارسي. ففي حديث مع نظيره البريطاني وجد وزير الدولة الإيراني للشؤون الخارجية نصرت الدولة أنه من الخطأ التحدث عن كردستان عثمانية وكردستان فارسية. “في الحقيقة”، هذا ما أثبته الوزيرالفارسي، “ثمة كردستان واحدة والحدود بين كردستان العثمانية وكردستان الفارسية وهمية”. وأضاف أن حكومة بلاده لاترى بديلاً لكردستان واحدة ومستعدة للعمل وفقاً لذلك شريطة ان تحصل إيران على السيطرة على هذه المنطقة. لم يأخذ البريطانيون هذه المطالب على محمل الجد، لأنها رفعت في وقت لم تكن فيه السلطات الأيرانية بسيدة الموقف حتى في كردستان الفارسية. ومن جانب اخر فان تعاون عدد غير قليل من الكرد الأيرانيين مع حركة الشيخ محمود الحفيد في كردستان الجنوب أثار مخاوف الفرس بانتزاع جزء مهم من أراضيهم مما دفعهم الى رفع مطالبهم المبالغ فيها والمشار اليها آنفاً.
ومن الشمال كان هناك الأتراك العثمانيون. وقد كانت مخاوف هؤلاء من نشر وتحقيق فكرة دولة كردية مستقلة في كردستان الجنوب ووصول ذلك الى كردستان الشمال من أهم أسباب أهتمامهم بالقضية الكردية. فقد بذلوا كل جهودهم للحيلولة دون حدوث ذلك أو تقسيم كردستان العثمانية. وتجدر الاشارة هنا الى أن سياسة صهر القومية الكردية في بوتقة القومية التركية قد صممت قبل إعلان الجمهورية في سنة 1923، هذا ما استنتجه توينبي من محادثاته مع المسؤولين الأتراك الكبار خلال زيارته لأنقرة. لذا لم تخرج أهداف التواجد العسكري التركي المحدود في كردستان الجنوب مابين سنوات 1919ـ1923 من إطار هذه المخططات. إذاً كانت رغبة الجانبين التركى و الأيراني كبيرة في:
1) درء خطر قيام دولة كردية محتملة والتى كان قيامها بلا شك سيعزز التوجهات “الانفصالية” لكردهم.
2) انتزاع كردستان الجنوب بطريقة ما والحاقها بدولهما.
ولايخفى على أحد أن دور الطرف الثالث، أي الأنجليز، في القضية الكردية على المستوى الاقليمي والدولي كان حاسماً في تقرير مصير كردستان الجنوب.
اقتضت حماية مصالح الإنجليز في الخليج في تلك السنوات تثبيت أقدام بريطانيا العظمى في العراق المكونة اساساً من ولايتين هما البصرة وبغداد فقط - اثبتت اللجنة التابعة لعصبة الامم والتى كانت مكلفة فيما بعد بدراسة ولاية الموصل عام 1925 في تقريرها (ص25ـ27) بان العراق “لا يمتد شمالاً ابعد من هيت ـ تكريت أو منطقة جبل حمرين.” - عن طريق تشكيل كيان سياسي “ذيلي” لهم فيها (اي في العراق)، له حدود منيعة استراتيجياً، وقادر على الحياة اقتصادياً وسكانه متوازنون طائفياً. لم تكن هذه الشروط متوفرة في العراق العربى. وقد وجد البريطانيون في إلحاق ولاية الموصل العثمانية (المكونة من كردستان الجنوب و جزء من الجزيرة والتي كانت ذات مصير معلق بعد الحرب) بتلك الدولة السبيل الوحيد للوصول الى أهدافهم المنشودة. فسلاسل الجبال الحصينة والحقول الزراعية الوافرة في كردستان الجنوب و تشكيلة سكان الولاية ذات الاكثرية السنَية كانت بدائل لايمكن الاستغناء عنها. لذا تفنن البريطانيون في إيجاد أكثر الاساليب إلتواءا لمنع قيام كيان كردي مستقل. فحتى بيانهم التاريخي الذي أعلنوه مع العراق لمنافسة الأتراك على كردستان الجنوب، عندما أطلقوا في 1922 وعوداً لاغراء الكرد على الساحة الدولية طالبين منهم التفاهم فيما بينهم لتشكيل إدارة كردية موحدة وإرسال وفد الى بغداد لترتيب العلاقات مع السلطات هناك، قد صيغ بعبارات ملتبسة تمكن البريطانيون والعراقيون من ابقاء مطالبهم في الحاق كردستان الجنوب بالعراق حية. اذ وصف البيان الأقاليم الكردية لكرستان الجنوب بالمناطق التى “تقع ضمن حدود الدولة العراقية” .
نستخلص من ذلك كله ان مشروع دولة كردستان الذي لم يغب عن بساط البحث في الدبلوماسية البريطانية خلال السنوات 1918ـ1921 قد ضحي به في سبيل إحياء العراق الحديث.
وفي اعتقادنا ثمة واقع موضوعي مهم لدور الأنجليز في القضية الكردية لايصح نكرانه لأي سبب كان. صحيح انهم لم يعيروا مصير شعب كردستان انتباها مناسباً وخلقوا بذلك واحدة من أخطر قضايا المنطقة تعقيدا كان من الممكن تفاديها، الا انهم منعوا الأتراك الذين حاربوا الكرد والهوية الكردية بشتى الوسائل من ضم كردستان الجنوب الى دولتهم من جهة، ومن جهة أخرى استغلوا الورقة الكردية لضمان ولاء العراقيين لهم وبالتالي لم يتمكن المسؤولون العرب العراقيون من ممارسة سياساتهم التعسفية ضد الشعب الكردي. وهذا الكلام له ما يبرره خصوصاً اذا ما تذكرنا مطالب فيصل الأول في مؤتمر باريس في شباط (فبراير) 1919 عندما طالب المؤتمر باستقلال جميع مناطق الآسيوية الناطقة باللغة العربية من خط الاسكندرونة ـ دياربكر وجنوبا ً، نافياً بذلك وجود الكرد في كردستان الشمال والجنوب. وبعبارة أوضح: ان الحكم العراقي كان يتصرف بطريقة تركية إن لم يكن هناك ضغط انجليزي.
بطبيعة الحال اضطر الملك فيصل الأول من تغيير لهجته فيما بعد، خاصة بعد ان تمكن البريطانيون من كسب ولاية الموصل لصالحهم ولصالح العراق. ففي مناسبة إبرام المعاهدة الانجليزية ـ العراقية في أواخر 1926 أشار وكيل المعتمد البريطاني الى القضية الكردية قائلاً: “ان الكردي ليس عربيا بأكثر من ان الاستكلندى انجليزياً، وانكم تجعلون منه وطنيا عراقيا حقا لا بارغامه على اقتباس اللسان العربي، او العادات العربية، او بوجه الاختصار لا بمحاولة جعله عربيا حقا. بل باعطائه كل فرصة وتشجيع لكى يصبح كرديا حقا.” فرد الملك إيجابا على ذلك في خطابه قائلاً: “أنني أعتقد ان من أعظم واجبات العربي تشجيع أخيه الكردي العراقي للتمسك بقوميته، والانضمام تحت الراية العراقية التى هي رمز الجميع، ومصدر سعادتهم المادية والمعنوية.”
والآن ما دمنا بصدد العراق العربي فإننا ننهي ملاحظاتنا عن العامل الجيوـ سياسي فيه.
لعل ما يثير الدهشة كان طموحات النخبة العربية المتعاونة مع الانجليز. فرغم حداثتها حملت هذه الجماعة في العراق اطماعاً أكبر بكثير من قدرتها على تحقيق ذلك. حيث طالبت بإلحاق ولاية الموصل بأكملها الى دولتهم الحديثة مستندين في ذلك الى خارطة الإدارة العثمانية التى طرأت عليها خلال القرون الماضية تغييرات عدة.
لم يتلكأ هؤلاء الساسة في تحقيق الاستفادة القصوى من الخلافات بين الجانبين الكردي ـ البريطاني و البريطاني ـ التركي. وكان من البديهي أن الخلافات الاستراتيجية بينهم وبين حركة الشيخ محمود الحفيد حالت دون أي تقارب مهما كان بيسطاً. وهذا ما تركز عليه بعض الدراسات المختلفة خطأ. فلم يكن ممكناً ان يحدث أي نوع من التقارب بين كرد كردستان الجنوب النشطين وعرب العراق “لضرب المصالح البريطانية”. لأن النخبة العربية في العراق وضعت بلاد الكرد هدفاً لتوسعاتها الأقليمية. فعلى أي اساس كان من الممكن ان يستند أي تعاون محتمل بين الجانبين؟ تمسك الشيخ محمود الحفيد لفترة طويلة بضرورة اقامة علاقات حسن الجوار مع العراق وناشد ذات مرة فيصل الأول بعد تتويجه ملكاً التوسط بينه وبين البريطانيين غير انه لم يتلق رداً إيجابياً، مما حال دون ارساء أي قواعد للتعاون بين العرب والكرد .
ولم تكن أمام العراقيين من سُبيل غيرالركون الى توظيف علاقاتهم مع البريطانيين. وكان نجاح هذه الآمال مرهوناً بالموافقة على الشروط البريطانية دون أي اعتراض. كان من ضمن هذه الشروط والتى طالبت بها لجنة الحدود العراقية ـ التركية التابعة لعصبة الأمم الموافقة على تلبية جزء بسيط من الحقوق القومية للكرد باستعمال لغتهم وما سمي بالإدارة الذاتية. وتم ذلك عندما تعهد العراق أمام العصبة الاعتراف رسمياً باللغة الكردية وأعلن في مذكرته عن تعيين موظفين من الكرد في المناطق الكردية حد الامكان. وبالمقابل حصلوا على ولاية الموصل بالكامل.
والدور البريطانى في هذه المعادلات لم يكن عابراً طارئاً ذا تأثير قصير، بل كان طويلاً واستمرعقوداً. وقد نجح البريطانيون في إرساء حكم الطبقة الحاكمة في العراق، ولكن بثمن صعود العسكر الذين انقلبوا عليهم فيما بعد في تموز (يوليو) 1958.
على ضوء ما تقدم يمكن القول إن الظروف الموضوعية والذاتية لم تكن مؤاتية لإنجاح المساعي الكردية. فالشيخ محمود الحفيد كان يتفاوض ويتحرك من دون قوة تدعم موقفه السياسي. وهو الذي مارس وسائل عديدة وحاول حتى اللعب على الحبلين وكان لايملك سوى هامش ضئيل للمناورة اقتصر عام 1919 على إجراء عمل عسكرى أو الوصول فيما بعد (خاصة في العشرينيات من القرن الماضي) الى اتفاق لايتعارض مع مصالح البريطانيين، الذين اعترضوا سبيل خطته لتشكيل دولة كردستان بشتى الوسائل. فالغموض الذي اكتنف أول تفاهم مع البريطانيين أدىَ الى تفاقم الخلافات بحيث كان كل طرف يرصد بتوجس وريبة خطوات الطرف الثاني إلى ان وصلت الحالة الى الهزيمة العسكرية للشيخ بعد جولات عديدة من الاشتباكات المسلحة ليبقى مشروع دولة كردستان مشروعاً مجهولاً دفيناً في ملفات السياسة الدولية.
الأتحاد 30/11/2008