
ضد الكورد؟.. ضد العرب أكثر!
عدنان حسين
شئنا أم أبينا، عربا ومعنا الترك والفرس، ستنشأ في يوم ما للكورد دولة مستقلة ذات سيادة، مثلما سيتحقق حلم الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة مستقلة ذات سيادة، شاء بعض الإسرائيليين ذلك أم أبى. فمن غير المنطقي ألا يُحقق ملايين الناس حقهم في حكم أنفسهم بأنفسهم على أرضهم في زمن يضمن القانون الدولي، والقوانين المحلية، المزيد من حقوق الأفراد والجماعات الصغيرة.
خلال السنوات الخمسين الماضية تغيّر العالم بدرجة كبيرة، وخلال القرن الأخير نشأ عالم مختلف كل الاختلاف عن عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، فتوحدت أمم، وانبثقت دول لم يكن في الحسبان وجودها، ومنها على سبيل المثال، دولة العراق التي تغيرت أنظمة الحكم فيها ثماني مرات في غضون هذا القرن، من مجموعة ولايات عثمانية إلى بلد تحت الاحتلال، ثم الانتداب، ثم مملكة دستورية، فجمهورية تعاقبت عليها أربعة أنظمة حكم قبل أن تتحول، وللمرة الأولى في التاريخ، إلى جمهورية فيدرالية برلمانية بفضل تدخل خارجي.
العالم بعد خمسين سنة من الآن، لن يكون هو عالمنا الحالي، وبعد قرن سيتغير على نحو كبير من تغيرات القرن المنصرم، وستكون للكورد دولتهم وللفلسطينيين دولتهم، ومن غير المستبعد وقتئذ أن تكون الدولتان الكردية والفلسطينية جزءاً من نظام إقليمي مفتوح الحدود على غرار الاتحاد الأوروبي بصورة من الصور، يضم أيضا دولة تركيا ودولة إيران ودولة عربية موحدة في المشرق كله، أو في جزء منه... المصلحة ستفرض نشوء هذا النظام، حتى لو لم يرد البعض، مثلما فرضت المصلحة قيام الاتحاد الأوروبي، على الرغم من كراهية بعض الانكليز والفرنسيين وغيرهم لهذا الاتحاد.
على مدى خمس وثمانين سنة من عمر الدولة العراقية ثبت أن السياسية الشوفينية تجاه القوميات الأخرى غير مجدية، بل عبثية ومضرة أكثر بالقومية التي يمارس ساستها هذه السياسة الشوفينية، ولقد انتهى المطاف بعرب العراق إلى حال من البؤس والإملاق والمحنة والتخلف الراهنة بسبب السياسة الشوفينية تجاه الكورد وغيرهم من قوميات العراق.. تخيّلوا كيف سيكون عليه حال العراق اليوم لو لم يخض الجيش العراقي حربا طويلة ضد الكورد، ولو لم يتسلط على العراق صدام حسين ليلقي به في محرقة مهولة اندلعت شرارتها في العام 1980 ولم تنطفئ بعد.
مثلما خسر عرب العراق كثيرا من معاندة الأنظمة الملكية والجمهورية المتعاقبة في حل المشكلة الكردية حلا سلميا ينطلق من الاعتراف بالحقوق القومية للكرد، سيخسر عرب العراق كثيرا أيضا من عدم التوصل إلى حل سلمي لقضية المناطق المتنازع عليها .. سيخسرون جار المستقبل الشمالي، منبع مياههم وبوابتهم إلى أوروبا.
هذه الحملة الشوفينية الجارية في بغداد ضد الكورد وقياداتهم تضر بعرب العراق، وكل العراق، أكثر مما تضر بالكورد الذين سيأتي عاجلا أم آجلا اليوم الذي يتحقق فيه طموحهم المشروع في قيام دولة كردية مستقلة ذات سيادة.
الصفحة الرئيسة