|



التمثيل الكوردي لمحافظة كركوك في دورات المجلس النيابي العراقي في العهد الملكي
- قيس قره داغي
يكثر الحديث عن عائدية كركوك الى قومية معينة دون سواها ويسوق كل فريق ما لديه من أدلة عقلية ونقلية لدحص ما يطرحه الطرف الآخر ، وأنا أرى أن التمثيل النيابي لمحافظة كركوك في العهد الملكي في العراق ( 1921 – 1958 ) يمكن أن يكون مصدرا موثوقا لخارطة الأثنيات نظرا لما أصابت الأخيرة من تشويه للطوبوغرافيا والجغرافية وطمس حقائق تكوينتها من خلال تطبيق سياسة التعريب المنظم فيها منذ عقود من عمرها حيث أختلط الحابل بالنابل بشكل يصعب رؤية الحقيقة المختفية وراء غبار سياسة التطهير العرقي قي كركوك .
فسياسة التعريب حملت نتائج وخيمة وظالمة على حياة الناس في تلك المحافظة في عهد النظام السابق وحتى بعد سقوطه حيث مرت سنوات عدة دون التوصل الى تفعيل المادة ( 58 ) من قانون إدارة الدولة أثناء فترة مجلس الحكم والمادة ( 140 ) في الدستور الدائم الذي حدد لها سقفا زمنيا ينتهي في نهاية هذه السنة ( 2007 ) ، حيث يتم بموجبها إستفتاءا لأهالي المحافظة بعد تطبيع أوضاعها ورفع الشاذ من الإجرائات السابقة فيها ، يختار أهل كركوك الأقليم الذي يريدون الأنضمام إليه .
فالأوضاع الشاذة ظلت كما هي دون العمل على إزالتها ودون الإستماع الى أهل كركوك من الكورد والتركمان وحتى العرب المستوطنين الذي شكلوا جمعيات تمثلهم تطالب الحكومة العراقية بالعمل على إعادتهم الى محافظاتهم الأصلية في جنوب العراق ولكن دون طائل .
شيخ المؤرخين العراقيين المرحوم السيد عبدالرزاق الحسني رحمه الله أسدى خدمة جليلة الى المكتبة العراقية بتأليفه تاريخ الوزارات العراقي في مجلدات عشرة أرخ فيها فترة مهمة فلولاه لما كنا نقرأ أخبارها الا في حالات ملفوفة في مذكرات الساسة الذين همهم تبيض صفحاتهم و تقديم برآئات ذممهم ، ففي بطون تلك المجلدات تقع عين القارئ على أسماء أعضاء الدورات الكاملة للمجلس النيابي العراقي في العهد الملكي مصنفة على المحافظات العراقية ، هنا أردت الوقوف عند مندوبي محافظة كركوك بشكل خاص وأسمائهم وأنتمائاتهم القومية معروفة لدى أهل كركوك ، ومن خلال تلك الأسماء ربما نتمكن من الوصول الى العدد التقريبي للأثنيات الموجودة في كركوك من كورد وتركمان وكلدان وعرب ويمكن أن يضاف الى الوثائق والدلائل التي تستند عليها عادة في مثل هذه المسائل وفي مثل هذا اللغط الذي يلف كركوك ، وكما يمكننا التعرف أيضا على أمور أخرى أيضا وعلى سبيل المثال من وفي أي تأريخ بالضبط أصبح للعرب في كركوك مندوب يمثلهم في المجلس النيابي العراقي في العهد الملكي ؟ ، واعني عاصي العلي الذي يعتبر أول مندوب عربي أنتخب عن قضاء الحويجة بعد أستحداثها كقضاء في أربعينات القرن المنصرم بعد ان قام ياسين الهاشمي بتوطين عشيرة العبيد الرحالة في منطقة الرياض حيث قام بأنشاء مشروع زراعي فيها أثناء وزارته الثانية قبل إقصائه من قبل الفريق بكر صدقي العسكري عام 1936 ، وعلى حد بعض الباحثين في هذا الشأن يعتبر ما قام به الهاشمي اللبنة الأولى لعملية التعريب التي غيرت معالم أصيلة من كركوك وما يجعل المتابع أن ينظر الى هذا الأعتقاد بعين الجد هو السيرة الذاتية للفريق ياسين الهاشمي والغموض الذي يلف تلك السيرة من جهة ومنزع القومية العربية التي كان ينادي بها الهاشمي وأمثاله طبعا يتمادون في نزعاتهم النابتة من أثر عقدة نفسية ، فهو على عكس كل ما كتب عنه يعتقد أن لقب الهاشمي الذي ألتصق به وبشقيقه الفريق طه الهاشمي ليس الا أدعاءا كاذبا حيث أنه حينما وقع في أسر قوات الأمير فيصل الأول في دمشق أثناء ما تسمي بالثورة العربية الكبرى وهو جريح أنقلب على ما كان يدعيه سابقا من إلتزام بجماعة الأتحاد والترقي وعلاقاته الوثيقة بالفريق كمال أتاتورك فأدعي بإنه هاشمي وسيلتزم بفيصل الذي كان يعتبر نفسه عروبيا من نوع خاص وهكذا مع شقيقه الآخر طه فأصبحا أثنين من وزراءه ، ومن طريف ما نقرأ عن أسرار الهاشمي ما ينقله لنا المؤرخ المرحوم جميل بندي الروزبياني حيث يقول بأنهما ، ياسين وطه كرديان من عشيرة الكاكائية المشهورة التي تقطن في منطقة داقوق وأنحائها بين طوزخورماتو وكركوك وقد رباهما رئيس الكاكائية بعد أن فقدا والديهما وأدخلهما المدرسة الأبتدائية والرشدية وثم أرسلاهما الى الكلية العسكرية ليتخرجا منها ضابطين وقطعا علاقاتهما بمسقط رأسهما وولي نعمتهما بعد أن أرتقيا سلم المناصب العسكرية المختلفة ، يقال أن الهاشمي وبعد أن أستلم رئاسة الوزارة لآخر مرة كان يخطط لتحجيم العائلة الملكية وجعلها مجرد رمز تمهيدا لضربها وطردها من العراق وقد كان متأثرا بالجنرال مصطفى كمال أتاتورك وينوي فعل ما فعله في تركيا ، حيث كان يخطط في البقاء على دست الحكم أكثر فترة زمنية ممكنة وقد أدركت العائلة الملكية هذه الحقيقة في خطاب للهاشمي ألقاه في مدينة البصرة أثناء زيارة له إليها ألمح فيه الى إنه سيقوم بكذا وكذا مستقبلا أي في عشرة سنوات قادمة من حكمه ما معناه إنه سيبقى لعشرة سنوات في الحكم في الوقت الذي لم تعمر أية وزارة في العهد الملكي أكثر من سنتين ، ما جعل العائلة الملكية أن تتفق مع الفريق بكر صدقي العسكري بالقضاء عليه إثر الأنقلاب العسكري عام 1936 والذي أدى الى سقوط الوزارة وتشكيل وزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان وهرب الهاشمي على أثره الى بيروت حيث توفى فيها . وهكذا نرى اللبنة الأولى للتعريب في كركوك أرساه كوردي أنكر أصله وأمثاله كثيرون نتطرق إليهم في كتابات لاحقة .

الدورة الأنتخابية الأولى :
بدأت الدورة الأولى بعد عقد الأجتماع الأول غير الأعتيادي في السادس عشر من تموز عام (( 1925 )) ، مثل لواء كركوك أربعة أعضاء فقط ثلاثة منهم كورد وهم كل من سعيد حسين وحبيب الطالباني ورفيق خادم السجادة وتركماني واحد وهو نشأت إبراهيم ، ولم يكن هنالك أحد من الأشوريين وكذلك لم يكن هنالك نائب عربي .
الدورة الإنتخابية الثانية :
بدأت في أيلول عام 1928 وبلغ عدد جلساته ( 51 ) جلسة ، مثل لواء كركوك أربعة نواب ثلاثة منهم كورد والآخر تركماني وهو علي قيردار ، أما الثلاثة الكورد فهم كل من حمه سعيد حاجي حسين و مصطفى أفندي و محمد باشا الجاف ، في هذه الدورة أيضا لا نجد نائبا عربيا ولا آشوريا .
الدورة الأنتخابية الثالثة :
بدأت هذ الدورة في الاول من تشرين الثاني عام 1930 ، مثل لواء كركوك أربعة أعضاء وهم كل من حبيب الطالباني وسليمان فتاح ومصطفى أفندي وعلي قيردار ، الثلاثة الأوائل من الكورد أما الأخير علي قيردار فهو تركماني ، في هذه الدورة أيضا لا نجد عربيا أو آشوريا .
الدورة الأنتخابية الرابعة :
بدأت هذه الدورة في الثامن من آذار عام 1933 ومثل لواء كركوك أربعة أعضاء وهم كل من جميل مجيد باشا بابان وسليمان فتاح وفوزي علي ومحمد علي قيردار ، الأسمين الأول والثاني شخصيتان كورديتان والثالث فوزي علي ( ليس لدي معلومات عنه ) والثالث تركماني وهو والد النائب علي قيردار الذي كان عضوا في الدورات الأنتخابية الأولى والثانية والثالثة .
الدورة الانتخابية الخامسة :
عقدت جلسات المجلس إبتداءا من التاسع والعشرين من كانون الاول عام 1934 وأسماء نواب كركوك هم كل من جميل باشا بابان وخليل زكي ومحمد حاجي نعمان وحبيب الطالباني ومحمد علي قيردار ، وكما يبدو أن نائبا زائدا إضيف الى عدد نوابه ومن مجموع الخمسة نجد الثلاثة الأوائل كوردا أما ألاسمين الأخيرين فهما تركمانيان .
الدورة الانتخابية السادسة :
دعي المجلس الى إجتماع غير اعتيادي بدأ في 8 آب سنة 1935 وقد زاد أثنين من عدد نواب كركوك فأصبحوا ستة أعضاء أربعة منهم كورد وهم كل من فائق الطالباني وعلي رضا العسكري ( نسبة الى قرية عسكر التابعة الى ناحية آغجلر من أعمال قضاء جمجمال ) وداود بيك الجاف ( رئيس عشائر الجاف ) وسليمان فتاح بالإضافة الى خليل زكي وأعتقد أنه من تركمان كركوك أما داود الداود فلا أعرف كنيته بالضبط وترى هل هذا الأخير من الطائفة اليهودية أو من الآشوريين ؟ أم هو من الطائفة الكاكائية الكوردية المعروفة حيث كان هنالك شخصية منهم بهذا الأسم ، (( ولا أعتقد أن يكون الشخصية الإيزيدية المعروفة الذي شارك الشيخ أحمد البارزاني في إنتفاضته الأولى عام 1935 والذي ألتجئ الى سوريا بعد أن أصدرت المحكمة العرفية حكما بالاعدام عليه وعلى مجموعة من كبار الإيزيديين الذين عارضوا قانون التجنيد الإجباري ويذكر في هذا المقام ان المحكمة العرفية التي شكلت في حينها حجزت مجموعة كبيرة جدا من الشيوخ والنساء من الإيزيديين للضغط على داود الداود ورشو قلو لتسليم أنفسهم الى السلطات ورغم المضابط التي قدمت بهذا الشأن ، الى أن محكمة التمييز التي شكلت برئاسة رشيد عالي الكيلاني صادقت على الحكم وتمادت بتنفيذ حكم الموت على الرهائن الموجود لدى الحكومة العراقية الذين يناهز عددهم المائتي شخص ومن مهازل المحاكم العراقية آنذاك أن تصدر تلك المحكمة حكما بحبس المحاميين الذين دافعا عن الرهائن وهما كل من عبدالله فائق وعبدالكريم قره كله . ))
الدورة الانتخابية السابعة :
بدأت الدورة بالاجتماع غير الاعتيادي للمجلس في السابع والعشرين من شباط 1937 وكان عدد نواب كركوك ستة أعضاء ونجد من بين النواب نائبا عربيا لاول مرة يمثل لواء كركوك وهو عاصي العلي رئيس قبيلة العبيد العربية التي مر ذكرها في سياق أستحداث قضاء الحويجة بعد إنشاء مجمع الرياض الزراعي في عهد ياسين الهاشمي ، وبالاضافة الى العاصي نجد كل من قادر الطالباني وأحمد آغا ومحمد برقي ويوسف إبراهيم يوسف وحسين آغا النفطجي وهذا الأخير كوردي من عشيرة الزنكنة القاطنة في تخوم منطقة گرميان الممتدة بين ناحية سنگاو وقضاء كفري وناحية ليلان بما فيها قرى من ناحية ليلان التابعة لقضاء المركز كركوك وكانت عائلته قد أمتهنت تصفية النفط بالطرق البدائية منذ القدم وكانت هذه العائلة تقطن منطقة قادر كرم حيث المنابع الكثيرة التي تتدفق منها النفط ويتراوح عدد تلك الآبار أكثر من مائة عين وبعد إنتقال العائلة الى كركوك أحتفظت بمهنتها وأصبحت من أغنى أسر كركوك ويذكر ساكني مدينة كركوك القطعة المثبتة على مسكن هذه العائلة التي تؤكد هذا الأعتقاد فحتى أوائل الخمسينات كانت القطعة المذكورة مثبتة ومكتوب عليها منزل ( حسين آغا الزنكنة ) ويؤكد الكثير من الباحثين هذا الرأي ومنهم العلامة عباس العزاوي المحامي صاحب المجلدات الثمان من تاريخ العراق بين إحتلالين وآخرين أما الباحث مير بصري فيؤكد كورديته غير إنه صنفه ضمن أعلام التركمان أستنادا الى إدعاء السياسي التركماني عزيز صمانجي وكذلك الباحث عبدالمنعم الغلامي ينسب النفطجي الى عشيرة الزنكنة الكوردية في كتابه ( الأنساب والاسر ) ، غير أن البعض من التركمان يدعون تركمانية الأسرة أستنادا الى لغة الأسرة التي كانت تتكلم التركمانية أسوة بالكثير من الأسر القاطنة في هذه المدينة منذ القدم متأثرين باللغة الرسمية للأمبراطورية العثمانية ومدينة كركوك كانت مركزا لولاية شهرزور فترة طويلة من الزمن فهنالك أسر ناطقة بالتركمانية غير أن أبنائها ساهمت في الأحزاب الكوردية ولا زالت .
الدورة الأنتخابية الثامنة :
عقد المجلس أول أجتماع له في 23 كانون الأول سنة 1937 ونواب كركوك في هذا المجلس كان ستة أعضاء وهم كل من حسين آغا النفطجي المار ذكره وعاصي العلي العبيدي وجميل بيك بن مجيد باشا الباباني ووهاب الطالباني وأحمد آغا وأحمد اليعقوبي الذي يدخل المجلس النيابي لاول مرة يقول البعض من التركمان على أنه تركماني ويعتقد البعض من الباحثين الكورد ومنهم المؤرخ جميل بندي روزبياني وعوني الداوودي على إنه كوردي الأصل .
الدورة الانتخابية التاسعة :
عقد أول إجتماع للمجلس في الثاني عشر من حزيران سنة 1939 وكان عدد نواب كركوك ستة أعضاء كالدورة السابقة وهم كل من دارا بك وهو كوردي من رؤوساء عشيرة الداووده القاطنة في مناطق داقوق وطوز خورماتوو وكفري ومحمد حاجي نعمان وهو من أعيان مدينة كفري وأحد الناشطين في الحركة الكوردية كما يصفه الكاتب مصطفى نريمان في مذكراته وفائق الطالباني وأمين رشيد الهماوندي وعشيرة هماوند مشهورة بصولاتها وجولاتها في مختلف الأزمنة التي تقطن قضاء جمجمال وينتخب لاول مرة وداود بيك الجاف وهو من كبار رؤوساء عشيرة الجاف توفي في كوردستان إيران بعد القضاء على العهد الملكي حيث حدود عشيرته تبدأ من ناحية قرزوات ( السعدية ) وتنتهي في تخوم أستان كوردستان في إيران و كذلك التركماني جميل قيردار ويبدو إنه نجل النائب السابق علي قيردار الذي إنتخب لعدة مرات ، ويظهر من الأسماء أن خمسة أكراد أنتخبوا مقابل تركماني واحد ولم ينتخب في هذه الدورة أي عربي وآشوري .
الدورة الأنتخابية العاشرة :
عقد أول أجتماع للمجلس في دورته هذه في التاسع من تشرين الاول عام 1943 ، أما نواب كركوك فهم خمسة من الكورد مقابل تركماني واحد تماما مثل الدورة السابقة وهم كل من دارا بگي داوده و سليمان فتاح وداود بگي جاف ومحمد حاجي نعمان وعبدالوهاب طالباني والتركماني جميل قيردار .
الدورة الانتخابية الحادية عشر :
أفتتحت أجتماعات هذه الدورة في السابع عشر من آذار عام 1947 وأنتخب ثماني نواب من كركوك ستة منهم أكراد وتركماني واحد وكامل اليعقوبي لا نعرف عنه شيئا من ناحية أنتمائه القومي سوى مزاعم الطرفين من الكورد والتركمان ، فالنائب التركماني هو أمين قيردار والنواب الكورد هم كل من فاضل الطالباني وداود بكي جاف ودارا بكي داوده وسليمان فتاح وأمين رشيد هماوندي وصالح نعمان .
الدورة الانتخابية الثانية عشر :
عقد الاجتماع الاول لهذه الدورة في 21 حزيران سنة 1948 ونواب كركوك فيها هم من الكورد داود بكي جاف وأمين هماوندي و عبدالوهاب الطالباني و محمد حاجي نعمان وعلي رفيق والتركماني ناجي الهرمزي وأحمد اليعقوبي الذي يقول عنه المؤوخ جميل بندي روزبياني في كتابه ( كركوك في عهد الاستعمار البريطاني ) ترجمه الى العربية أنور مندلاوي على أنه من القومية الكوردية كما مر ذكره آنفا . ونجد من بين النواب في هذه الدورة نائبا جديدا وهو عبدالله سليمان ولا أعرف عنه شيئا لعل أحد من القراء يغني هذا المقال بإضافة المعلومات الكافية عن ما نجهل كنياتهم ، أما النائب التركماني ناجي الهرمزي كان صديقا حميما مع رؤوساء الكورد في كركوك وكثير الزيارة للقرى الكوردية حاله حال معظم التركمان حيث لا نجد في طيات التاريخ حادثة تعكر صفو الاخاء بينهما وها هنا ننقل طريفة لطيفة ننقلها نصا من المصدر السابق لجميل بندي الروزبياني إذ يقول (( كان الانكليز يعينون مدراء النواحي من رؤوساء العشائر وفي فترة حكم الملك فيصل الاول تم تشكيل الادارت الحكومية فتم تعين سليمان فتاح متصرفا لكركوك وكان كورديا يعمل في الجيس برتبة أمير اللواء أصبح فيما بعد واحدا من أهم رجال الأعمال وأسس العديد من المعامل الكبيرة ومنها معامل فتاح باشا للغزل والنسيج المشهورة ، وأصبح مجيد اليعقوبي مديرا للبلدية وحبيب الطالباني مديرا لناحية المركز وعلي أفندي قائمقاما لگل ( ناحية قادر كرم الحالية ) وعبدالرحمن جباري مديرا لناحية ملحة ( الحويجة الحالية ) ، أما رؤوساء العشائر الاميين فحرموا من تلك المناصب ، فلما قام قائمقام كفري بزيارة منطقة ( زه نكاباد ) يرافقه المرحوم ناجي الهرمزي سأله عبدالكريم آغا الزنگنة وكان لا يعرف ناجيا ، لماذا لا تعينوني مديرا لهذه الناحية ، فأجابه لانك أمي لا تقرا ولا تكتب . فرد عليه الآغا ملوحا بيده الى ناجي ، وما في ذلك ، ألا أستطيع أن أعين مثل هذا الأشعث كاتبا لدي لينجز اعمالي الكتابية ؟ ولم ينس ناجي الى يوم مماته رحمه الله هذه الطريفة وكان صديقه حبيب الطالباني يذكره بها دائما . )) .
.
الدورة الانتخابية الثالثة عشر :
عقد أول إجتماع لهذه الدورة في 24 كانون الثاني 1953 و لكركوك ثمانية نواب فيها وهم من الكورد أمين رشيد هموندي وداود جاف وفاضل الطالباني ومحمود بابان ( نجل النائب السابق جميل بك مجيد باشا بابان ) والتركماني أمين قيردار وابراهيم نفطجي وكامل اليعقوبي وهما من الأسر الثرية في كركوك ذات ثقافة عثمانية وأصول كوردية وكذلك النائب عبدالله سليمان .
الدورة الانتخابية الرابعة عشر :
جرت أنتخاباتها في 9 حزيران 1954 ونواب لواء كركوك يتكون من داود بيك جاف وحبيب طالباني وحسين خانقاه ومحمود بابان وهم من الكورد ومن التركمان أمين قيردار وعبدالله آوجي ( ينتخب لاول مرة ) وزين العابدين قنبر ( وهو تركماني شيعي ، لاول مرة يدخل شيعي من كركوك الى المجلس النيابي العراقي ) وكذلك كامل اليعقوبي ولا يوجد بينهم عربي .
الدورة الانتخابية الخامسة عشر :
عقد أول إجتماع لهذه الدورة في السادس عشر من أيلول 1954 وعدد نواب كركوك ثمانية وهم من الكورد كل من أمين رشيد هموندي وحسين خانقاه وداود بيك جاف و محمود بابان ومن التركمان كل من أمين قيردار وسليمان بيات ( ينتخب لاول مرة وهو رئيس عشيرة البيات وهي عشيرة تركمانية كبيرة تقطن ناحيتي آمرلي وسليمان بيك غير أن رؤوساء البيات تقربوا الى النظام وغيروا قوميتهم التركمانية الى القومية العربية وأصبحت اللغة العربية لغتهم الرئسية حتى في أحاديثهم الخاصة ولكن بكلنة تركمانية واضحة ) بالاضافة الى ابراهيم النفطجي و كامل اليعقوبي ، فإن أسلمنا الى أن ابراهيم النفطجي وكامل اليعقوبي من التركمان ( وانا أميل الى هذا الرأي لان الأنتماء هو شعور الشخص نفسه وليس أصله القبلي الا إذا صرح الشخص بأصله بنفسه ) يكون العدد في هذه الدورة مناصفا بين الكورد و التركمان ولاول مرة في العهد الملكي ولا نجد بينهم عربي واحد .

الدورة الانتخابية السادسة عشر :
أعلن في الرابع عشر من شباط علم 1958 عن الاتحاد العربي بين العراق والاردن ومن أجل ذلك الاتحاد تم التلاعب بالدستور العراقي بشكل يتفق مع ذلك الاتحاد وكان على الملك أن يلغي المجلس ويأمر بإنتخاب آخر يصوت لذلك التعديل الذي يشرع الاتحاد فاجتمع المجلس المنتخب بناءا على أعلاه في 10 آيار من نفس العام فأقر التعديل و شرع الدستور المقترح وبعد ست إجتماعات لهذه الدورة جاءت ثورة الرابع عشر من تمز لتقضي على العهد الملكي ودستوره وإتحاده الهاشمي ، أزداد عدد نواب كركوك في هذه الدورة نائيا واحدا أي تسعة نواب كان نصيب الكورد منهم كل من محمود بن جميل بيك بابان ووكاكه حمه ووداود بيك الجاف وهي أقل نسبة منذ أول دورة إنتخابية ومن التركمان كان كل من نذير قيردار و سليمان بيات وكل من نجيب اليعقوبي وإبراهيم نفطجي ذوي الاصول الكوردية والثقافة التركية العثمانية ومحمود فهمي ( لا أعرف شئ عنه ! ) ومن الآشوريين كان هنالك قستنطين فتوحي .
ونستنتج من أعلاه أن من مجموع 98 نائبا أنتخبوا ليمثلوا لواء كركوك المجلس النيابي العراقي في العهد الملكي خلال ستة عشر دورة إنتخاببية كان نصيب النواب الكورد منهم 60 نائبا و من التركمان 23 نائبا و نائبا واحدا من الآشوريين ونائبان من العرب و12 نائبا آخرا نجهل الانتماء القومي لبعضهم وهنالك إختلاف بين الكورد والتركمان على البعض الآخر منهم .
وكما نجد أن النواب الكورد تناقصوا بتقادم الزمن فبينما كانت نسبتهم أول دورة أنتخابية 75 % ، أصبحت نسبتهم في آخر دورة 50 % من مجموع النواب ، وكما نجد أن معظم النواب الكورد ينتمون الى القبائل الكوردية الكبيرة مثل الجاف والداووده والهماوند والطالباني مثل النواب داود بيك الجاف وأمين رشيد الهماوندي ودارا بك داووده وحبيب الطالباني وآخرين أو من أبناء الأسر الثرية أو الدينية أو الاجتماعية من أبناء المدن كجميل بك بابان ونجله محمود بك بابان وكلاهما من أسرة بابان الشهيرة ومن أمراء إمارة بابان الكوردية سكنوا مدينة كفري بعد زوال الامارة البابانية وأسسوا محلة أسماعيل بك ولا زالت أثاره وشواهدهم باقية ومنها قصر مجيد باشا بابان الذي تقوم مديرية الآقار العامة في كوردستان بإعادة ترميمه في الوقت الحاضر وكذلك حسين خانقاه وعائلة خادم السجادة وغيرهم أو ينتمون الى الأسر التي كانت لها أبناء من الرتب العالية في الجيش العثماني كأمير اللواء سليمان فتاح ، أما عشيرة الزنكنة التي تعد من كبريات القبائل الكوردية في لواء كركوك فلم نجد منهم نائبا سوى ما يقال عن أصل عائلة النفطجي الشهيرة في كركوك ولعلهم أدلوا بأصواتهم لهذا الأخير أثناء الانتخابات في لواء كركوك . أما من التركمان فنجد أن الدور النيابي كان محصورة في عائلة قيردار في كركوك بالاضافة الى سليمان بيات الذي غير إنتماءه القومي ولا زالوا يعتبرون أنفسهم عربا وكذلك نائبا واحدا من التركمان الشيعة أنتخب لمرة واحدة فقط .
أدناه جدول يبين خارطة الانتمائات القومية لممثلي كوكوك في المجلس النيابي العراقي
تهديد غول بإلغاء إتفاقية عام 1926.... أعتراف ضمني بكوردستانية كركوك
عوني الداوودي
يقصد غول بإلغاء اتفاقية عام 1926، تلك الاتفاقية الجائرة التي تمت بموجبها إلحاق "كوردستان الحنوبية " بالعراق المشكل حديثاً نتيجة خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى واقتسام مستعمراتها في الشرق الأوسط بما ضمنه العراق، وقد أكدنا في بحث سابق لنا حول الموضوع نُشر في حينه في صحيفة الإتحاد وبعض المواقع الإلكترونية، وإذ نعيد نشره مع بعض الإضافات على عجل، لأهمية الموضوع من جهة، و وضع النقاط على الحروف من جهة أخرى، ورفع الغشاوة عن أعين ممن لا يروّن غير ما تمليه عليهم مصالحهم القومية حتى لو كانت على حساب الآخرين وذبحهم بسيف الديماغوجية والتضليل من جهة ثالثة، لذا اعتقدت دائماً بأن أستقرار تاريخ المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص، لا سيما العقدين اللتين تلتا الحرب العالمية الأولى بعناية ودقة، وتقليب السياسات والاتفاقيات المبرمة حينذاك وتمحيصها ضرورة ملّحة للباحث والمتابع للقضية الكوردية خاصة والعراقية بشكل عام، كي يفهم ويستوعب مطالب الشعب الكوردي دون حساسية نلمسها من لدن هذا وذاك من الكتاب والمثقفين الذين يدلون بدلوهم في مسألة كركوك والقضية الكوردية، وبدورنا نعتقد أنها ناتجة عن الجهل لتاريخ المنطقة وكوردستان والأمة الكوردية، وعدم فهم الخصوصية القومية لهذا الشعب الذي يطالب بحقوقه القومية المغبونة في الجزء الجنوبي من وطنه الذي يعرف اليوم "بكوردستان العراق " .
وبرجوعنا إلى تلك الفترة من تاريخ العراق المعاصر ودراستها بشكل علمي دون مغالاة وتزمت وبصوت هادئ، من الممكن وضع الأسس التي من شأنها أن تجعل المستقبل أقل ألماً ومأساة، وأكثر عدلاً واحتراماً لحقوق الإنسان، لذا أجد من الضروري إلقاء نظرة خاطفة وسريعة على الجانب البارز من القضية التي عرفت في تاريخ العراق بـ" مشكلة ولاية الموصل" لتحديد مساحة كوردستان العراق من خلالها، وتسليط الضوء على المساحات التي مورست بحقها سياسة التطهير العرقي. ورداً في ذات الوقت على تصريحات غول
بانتهاء الحرب العالمية الأولى وعلى أثر الصراع الدائر آنذاك حول عائدية ولاية الموصل "كوردستان الجنوبية " بين العراق وبريطانيا من جهة وبين تركيا من جهة أخرى، والكورد لوحدهم ضد الجبهتين من جهة ثالثة. قدم الطرفان التركي والعراقي الوثائق والخرائط والإحصائيات المتنوعة لتثبيت حقوقه في هذه المنطقة للجنة عصبة الأمم المتحدة التي بُعثت للفصل في النزاع حول أحقية الأطراف المتنازعة بالولاية، لم يتوصل الطرفان البريطاني والتركي إلى حلها بالحوار المباشر بعد انقضاء التسعة شهور التي قرُرت في جلسات معاهدة لوزان عام 1922 ـ 1923.
ومن الحجج التركية التي قدمتها. إن ولاية الموصل غير داخلة في العراق العربي، ولكنها جزء من الجزيرة، وإن إتفاقية سايكس ـ بيكو( 1) فصلت بين الموصل والعراق، وفي المطالب الخاصة بكوردستان التي قدمها شريف باشا " مندوب عن الكورد " في عام 1919 بناء على طلب الحلفاء ذكرت الموصل منفصلة عن العراق، أما سكان ولاية الموصل فلم يعتبروا أنفسهم يوماً ما جزء من العراق. ولأجل تأييد وجهة نظرها اقتبست تعريف العراق من " دائرة المعارف البريطانية ومن دائرة المعارف الفرنسية الكبرى " ( 2) .
ومن جهة ثانية أدعت الحكومة البريطانية أن الجيوش البريطانية احتلت جميع " ميزوبوتاميا " أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد أطلق الاسم " العراق" على القطر الذي كان فيما مضى ميزوبوتاميا لأنه معروف جداً عند الأهالي، وقد أخذ هذا الاسم الحديث " العراق" من "العراق العجمي" و" العراق العربي " اللذين كانا مستعملين في أواخر القرن الحادي عشر (3 ) .
بينما جاء الموقف الكوردي على لسان الشخصية الكوردية " بابان زاده عزت " مستنفراً من صيغة السؤال الاستفزازي الذي طرحته لجنة عصبة الأمم على ممثلي الكوردي " مع أية حكومة تريدون العيش ؟ " التركية أم العراقية فأجابهم : لماذا لا تسالون هل نرغب بحكومة كوردية أم لا ؟ " .
وكانت التقارير والوثائق متضاربة بين الطرفين إلى حد كبير بشكل جعل لجنة العصبة أن تتخذ هي بنفسها إلى جانب دراستها لكل ما ُقدم من قبل الأطراف المتنازعة، بالتنقيب والبحث والاستعانة بالمكتبات والجامعات العالمية للحصول على المعلومات والخرائط التي يمكنها أن تفصل بين المتنازعين بشكل محايد. فتوصلت اللجنة فيما بعد إلى وجود ثلاث مناطق واضحة: العراق العربي، والجزيرة، وكردستان. لا يمتد العراق شمالاً أبعد من " هيت " أو منطقة جبل حمرين، ولم يمكن التأكد من أن جزء من الأراضي المتنازعة لم تكن يوماً ما ضمن العراق العجمي، وأكدت أنه في جميع الأدبيات الجغرافية منذ الفتح العربي حتى تحقيق اللجنة ( 1925 ) لم تعتبر ولم توصف ولم تظهر الأراضي المتنازعة يوماً كجزء من العراق، وفي الماضي لم يكن الأسم " العراق" مألوفاً عند سكان ولاية الموصل كأسم لبلادهم(4 ).
استمرت اللجنة في تحقيقاتها، وتوصلت في نهاية الأمر، و كما يذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني بهذا الصدد: أنجزت لجنة الحدود الأممية تقريرها عن الخلاف العراقي ـ التركي حول ولاية الموصل فجاء في ( 113) صفحة من القطع الكبير، مع إحدى عشرة خارطة، وقد جاء في صفحة 111 من هذا التقرير ما يلي بالنص:
لو نظرنا في المسالة كلها، معتبرين في ذلك مصالح الأهلين الذين يخصهم الأمر، فمن رأي اللجنة أنه من المستحسن " لاحظ كلمة مستحسن " عدم تقسيم المنطقة المنازع فيها. أن اللجنة استناداً على هذه البواعث وتقديرها كل حقيقة من الحقائق التي ذكرتها، ترى أن هناك حججاً مهمة تساعد على ارتباط كل المنطقة، من جنوبي خط بروكسل بالعراق، ومن تلك الحجج خصيصاً الحجج الجغرافية والاقتصادية، والشعور، مع كل التحفظات المذكورة، على أن تراعى الشروط الآتية :
1 ـ يجب أن تبقى المنطقة تحت انتداب عصبة الأمم لمدة 25 سنة.
2 ـ ويجب مراعاة رغبات الأكراد فيما يخص تعيين موظفين الكورد لإدارة مملكتهم، الأمور العدلية، والتعليم في المدارس، وأن تكون اللغة الكردية، اللغة الرسمية في هذه الأمور( 5). يستدل من خلال هذا العرض الخاطف بأن مساحة كوردستان العراق تشمل كافة الأراضي المتنازعة عليها والتي تمتد من جنوب خط بروكسل " الحدود الحالية بين تركيا والعراق التي حددتها لجنة عصبة الأمم " إلى حد سلسلة جبال حمرين جنوب كركوك، وأن إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق المشكل حديثاً كان إلحاقاً مشروطاً " مراعاة رغبات الكورد " ، واستند الإنكليز أيضاً في معركتهم الدبلوماسية تلك لكسب القضية لصالحها بأن هذه الدولة الفتية أي العراق لا يمكن أن تقوم وتحافظ على ديمومتها دون الثروات المتواجدة في هذه المنطقة، وهي في ذات الوقت المستفيدة الوحيدة باعتبارها الدولة المنتدبة على العراق، ويقول عضو البرلمان البريطاني LORD AVEBUY بهذا الصدد: " في ديسمبر عام 1925 اتفق الطرفان على إلحاق جنوب كوردستان بالعراق العربي، حسب اتفاقية بغداد التي وقعت بين بريطانيا وتركيا أن تلحق تلك الأراضي بالعراق، وبالرغم من أن المنطقة النفطية ضُمت إلى العراق، لكنها في حقيقة الأمر، كانت أمنية بريطانيا " (6 ). وهذا يعني بالنسبة للكورد بأنهم أصبحوا ضحية النفط المتواجد في كوردستان والتي نتجت عنها سياسة التعريب للاستحواذ على هذه الثروة، هذا من جهة ومن جهة أخرى تبين الوثائق والاتفاقيات التي قدمت، مساحة كوردستان الجنوبية وحدودها الجغرافية، كما قطعت الحكومة البريطانية والحكومة الملكية العراقية وعداً بتنفيذ الشروط الآنفة الذكر، لكن ومع مرور الزمن كان الوضع يزداد سوءاً نتيجة الممارسات العنصرية للنخبة الحاكمة الذين تخرجوا من تحت المعطف العثماني وتشربوا بمفاهيمها، التي لم تعالج الأمور المستفحلة في أرجاء الإمبراطورية بغير لغة العنف والتسلط والاستبداد، ولم تتنصل الحكومات العراقية في العهد الملكي من تعهداتها لعصبة الأمم وحسب، بل باشرت بسياسة التعريب بدءاً بمدينة كركوك وكان ذلك في عام 1935 عندما بادرت وزارة ياسين الهاشمي بجلب عشائر العبيد والجبور الرحل من أطراف ديالى وإسكانهم في الحويجة على أطراف كركوك بحجة نزاعهم مع عشيرة العزة، وتعليمهم أساليب الزراعة والاستقرار بعد فتح مشروع ري الحويجة من الزاب الصغير لهذا الغرض وتعيين المهندسين الزراعين لتعليمهم أسس ومباديء الزراعة كما أشيع في حينه، لكن الهدف الحقيقي من وراء ذلك كان استقرار تلك العشائر نهائياً في تلك الربوع. وأعلنت الحكومة أنها بصدد بناء هذا المشروع لتوطين العشائر الرحالة، لذلك اقترح بعض الإدرايين الكورد في لواء كركوك، خاصة المرحوم حامد بك جاف الذي كان يشغل منصب قائمقام جم جمال، أن يتم إسكان جزء من عشيرة جاف الرحالة الكوردية والتي كانت موجودة في قضاء كفري ومنطقة كلار في فصل الشتاء، في قسم من سهل الحويجة، لم تستجب الحكومة العراقية لاقتراحه، بل بادرت بنقله إلى قضاء آخر بعيد عن كركوك، فاضطر إلى تقديم استقالته من الوظيفة والرجوع إلى مسقط رأسه في حلبجة.( 7) ومن ناحية أخرى طبقت تلك الحكومات سياسة الإهمال وعدم الاهتمام بالمنطقة في بادئ الأمر، ومن ثم الرد على الانتفاضات الكوردية لحث الحكومة على تنفيذ وعودها، بشن الحروب واستعمال أساليب العنف ضد الثورات الكوردية ومنها ثورة برزان الأولى 1931 ـ 1932 والثانية 1943 ـ 1945 بحجة المحافظة على الأمن من " الفوضويين والمتمردين" ، فكان من الممكن في ذلك الوقت المبكر أن تتلافى الحكومات العراقية ذلك النهج العدواني بسياسة الحوار الهادئ والوفاء بالعهد والوعود التي قطعتها، والحيلولة دون استفحال الوضع وعدم الاستقرار على مدى العقود التي تلتها والتي راح ضحيتها مئات الألوف من المدنيين والعسكريين على حد سواء ناهيك عن الأموال الطائلة التي صرفت نتيجة سياسة الأرض المحروقة في كوردستان .
واستمرت الحالة هذه من سيء إلى أسوء، دون الاختلاف في النهج والتطبيق، واثبت التاريخ بأن الحكام الذين حلّوا محل السابقين، كانوا أشدّ مكراً، وتعسفاً وتمسكاً بالأراضي التي استولوا عليها عنوة، فكانت السياسة الثابتة لها هي تغيير الطابع الديموغرافي للمنطقة، بانتهاج سياسة التطهير العرقي من تهجير وترحيل قسري للكورد، وإحلال آخرين من العراقيين العرب من وسط وجنوب العراق محلهم بداً بالمناطق المحاذية أو المشتركة بين القوميات التي تقطن أقصى جنوب إقليم كوردستان، ومن ثم الزحف رويداً رويداً إلى القصبات والمدن الكبرى ككركوك وخانقين وتشكيل حزام أمني من العشائر العربية الموالية له على أطراف مدن كركوك وخانقين وديبكه ومخمور ومندلي وسنجار وغيرها ومن ثم جعل المناطق التي تحد هذا الحزام وعلى مساحات كبيرة مناطق عسكرية محرمة لا تطأها قدم، وتقدر الأراضي التي مورست فيها سياسة التعريب بحوالي أكثر من ثلاثين ألف كيلو متر مربع، ليس هذا وحسب بل مارست أيضاً سياسة الإبادة الجماعية ضد أبناء الشعب الكوردي والمعروفة بمجازر " الأنفال " التي تدخل ضمن الجرائم المنظمة لإبادة الجنس البشري والتي يحاسب عليها القانون الدولي، وهي لا تسقط بمرور الزمان، فمن النضال والصراع من أجل الحقوق المشروعة التي طالب ويطالب بها الكورد على أرض آبائهم وأجدادهم، وصل بهم الأمر في نهاية العقد الثامن من القرن العشرين بعد مجازر الأنفال التي راح ضحيتها أكثر من 180000 ألف إنسان وثمانية آلاف بارزاني وسبعة آلاف من الكورد الفيلين وضرب آخرين بالسلاح الكيماوي، إلى الصراع من أجل البقاء فقط، والحالة هذه تدفعنا حقاً للتساؤل آلاف المرات عن موقعنا ومصيرنا ووجودنا ووجود أبنائنا وأحفادنا في العراق ومستقبل المنطقة دون ضمانات دولية، وعلى الرغم من تمتع الكورد حالياً حسب الدستور العراقي الجديد بنوع من الفدرالية وبسط سيطرته على جزء من كوردستان العراق، تبقى الأخطار محدقة بهم، لا سيما دخول العراق في حالة فوضى، وقريب جداً من الحرب الأهلية، مع التهديد المستمر من دول الجوار بإجتياح كوردستان وخاصة تركيا، وباعتقادي أن واحدة من المهام الكبرى التي تقع على عاتق المثقف والسياسي الكوردي هو الرجوع إلى التاريخ والخرائط المعتمدة والاتفاقيات والمواثيق الدولية ودراستها وغربلتها وإن أمكن إحيائها لتثبيت حقوق شعبه في هذا الجزء من وطنه وللحفاظ على الأقل على وجوده وعلى وجود الأجيال اللاحقة دون أن يتعرضوا إلى ما تعرض له آباؤهم وأجداهم من ظلم ومسخ لشخصيته وهويته القومية ونكران لحقوقه التاريخية على أرض ٍ سكنوها منذ آلاف السنين، التي تعرف اليوم " بكوردستان العراق" أي أن المطلب بإحياء أو إلغاء اتفاقية عام 1926 ليكن مطلب كوردي قبل أن يكون تركي، وحينها أجزم بأن العراق سيقسم وتعلن دولة كوردستان بمعاضدة الولايات المتحدة والدول الأوربية، وستنقلب الأمور رأساً على عقب في غير صالح تركيا التي تخشى وترتعب من ذكر كلمة كوردي .
فلهذا يجب علينا أن نحدد أولاً شكل ومضمون وجغرافية كوردستان العراق وتمييزها عن العراق العربي حسب المصادر التاريخية، وتقع هذه المهمة على عاتق المؤرخين والجغرافيين الكوردستانيين قبل غيرهم، ليس من أجل الانفصال وتأسيس الدولة الكوردية كما يروج له البعض للإلتفاف حول المسألة وابتلاع الحق الكوردي وتشويه سمعته كانفصالي ومشاغب يطمح في الاستيلاء على أراضي الغير !!!!، بل من أجل ضمان حقوق الكورد وحتى الآخرين الذين يعيشون معنا على هذه البقعة وضمان عدم تكرار ما جرى من قتل وتذبيح وتجاوزات تعتبر بحق من أخطر الجرائم المنظمة التي ارتكبت بحق البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا.
وبرجوعنا إلى آراء المؤرخين والإسلاميين العرب نرى بأنهم ميزوا على الدوام بين العراق العربي والعراق العجمي فمثلاً يذكر: أبن حوقل، وهو أبو القاسم محمد بن علي بن حوقل الموصلي الحوقلي، " وأما العراق فإنه في الطول من حد تكريت إلى عبادان، مدينة على نحر بحر فارس " ( 8). وكذلك بالنسبة للأصطخري، وهو إبراهيم بن محمد الفارسي" وأما العراق فإنه في الطول من حد تكريت إلى حد عبادان على بحر فارس"( 9). وقبل الأصطخري كان البلخي أبو زيد أحمد بن سهل ورسم لنا الحدود الشمالية للعراق عند حد تكريت وتنتهي إلى عبادان. ويرى البروفيسور الدكتور خليل إسماعيل محمد، وحسب العديد من المراجع والمعاجم المعتمدة بأن الحدود الشمالية للعراق هو مرتفعات حمرين، ويضيف. لقد اعتاد الجغرافيين تقسيم العراق طبيعياً وإقليمياً إلى ثلاثة أقسام هي :
1ـ المنطقة الجبلية
2ـ السهل الرسوبي
3ـ الهضبة الغربية
وكانت مرتفعات حمرين ( في جميع التقسيمات) هي جزء أساسياً في الحدود بين المنطقتين الجبلية والسهل الرسوبي، كما كانت في نظر " طه الهاشمي " حدوداً بين العراق الأعلى والعراق الأسفل.( 10)
ويذكر كتاب " الابادة الجماعية في العراق حملة الأنفال ضد الشعب الكوردي " والمترجم عن "( MEW ) Middle East watch " التابعة لمنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان بهذا الصدد : كان الكورد في العراق ضحية الجغرافية وذلك نتيجة وجود النفط بكميات هائلة في مناطقهم مما أدى إلى سيطرة حكومة بغداد على أهم مدينة كوردية وهي كركوك( 11) . ومما زاد الوضع تعقيداً هو الدور الكبير للماكنة الإعلامية للأنظمة المتعاقبة في حكم العراق بممارسة تزييف وعي الإنسان العراقي والعربي وتحريف الحقائق وتشويه تاريخ الكورد في هذه المنطقة ( 12) . فالوجود الكوردي في بلاد ما بين النهرين قديم قدم هذه الأرض وهم ليسوا حالة طارئة في عراق اليوم أو شعوب غازية جاءت في القرون الأخيرة لتستقر بها، بل يعتبر الكورد من السكان الأصليين في هذه المنطقة على مر التاريخ ليس هذا وحسب بل أمتد النفوذ الكوردي في بسط سيطرته أحياناً على مناطق أوسع بكثير من مناطقه الأصلية كما حصل أبان حكم الكاشيين لبابل في حوالي 1600 قبل الميلاد، وكذلك سيطرة الكوتيين على سومر ما يقارب المائتين سنة( 13) وحول التواجد الكوردي في المنطقة يقول المحامي والمؤرخ العراقي عباس العزاوي: " وهؤلاء " أي الكورد " من العناصر الفعالة في العراق وكلما زادت نفوس سكان الجبال منهم مالت إلى المدن، وفي وقائع كثيرة خدموا الإسلامية وناصروها، فكانوا عضدها القوي وساعدها المكين ... وهم من أقدم سكان العراق ومن أوضح العناصر فيه، وقد برز منهم علماء وأمراء كثيرون" (14 ).
إن مصطلح كوردستان العراق هو مصطلح حديث جرى تداوله في الثلث الأول من القرن العشرين، وباعتقادي هو التعبير المهذب لسياسة التعريب والوجه الآخر من العملة لذات السياسة التي مورست بحق الكورد أرضاً وشعباً، فكوردستان الجنوبية هي التسمية الصحيحة لهذه المنطقة والتي كانت متداولة قبل الحرب العالمية الآولى والعقود التي سبقتها. وبما أن الخيار الكوردي الرسمي هو العيش ضمن العراق الديمقراطي الفدرالي الموحد، فسنترك التسميات جانباً ولإعطاء الفرصة للمستقبل والتطبيق العملي لهذا الخيار أن يحكم، فلهذا سوف لا نخوض في هذا الجانب الحساس والخطير في هذه المرحلة والانعطافة الكبيرة لمجمل تاريخ العراق .
أن سياسة التعريب التي مارستها الحكومات العراقية المتعاقبة جاءت من منطلقين، الأول: هو وجود آبار النفط في المناطق الكوردستانية، والسبب الثاني: الذي جعل هؤلاء السياسيين والعسكريين أن يتبنوا هذه السياسة، هو مفهوم " العروبة " الذي أستخدم في غير محله مما جعل عروبة بعض الحكام الذين مروا بتاريخ العراق لا سيما نظام صدام أشبه ما يكون بالنازية والصهيونية.
تشرب الرعيل الأول من القوميين العرب العراقيين، بالأفكار القومية نتيجة الاضطهاد القومي في الفترات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية ومن ثم سياسة تتريك غير الترك على يد جماعة الاتحاد والترقي التركي.
وبروز ساطع الحصري في العراق بأفكاره القومية والطائفية كان عاملاً أضافياً مهد الطريق للسياسيين العراقيين في ممارسة سياسة التعريب دون الشعور بالذنب ووخز في الضمير وهو يعتبر بحق الأب الروحي والمنظر الأول للقومية العربية في العراق على أساس طائفي سني، ومن أفكاره على سبيل المثال : " أن كل شعب يتكلم العربية هو شعب عربي وكل من ينتسب إلى شعب من هذه الشعوب العربية هو عربي، وأما إذا لم يعرف هو ذلك .. ولم يعتز بالعروبة.. فعلينا أن نبحث الأسباب التي تحمله على الوقوف هذا الموقف . فقد يكون ناتجاً عن جهل، فعلينا أن نعلمه الحقيقة، وقد يكون ناشئاً عن الغفلة والانخداع، فعلينا أن نوقظه ونهديه سواء السبيل، وقد يكون ناتجاً عن فرط الأنانية، فيجب علينا أن نعمل للحدّ من أنانيته، أنه عربي على حال ، عربي فاقد الوعي والشعور ... وربما كان في الوقت نفسه فاقد الضمير ( 15) .
فالحصري أتاح لنفسه أن ينسب كل من تكلم اللغة العربية إلى الأمة العربية شاء هو أم لم يشأ، واتهم في ذات الوقت من لم يقتنع بأفكاره بالأنانية، ووضع الحلول لهذا المرض بقوله " أن نعمل للحد من أنانيته " وفي هذه العبارة الكثير من التهديد والوعيد لمن لم يرضخ بالقبول والانتماء للأمة العربية حسب المفاهيم الحصرية أو بمعنى آخر" مدرسة الحصري" القومية التي سارت عليها النخبة الحاكمة من بعده والذي لم يكتوي الشعب الكوردي بناره فقط بل تعدته إلى التركمان والناطقين بالسريانية بجميع طوائفهم والديانات الأخرى كالإيزدية والعراقيين العرب أيضاً من أتباع المذهب الشيعي وما حدث للشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري وفصله من وظيفته لتغنيه بجمال مصايف إيران في إحدى قصائده بعد زيارته لها خير مثال على ذلك .
فمن هذا المنطلق أنطلق غالبية السياسيين العراقيين العرب للتعامل مع القضايا القومية في العراق وعلى رأسها القضية الكوردية. بتطبيق سياسة التطهير العرقي، وذلك بقرض أجزاء من المناطق الكوردستانية المحاذية للمناطق العربية، ويبدو من هذه السياسة الشوفينية بأن الوعود التي قطعتها الحكومة الملكية العراقية بشروط الإلحاق لعصبة الأمم المتحدة لم تكن جادة، بل كانت بمثابة الجسر لعبور الدولة العراقية الفتية إلى قبولها في المجتمع الدولي من خلال عضويتها في عصبة الأمم المتحدة، وتم لها ذلك عام 1932. وهناك عشرات الأمثلة الصارخة لتنصل الحكومة الملكية من وعودها، ومن خلال عريضة احتجاج قدمتها بعض الوجوه البارزة من الكورد إلى المعتمد السياسي البريطاني يشكون فيها من مماطلة الحكومة العراقية لتنفيذ وعودها للعصبة وإهمال حقوق الكورد في معاهدة 1930 هي خير شاهدة على المماطلة والتنصل من جانب الحكومة العراقية لوعودها ومسؤوليتها في آن. ومن ضمن ما جاء في العريضة : " منذ حلّ البرلمان وإعلان نص المعاهدة الإنكليزية ـ العراقية الجديدة من قبل الوزارة الحاضرة، وجد الكورد أن حقوقهم كلها قد أهملت بهذه المعاهدة، ورأى الكورد بصورة جلية أنه بعد تصديق المعاهدة المذكورة، سيدخلون تحت سيطرة العرب بلا قيد وشرط، الأمر الذي لا يتفق وقرار عصبة الأمم ويخالف رغبة الكورد في نفس الوقت، وعليه ثار الكورد من زاخو إلى خانقين " ( 16) وجاءت في العريضة المقدمة بعض المطالب ونذكر منها المطلب الأول ذلك لتأكيد الحدود الجغرافية لكوردستان العراق " تشكيل دولة كوردية ضمن الحدود الطبيعية الممتدة من زاخو إلى ما وراء خانقين، وتخلية هذه المنطقة من قبل العرب عسكرياً ومدنياً، وتسليمها إلى الحكومة الكوردية " (17 ).
تقدر مساحة كوردستان العراق بما يقارب 79000 ألف كيلوا متراً مربعاً وقد مورست سياسة التطهير العرقي في أكثر من 30000 ألف كم، ومن خلال المقارنة بين الأراضي الكوردستانية المحررة والتي تدار من قبل الإدارة الكوردية في ظل حماية دولية وبين المساحة الفعلية لكوردستان العراق وعند التمعن في خرائط العراق وكوردستان وخاصة خريطة كوردستان العراق المرسومة من قبل لجنة من المختصين بعلم الجغرافية في جامعة السليمانية في تاريخ 11-3-2000 نرى بأن ما يقارب 40 % من مساحة كوردستان العراق شوهت معالمها وحصل تغيير كبير في واقعها القومي على طول كوردستان من مدينة بدرة مروراً بأجزاء مهمة من مندلي إلى خانقين وطوز خورماتوا وكركوك ومخمور، ديبكه، صعوداً إلى " شنكال " سنجار وهذه الأخيرة المدينة التاريخية التي كانت على مر العصور معقلاً للكورد من أتباع الديانة الإيزيدية ضد الغزاة ورّد عدوانهم، وتذكر لنا مدونات التاريخ صمود أبناء هذه المنطقة خاصة في القرون الأخيرة ضد التوسع الصفوي من جهة والعثماني في مراحل أخرى، ففي هذه المناطق الحيوية من كوردستان العراق والغنية بالثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط مورس أبشع أنواع سياسة التطهير العرقي بحق السكان الكورد من قلع واجتثات من مناطقهم الأصلية والرمي بهم إلى المناطق الوسطى والجنوبية من العراق، ومن كان يفضل الرحيل إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الكوردية تحجز أمواله المنقولة وغير المنقولة ويجرد من جميع الوثائق الرسمية من شهادة الجنسية العراقية وهوية الأحوال المدنية ودفتر الخدمة العسكرية أو أي شيء آخر يثبت شخصيتة ومسقط رأسه، ليس هذا وحسب بل يُجبر المرحل بتقديم عريضة يذكر فيها بأنه هو الذي يطلب الترحيل وعلى الشكل التالي:
السيد محافظ التأميم المحترم.
م | طلب
أني المواطن ...... نزحت إلى محافظة التأميم بعد صفحة الغدر والخيانة وأطلب إعادتي إلى منطقة كردستان للحكم الذاتي ومن حيث أتيت وعلى رغبتي وبدون أكراه
المواطن ...
وفي محاولة يائسة من جانبها للتعتيم على سياساتها الشوفينية بحق أبناء هذه المدينة المنكوبة أصدر محافظ التأميم كتاب سري إلى الجهات الأمنية لتغيير تسمية الترحيل إلى ضبط السكن كما مبين أدناه .
صورة من كتاب سري من محافظ التأميم إلى أعضاء اللجنة الأمنية في المحافظة :
جمهورية العراق محافظ التأميم
اللجنة الأمنية العدد / 101
سري للغاية
إلى / كافة أعضاء اللجنة الأمنية
التاريخ : 2 / 2 / 2002
نسب السيد المحافظ إطلاق تسمية ضبط السكن بدل من تسمية " الترحيل " والخاصة لمناطق الحكم الذاتي مع الترحيل الطوعي للعمل بموجبها وبكل دقة .
الفريق الركن قيس عبد الرزاق حمد جواد
محافظ التأميم
رئيس اللجنة الأمنية
أما القلة الباقية من الكورد كان يسمح لهم بالبقاء في مدينة كركوك فقط شريطة أن يغير قوميته إلى العربية حسب القوائم التي وزعها النظام التي تسمى" قائمة تصحيح القومية ". فنظام صدام المخلوع لم يدخر وسعاً ولم يترك فرصة سانحة إلا واستغلها لتطبيق سياسة التعريب المبرمجة حسب خطة مدروسة وتم تنفيذها على مراحل باتقان.
وصلت الحالة في بعض المناطق الكوردستانية وعلى سبيل المثال في منطقة شيخان التابعة لقضاء سنجار، حيث أغُتصبت أراضي وقرى الفلاحين الكورد من مسلمين وإيزديين وأعطيت للعشائر العربية، بينما حجز هؤلاء الكورد في مجمعات قريبة لا حول لهم ولا قوة ومن أراد العمل فكانت الفرصة الوحيدة أمامه هو العمل في أرض آبائه وأجداده كعامل مأجور عند " المالك" الجديد مقابل أجر بسيط .
فسياسة التطهير العرقي في الأراضي الكوردستانية التي كانت لا تزال تحت قبضة نظام صدام
كانت تجري بدون توقف وعلى كل المحاور والجبهات في معركة غير متكافئة، من تغيير الأسماء التاريخية الكوردية للمناطق والأحياء والمحلات وحتى الوديان والجبال وباقي معالم المنطقة إلى أسماء عربية إسلامية أو أسماء لمدن فلسطينية في محاولات خبيثة معروفة ما القصد منها، وحتى المقابر لم تسلم من سياسة التعريب فبين الحين والآخر كانت الجرافات تزيل بعض الأجزاء من المقابر الكبيرة وإزالة مقابر أخرى بكاملها وذلك لمحو أي أثر للكورد في هذه المدينة، وكان الإنسان الكوردي يقف أمام هذه السياسة وجبروت النظام وإمكانياته الإعلامية الهائلة لتضليل الرأي العام العراقي والعربي خاصة وعنفه اللامحدود حائراً عاجزاً لا حول له ولا قوة سوى طرق أبواب المنظمات الإنسانية والشخصيات المساندة لحقوق الإنسان وعرض مظالمه في المحافل الدولية عسى أن يستطيعوا إيقاف هذه السياسة الخطيرة بحق البشرية والإنسانية.
كوردستانية كركوك وسياسة التعريب:
أود بداية أن أشير بأنه لا غبار مطلقاً على كوردستانية كركوك، ليس حسب الادعاءات الكوردية، بل حسب الوثائق الدولية والحقائق التاريخية والخرائط المعتمدة، وهذا لا يعني بأن المدينة كوردية صرف، بل تعتبر كركوك مدينة تآخ ٍ لتعايش القوميات بكورده وعربه وتركمانه والمسيحيين بكافة طوائفه.
كانت كركوك في العهد العثماني مركز ولاية شهرزور التي كانت تضم مناطق واسعة من كوردستان بما ضمنها راوندوز وأربيل وكويسنجق وشقلاوة وبشدر ورانية، قبل أن تصبح أربيل محافظة بحد ذاتها، واقتطاع راوندوز وشقلاوة وكويسنجق وبشدر ورانية إلى هذه المحافظة الجديدة. وكانت الجهات الدولية والعراقية تتعامل مع كركوك كجزء من كوردستان العراق، مما حدا بالملك فيصل الأول أن يستفسر من المندوب السامي عن حدود مملكته، فأرسل الأخير استفسار الملك فيصل إلى لندن، فجاء الجواب يؤكد على حدود الإقليم الكوردي الذي يبدأ حدوده الجنوبية من سلسلة جبال حمرين إلى جنوب خط بروكسل وهي الحدود الحالية بين العراق وتركيا، وهذا ما يؤكد حقيقة كوردستانية كركوك بالنسبة لنا من جانب آخر.
وأكدت الإحصائية التي أجرتها لجنة عصبة الأمم المتحدة إلى كوردستان العراق، " ولاية الموصل " غالبية الكورد في هذه المدينة.
أشارت إحصائية اللجنة عام 1925 إلى أن التوزيع السكاني لمدينة كركوك من الوجهة القومية هو على الوجه التالي :
الكورد 87500 63 % من سكان كركوك
التركمان 26100 19 % من سكان كركوك
العرب 25250 18 % من سكان كركوك
أما إحصائية الحكومة العراقية في نفس العام أشارت إلى:
الكورد 81400 59.5 % من سكان كركوك
التركمان 28741 21 % من سكان كركوك
العرب 26625 19.5 % من سكان كركوك
لا يمكن التعويل على الإحصائيات التركية، وذلك للتزوير الفاضح والمكشوف، والأرقام الفلكية التي قدمتها لعدد نفوس الترك، فمثلاً ذكرت بأن هناك أكثر من ثلاثين ألف تركي في مدينة السليمانية بينما الحقائق التاريخية تذكرلنا بأنه لا يوجد هناك تركي واحد في مدينة السليمانية الكوردية الصرف .
ومن الوجهة التاريخية نرى العشائر الكوردية تحيط بالمدينة من كل الجوانب، كـ عشيرة الجباري، طالباني، داووده، زه نكنه، شيخ بزيني، جاف، هموند، شوان، وغيرها كثيرة، ولكل هذه العشائر إمتداداتها إلى داخل المدينة.
وكانت غالبية المناطق تحمل الأسماء الكوردية بما فيها الوديان والتلال وباقي معالم المدينة، وهناك أيضاً بعض العشائر التركمانية والعربية في ضواحي المدينة لكنها قليلة قياساً بالعشائر الكوردية.
ومن الدلائل التي تدل على كوردستانية كركوك مثلاً : بأن " دارا بك " رئيس عشيرة الداوده الكوردية " الداوودي" هو أول نائب منتخب عن كركوك ليمثل المدينة في المجلس التأسيسي عام 1924 .
ومن الجدير بالذكر أيضاً بأن أول محافظ " متصرف " لهذه المدينة هو الشخصية الكوردية أمير اللواء " فتاح بن سليمان باشا المعروف بـ فتاح باشا " عين على أثر تأليف الحكومة العراقية، متصرفاً للواء كركوك في آب 1921 فشغل المنصب نحواً من أربعة أعوام إلى سنة 1924( 18).
وكان غالبية النواب عن كركوك في العهد الملكي أي قبل سياسة التعريب بشكلها السافر بعد انقلاب شباط الأسود عام 1963 هم من الكورد وعلى سبيل المثال لا الحصر، ففي شباط عام 1937 انتخب أحمد الكركوكي نائباً عن كركوك في مجلس النواب وجدّد انتخابه في كانون الأول ديسمبر 1937 وفي أعوام 1935 ـ 1939 انتخب فائق طالباني نائباً عن كركوك. كما انتخب الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ حميد بن عزيز طالباني في أعوام 1943 ـ 1948 . وكذلك بالنسبة للشخصية الكوردية " أمين رشيد آغا من رؤساء قبيلة هموند عام 1939، ويشير المحامي والمؤرخ المعروف عباس العزاوي بأن أمين رشيد آغا الذي جاء ذكره أعلاه انتخب نائباً عن كركوك في أعوام 1940 ـ 1947 ( 19) .
في المجلد الخامس من موسوعة الإعلام المتكون من ستة مجلدات للعلامة الشهير شمس الدين سامي، الذي ألف هذه الموسوعة القيمة في العام 1314 هـ 1896 م باللغة التركية طبعة اسطنبول يذكر في الصفحة 3842 : كركوك بأنها من المدن الكوردية الكبيرة، المسكونة من قبل الكورد، التي تقع في قلب كوردستان. كما أشار بأن ثلاثة أرباع سكانها من الكورد والباقي من الترك وأقوام أخرى ( 20) .
كما لاحظنا بأن كركوك تقع ضمن جغرافية كوردستان في الكثير من الخرائط القديمة والحديثة منها سواء الأطالس أو المعاجم والموسوعات، وعلى سبيل المثال الخريطة الموجودة في الموسوعة السويدية السنوية تذكر كركوك بأنها من المدن النفطية المهمة التي تقع ضمن جغرافية كوردستان. (21 ) . وفي تحقيق أعده الأستاذ أحمد طالب المقيم في الدنمارك وجد وحسب انسكلوبيديا " دائرة المعارف " بلدان أوربا وأمريكا بأن كركوك تقع ضمن كوردستان العراق وفيما يلي عرض لوضع كركوك في هذه الموسوعات:
في أحدث طبعة لها عرّفت الانسكلوبيديا الدانمركية " الكبيرة والشاملة " مدينة كركوك، كالآتي : " كركوك، هي مدينة حقول النفط، تقع في شمال شرقي العراق، وهي جزء من كوردستان، تقع على مسافة 250 كم شمالي بغداد، تحتوي حقول نفط كركوك حسب التقديرات على زهاء 7،5% من أجمالي الاحتياطي النفطي العالمي. تمتد أنابيب النفط في كركوك إلى سورية ولبنان وتركيا، ألا أن الحصار المفروض من قبل الأمم المتحدة على العراق أدى إلى الانخفاض في معدلات إنتاج النفط في حقول كركوك، كما وتقع كركوك على أطراف سلسلة جبال زاغروس، ويبلغ عدد سكانها " 500,000 " نسمة، كان معظم سكانها سابقاً من الكورد، بينما بدأ عدد الكورد فيها بالتقلص منذ عام 1970 مقابل أزدياد عدد السكان العرب ( 22).
وجاءت كركوك في الانسكلوبيديا النرويجية بأنها : مدينة في كوردستان العراق، وتقع في نهايات جبال زاغروس على مسافة 230 كم شمال بغداد، عدد سكانها حسب إحصاء عام 1970 هو 207900 نسمة، وهي مركز تجاري مهم لكوردستان، تضم أكبر حقول النفط في العراق ( 23).
وبعد تعريف دقيق ووافي لمدينة كركوك في الانسكلوبيديا الألمانية، ذكرت: كركوك، بأنها ضمن كوردستان تاريخياً، وقد وقعت كل من كوردستان والعراق تحت سطوة العثمانيين عام 1638، كما وقعت كركوك تحت سيطرة البريطانيين أبان الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1927 اكتشف فيها أكبر حقل نفطي في العراق (24 ).
وضمت الانسكلوبيديا السويدية خارطة كوردستان، وميّزت كركوك بلون فارق، ودرجتها ضمن أطار خارطة كوردستان كإحدى مدنها ( 25).
أما بالنسبة لانسكلوبيديا جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ذكرت كركوك على الشكل التالي : إن عدد سكان مدينة كركوك حسب إحصائية عام 1987 هو " 418624 " نسمة، وهي مركز الصناعة النفطية العراقية، تتصل بالموانئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط بواسطة أنابيب النفط، تراجع إنتاج النفط فيها بعد عام 1980 بسبب الحرب العراقية ـ الإيرانية، تعتبر كركوك سوق مهمة في المنطقة، من محاصيلها الزراعية، الحبوب، الفواكه والقطن .. ألخ
كما يوجد في المدينة معمل للسجاد، فيها بعض الآثار التي تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد ، غالبية سكان المنطقة هم من الكورد ( 26).
وعرّفت الانسكلوبيديا البريطانية كركوك بأنها : مدينة تقع في شمال شرقي العراق، على مسافة 145 ميلاً 233 كم للشمال من بغداد " العاصمة الوطنية " تربطها ببغداد طرق برية وخطوط سكك الحديد، وتقع كركوك بالقرب من سلسلة جبال زاغروس في أقليم كوردستان العراق، القسم القديم من المدينة يوجد في أطراف القلعة التي بنيت في عهد الآشوريين في القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد (27 ).
وجاءت كركوك في انسكلوبيديا مؤسسة ( MICROSFT ) الاميركية : " كركوك مدينة تقع في الشمال الشرقي من العراق، هي مركز إقليم كركوك، وتوجد فيها أغنى حقل نفطي في العراق، الخط الرئيس لأنابيب النفط العراقية تنطلق من كركوك صوب سواحل البحر الأبيض المتوسط، كما أنها مركز تجاري مهم في المنطقة بسبب وفرة المحاصيل الزراعية ( حبوب فواكه ومواش ) وقد عثر في كركوك على بقايا حضارة قديمة تعود إلى 3000 سنة، تراجع عدد سكانها من الكورد بشكل ملحوظ بعد عام 1980 بسبب أتباع سياسات معينة من جانب الحكومة العراقية هادفة إلى طرد الكورد منها وتوطين آخرين مكانهم، رغم أنها مركز ثقافي كوردي، عدد سكان كركوك حسب إحصائية عام 1987 هو ( 418,624 ) نسمة ( 28).
وتقول موسوعة " منْ ؟ ماذا ؟ وأين ؟ " حول كركوك :
" كركوك مدينة في شمال العراق، أصبحت منذ ثلاثينيات القرن العشرين مركزاً مهماً لازدهار الصناعة النفطية العراقية، معظم سكانها من الكورد، ولكن توجد في المدينة أقليات أخرى منها التركمان، نشبت في عام 1959 حرب دامية بين الكورد والتركمان على السلطة السياسية في المدينة، انتهت تلك الحرب لصالح الكورد. وقد أصر القادة الكورد دائماً على أن كركوك هي جزء من كوردستان العراق أثناء المفاوضات مع الحكومات العراقية، فيما رفضت تلك الحكومات دائماً على أن تكون كركوك جزء من المناطق الكوردية (29 ).
كما جاء في الموسوعة العربية العالمية عن كركوك: وتعد كركوك عاصمة المجموعات الكوردية في شمال العراق .( 30) واعتبرت الموسوعة العربية الموجزة في صفحتها 449 كركوك من المدن الرئيسية في كوردستان العراق.
وقد بعث المؤرخ محمد أمين زكي بك، الذي كان وزيراً للمواصلات أبان الحكم الملكي في العراق بمذكرتين للملك فيصل الأول عام 1930 يعرض فيهما المظالم الكوردية، ومذكراً إياه الوعود التي قطعتها الحكومة العراقية والحكومة البريطانية لعصبة الأمم بشأن حقوق الكورد، مقابل إلحاق الولاية بالعراق كما ذكرنا أعلاه، فالأرقام الواردة عن النسب السكانية لسكان كركوك هي كالآتي: الكورد 51 % التركمان 21,5 % والعرب 20 % ، كلدان آشوريين ، سريان ، يهود ، أرمن وغيرهم 7,5 % ( 31).
وأظهرت نتائج إحصائية عام 1957 التي تعتبر من أدق الإحصائيات، " بالرغم من بعض التجاوزات " ( 32). بأن الكورد هم الغالبية العظمى في محافظة كركوك وجاء فيها بأن الكورد يشكلون 48 % و 28 % للعرب و 21 % للتركمان فمن خلال الأرقام الواردة نكتشف مدى تأثير سياسة التعريب على الوضع السكاني في كركوك في حين كان الكورد قبل سبعة عشرة عاماً 51 % وعلى عكس الوضع الطبيعي لنمو السكان نجد بأن عددهم قد تناقص بنسبة 3 % بينما أرتفع العنصر العربي إلى 28 % وكذلك بالنسبة للتركمان الذين تناقص عددهم بنسبة 0,5 % ويعود الفضل في هذا الارتفاع للعرب إلى المرحلة الأولى من سياسة التعريب في عام 1935 الذي أشرنا إليه أعلاه .
نفذ النظام برنامجه في مسارين أحدهما بجلب العرب من مناطق الوسط والجنوب مقابل مغريات مالية ضخمة وإسكانهم، والمسار الثاني كان يجري متزامناً مع المسار الأول بترحيل وتهجير القرى الكوردية المحاذية للمدينة والاستحواذ على أراضيهم وأملاكهم وتوزيعها على العشائر العربية الموالية له من أبناء الطائفة السنية خاصة. ويستدل من هذا على أن النظام العراقي المخلوع إعتبر سياسة التعريب من أولويات سياسته لتغيير الطابع الديمغرافي للمنطقة لصالح القومية العربية وعلى حساب الكورد بالدرجة الأساس باعتبارهم الحلقة الاقوى في كركوك، ومن ثم التركمان وفي بعض الأحيان شمل الكلدوآشوريين أيضاً. ما يعتبر أنتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان التي تتناقض مع لائحة حقوق الإنسان وتوصيات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات.
خلال الفترة من 24 تشرين الأول وتشرين الثاني من عام 1972 نشرت صحيفة التآخي " الجريدة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني " سلسلة مقالات تحت عنوان " نحو السلام والوحدة الوطنية وتنفيذ اتفاقية 11 آذار 1970 " ردت فيها على التهم التي وجهها حزب البعث وجريدة الثورة " صحيفة الحزب الحاكم " إلى الحركة التحررية الكوردية، وأعلنت التآخي في إحدى مقالاتها " أن الحكومة العراقية لا تزال تمتنع عن إعادة الموظفين الكورد في القطاع الإداري وشركة نفط والمعلمين الكورد الذين سبق أن فصلهم من وظائفهم بسبب هويتهم الكوردية وتقصد وبعد أكثر من عام واحد على توقيع الاتفاقية تمتنع من إعادتهم إلى مناطقهم ووظائفهم في كركوك، ويعتبر هذا العمل بلا شك، خرقاً لبنود اتفاقية آذار 1970 " ( 33)
في ناوبردان حيث كانت الجولة الأولى من مفاوضات عام 1970، دار الحديث حول المنطقة التي سيشملها الحكم الذاتي وحدودها. فانبرى عبدالله سلوم السامرائي قائلاً أن كركوك عربية، فابتدره الزعيم الوطني الراحل ملا مصطفى البرزاني قائلاً: من أنت لتقول إن كركوك عربية، ونهض وهم بالخروج وهو يقول لا يضمني مجلس فيه هذا الشخص، وتشبث به الحاضرون ولم يعد إلا بعد إصراره على خروج السامرائي من قاعة الاجتماع، فتم له ذلك ثم جرت المصالحة، واتفق الجانبان على عدم الاعتراف بأي تواجد سكاني حصل في المناطق المذكورة بعد إحصاء 1957 السكاني العام، والقصد الأساسي منه تحديد هوية كركوك دون ذكرها بالاسم ( 34).
أخذت سياسة التعريب لمحافظة كركوك بعد انقلاب 17 تموز 1968 أبشع صورة، وأكثرها خبثاً، حيث بدأت السلطات بتغيير واقع المدينة القومي ذات الأغلبية الكوردية من عدة جوانب، وعلى مراحل حسب خطة مدروسة، وتم تنفيذها بإتقان.
إذا كان العثمانيين الأتراك السنة، والصفويين الشيعة " القزلباش" قد شجعوا رعاياهم للهجرة والمكوث في ربوع تلك الديار. وإذا كانت الحكومات في العهد الملكي عمدت إلى توطين العشائر العربية الرحالة الجبور والعبيد في سهل الحويجة، وإذ مارس إنقلابيو شباط 1963 ترحيل وتهجير القرى المحيطة بالمدينة، فإن الانقلابيين الجدد في 1968 بدءوا بتطبيق سياستهم المبرمجة لتعريب كركوك، والتي لم تشهد المنطقة لها مثيل على مر التاريخ، تم أولاً نقل موظفي الأحوال المدنية وجئ بغيرهم وقد زودوا بتعليمات معينة حول العبث بسجلات النفوس ( 35) .
وتغيير الأسماء التاريخية للأحياء والمناطق إلى أسماء عربية، وترحيل السكان الأصليين للمدينة من الكورد في المرحلة الأولى ومن ثم شمل الترحيل التركمان أيضاً، وجلب العرب من وسط وجنوب العراق محلهم، وسلخ الاقضية ذات الأغلبية الكوردية من المحافظة وإلحاقها بمحافظات أخرى بعيدة عنها، وتهديم الأحياء الكوردية بحجة فتح شوارع جديدة، وبناء أحياء سكنية جديدة للمستوطنين الجدد من العرب في قلب الأحياء الكوردية، فمثلاً تم تدمير أكثر من ثلاثة آلاف منزل يقطنها كورد في حي الشورجة الكوردية الصرف، وتعويضهم بمبالغ رمزية لا تكاد تكفي حتى لشراء قطعة أرض سكنية أخرى، وأن استطاع أحدهم شراء قطعة أرض، فالأوامر الصادرة من أعلى السلطات كانت تمنع حصولهم على حق التمليك ( الطابو) وعدم إعطاء تراخيص البناء من البلدية حسب القوانين المتبعة مع باقي أجزاء العراق.
وفي المقابل كان يمنح عشرة آلاف دينار( 36) عراقي للعربي الذي ينقل سجل نفوسه من مسقط رأسه إلى كركوك مع قطعة أرض سكنية وتوظيفه في دوائر الدولة، وأغلبهم من أفراد شرطة الأمن والاستخبارات، وحصوله بشكل روتيني على القرض العقاري بفوائد رمزية من أجل البناء والسكن في كركوك، ناهيك عن الأمتيازات التي يحصل عليها باعتباره مواطن درجة أولى، وسمي هؤلاء لدى الأهالي في كركوك بـ " جماعة العشرة آلاف" .
كما تم بناء دور وأحياء جديدة في قلب الأحياء الكوردية مثل، رحيم آواه الذي غير أسمه على حي الأندلس، وشورجة إلى حي قتيبة، وآزادي، أسكان، أمام قاسم، وغيرها وتمليكها للوافدين كما كان النظام يطلق عليهم ومن ثم غيّر الاسم إلى المستفيد. حسب المعلومات المتوفرة لدينا بأن الدور السكنية التي شيدت للمستوطنين من وسط وجنوب العراق إلى منتصف الثمانينيات حوالي 55000 ألف دار وقطعة سكنية وزعت على المناطق الكوردية داخل المدينة وضواحيها وبأسماء عربية مثل حي المثنى، البعث،الواسطي، حي الشرطة، ودور العمل الشعبي، الأشتراكية، غرناطة، الحجاج، الحرية ، العروبة، دور الأمن، حي قتيبة، وأخرى كثيرة غيرها .
وإن أحد قرارات مجلس قيادة الثورة في العراق وهي ـ أعلى سلطة تشريعية في العراق ـ مذيل بتوقيع رئيس الجمهورية العراقية.
وهو القرار 529 في 23 ـ محرم 1410 هـ 24 ـ 8 ـ 1989 م . يقول :
" استناداً إلى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور .
قرر مجلس قيادة الثورة ما يلي:
أولاً: يحق للعراقيين من غير سكنة محافظات الحكم الذاتي تملك قطعة أرض سكنية في مناطق الحكم الذاتي وفق السياسات المتعلقة بتوزيع قطع الأراضي السكنية للمواطنين بالإضافة إلى ما يمتلكه في مسقط رأسه ويشمل بقرض المصرف العقاري استثناءً.
ثانياً: يحق للعراقيين من سكنة منطقة الحكم الذاتي تملك قطعة أرض سكنية في مدينة بغداد والمحافظات الأخرى عدا محافظات ( نينوى، التأميم، ديالى ) بالإضافة إلى ما يمتلكه في مسقط رأسه ويشمل بقرض المصرف العقاري استثناءً.
ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية" .
لا حظ هنا التمييز العنصري الواضح في سياسة الحكومة العراقية بحق الكورد، وهذا يؤكد لنا بأن مسؤولية سياسة التعريب تقع بالدرجة الأولى على عاتق أعلى هرم السلطة في العراق وتدخل ضمن الجرائم المنظمة بحق البشرية وسياسة التطهير العرقي الذي يحاسب عليه القانون الدولي.
وخلال عشرين سنة فقط أي ما بين إحصائية 1957 وإحصائية 1977 حصل تغيير كبير لواقع السكان، وبموجب إحصاء عام 1977 يتبين لنا التغيير الذي حصل فقفز عدد العرب من28,5 % إلى 44,4 % وتناقص عدد الكورد إلى 37,33 % وكذلك للتركمان، وبلغت نسبتهم 16,31 %
كل هذا كان يجري متزامناً مع ترحيل وتهجير القرى المحيطة بالمدينة تحت ذريعة ملاحقة ( العصاة ) البيشمركة، ومن أجل إكمال ما خطط له لتغيير الواقع القومي لمحافظة كركوك بدأت المرحلة التالية: والتي تتمثل بعملية تقطيع أوصال المدينة، وسلخ الأقضية الكوردية الملحقة إدارياً بكركوك، وإلحاقها بمحافظات بعيدة عنها، مثلما حدث لقضاء طوز خورماتو التي إلحقت بمحافظة تكريت، كما تم سلخ قضاء جمجمال الكوردي الصرف من جسد كركوك لتلحق بمحافظة السليمانية، وقضاء كلار إلى محافظة ديالى، وقضاء كفري إلى السليمانية، كل ذلك من أجل تقليل نسبة نفوس الكورد في هذه المحافظة ذات الغالبية الكوردية المنكوبة التي لا يختلف اثنان من المنصفين على كوردستانيتها.
ومن أجل أستكمال طمس هوية كركوك بادرت الحكومة العراقية إلى تغيير أسمها التاريخي من كركوك إلى محافظة التأميم في 29ـ1ـ1976 بموجب المرسوم الجمهوري رقم 41 . وهذه التسمية الجديدة بعيدة كل البعد عن ما روج له النظام لربطه بعملية تأميم شركات النفط الأجنبية ولا تتماشى أيضاً مع تغيير أسماء المحافظات الأخرى التي أختير لها أسماء بوقائع تاريخية مشهورة كمحافظة الناصرية الذي غيرّ أسمه إلى ذي قار تيمناً بمعركة ذي قار والموصل إلى نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية قبل الميلاد.
ونتج عن هذه السياسة الشوفينية وكما ذكرت أعلاه إلى منتصف الثمانينيات ترحيل وتهجير 37726 عائلة كوردية وذهب معظمهم ضحايا مجازر الأنفال المريعة، وأن حصيلة التدمير للقرى الكوردية خلال تلك الفترة فقط بلغت 779 قرية، 493 مدرسة، 598 مسجد، 40 مستوصف، ( 37) .
وبالرغم من الهزيمة النكراء التي ألحقت بالنظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية، وخسائره البشرية والمادية التي لا تعد ولا تحصى، وشل مؤسسات الدولة، لا سيما بعد الانتفاضة التاريخية للشعب العراقي في آذار عام 1991، استمرت سياسة التعريب بعد ذلك وبصورة أكثر شوفينية، فما بين الأعوام 1991 ـ 2000 هجر النظام ورحل 15735 عائلة كوردية بلغ عددهم 93419 إنسان ( 38). كما زار نائب مجلس قيادة الثورة العراقي نائب القائد العام للقوات المسلحة عزت الدوري كركوك في 10ـ9ـ2000 وأكد على إجراء مسح نهائي لمحافظة كركوك للسكان غير العرب في لقائه محافظ كركوك الفريق نوري علوان وتخيير القلة المتبقية من الكورد بين تغيير قوميتهم إلى العربية أو الرحيل عن كركوك ( 39) . وخلال العامين الأخيرين هجر النظام الآلاف
من أبناء المدينة إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة الإدارات الكوردية، وجرى التعامل مع المرحلين والمهجرين ومسألة كركوك والقضية الكوردية بشكل عام بأسلوب يمكن أن يطلق عليه بـ " استعماري كلاسيكي " حيث لم نلاحظ أن تعامل نظام ٍ ما مع مواطنيه بهذه الدرجة من القساوة والتهميش وتطبيق سياسة الأرض المحروقة
الهوامش:
1ـ نصت اتفاقية سايكس ـ بيكو المبرمة سراً بين بريطانيا وفرنسا عام 1916 على إعطاء ولايتيْ بغداد والبصرة إلى بريطانيا وعلى أن تكون ولاية الموصل من حصة فرنسا. إن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن هاتين القوتين العظمتين آنئذ لم تنظرا للعراق بوضعه السياسي الحالي كوحدة جغرافية موحدة، وإلا كانت الولايات الثلاث التي شكلت منها فيما بعد الدولة العراقية، قد أصبحت من حصة إحدى هاتين الدولتين. كتابنا . كركوك ـ رحلة في ذاكرة التاريخ، ترجمة وإعداد عوني الداوودي مراجعة وتقديم نوري طالباني، مطبعة نينا ، أوبسالا، السويد الطبعة الأولى 2002 .
2ـ مشكلة ولاية الموصل، دراسة في الدبلوماسية العراقية ـ الإنكليزية ـ التركية وفي الرأي العام ، الدكتور فاضل حسين ، الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ، بغداد 1977 .
قدم الجنرال شريف باشا ممثلاً عن الكورد في معاهدة الصلح في باريس عام 1919 المطالب الكوردية لتأسيس الدولة الكوردية حالها حال الشعوب الأخرى التي كانت ترزح تحت حكم النير العثماني، فكانت ولاية الموصل من ضمن المطالب التي تقدم بها الوفد الكوردي أي كوردستان الجنوبية والتي تمتد جنوباً إلى مرتفعات حمرين وذكرت كركوك بالاسم من ضمن المدن الكوردستانية التي يجب أن تلحق بالدولة الكوردية التي يطالب بها الكورد . وهذا بحد ذاته يفند الادعاءات غير الكوردية التي تقول بأن المطلب الكوردية بكوردستانية كركوك هي من أجل آبار النفط الموجودة فيها، ومن الجدير ذكره بأن اكتشاف النفط في كركوك وحفر أول بئر فيه كان عام 1927 أي بعد مؤتمر الصلح بثمانية أعوام ، الكاتب .
3ـ المصدر السابق .
4 ـالمصدر السابق .
5ـ تاريخ الوزارات العراقية ، الجزء الثاني، عبد الرزاق الحسني. وكذلك مشكلة ولاية الموصل، الدكتور فاضل حسين .
6 ـ كركوك ـ رحلة في ذاكرة التاريخ ، ترجمة واعداد عوني الداودي مراجعة وتقديم الدكتور نوري طالباني ، مطبعة نينا ـ أوبسالا ـ السويد .
7 ـ المصدر السابق
8 ـ الكويت جزء من الجزيرة العربية، المؤرخ العلامة أحمد عادل كمال، الزهراء للإعلام العربي . الطبعة الأولى 1991 .
9 ـ المصدر السابق .
10ـ كوردية كركوك في ظل الحقائق التاريخية ـ والجغرافية، جريدة خبات العدد 1086 الجمعة 12ـ7ـ2002 .
11ـ ترجمة فيان عبد الستار طاهر .
12ـ قلبت كتاب موسوعة التاريخ الحديث" 1789 ـ 1945 " في جزئيه الأول والثاني تأليف " آلان بالمر " ترجمة سوسن فيصل ويوسف محمد أمين ومراجعة الدكتور محمد مظفر الأدهمي ، دار المـأمون للترجمة والنشر ، بغداد ـ 1992 ، ومررت على تاريخ المنطقة في الموسوعة وعلى الاتفاقيات التي حصلت قبل وأبان وبعد الحرب العالمية الأولى منها مؤتمر الصلح واتفاقية سيفر ولوزان ووصايا ولسون الأربعة عشر للسلام العالمي وغيرها ، التي كانت القضية الكوردية واحدة من النقاط المهمة في هذه الاتفاقيات، وللأسف لم أعثر على أي أثر للكورد في هذا المجلد الضخم ، ومحصلة القول هو في عدم الخلل في بناء الموسوعة لمؤلفه القدير، بل في الترجمة التي تمت في العراق وبأشراف الدكتور محمد مظفر الادهمي والذي له مؤلفات قيمة نقدرها، لكن وضعه السياسي كعضو في البرلمان العراقي في عهد صدام وتماشياً مع السياسة المرسومة لمحو أي أثر للكورد في العراق هو الذي جعل أن لا تأتي الترجمة دقيقة، حيث جاء مقص الرقيب على حساب الوفاء للمهنة وتقديم مادة علمية رصينة تخدم الباحثين والقراء، هذه واحدة من عشرات بل مئات المحاولات في التزوير والتحريف الذي مارسته تلك الحكومات غير المسؤولة أمام التاريخ والبشرية والأجيال اللاحقة .
13ـ حسب المصادر التاريخية يعتبر الكاشيين والكوتيين والكاردوخيين أجداد الكورد القدماء ، للمزيد راجع خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان للعلامة محمد أمين زكي وكذلك العراق الشمالي للدكتور العالم شاكر خصباك ومؤلفات أخرى كثيرة لا يسع المجال هنا لذكرها .
14ـ تاريخ العراق بين إحتلالين الجزء الأول ص200 المحامي عباس العزاوي ، منشورات الشريف الرضي قم ـ إيران
15ـ ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي ـ تيخونوفا ـ دار التقدم موسكو . للاستزادة حول الدور التخريبي لأفكار ساطع الحصري راجع التأثيرات التركية على المشروع القومي العربي ، للباحث العراقي حسن العلوي . 16ـ تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ، الطبعة السابعة ، عبد الرزاق الحسني .
17ـ المصدر السابق
18 ـ مير بصري ، أعلام الكورد ، الطبعة الأولى ديسمبر 1991 .
19 ـ عباس العزاوي ، عشائر العراق ، الجزء الثاني ص79 .
20 ـ MULTIETHNICA Uppsala universitet Nr 26-27 Juli 2000 وانظر كذلك منطقة كركوك وكحاولات تغيير واقعها القومي ، الدكتور نوري طالباني لندن 1990 .
21 ـ NÄR VAR HUR , Debatt , Fakta , Händelser 1975
22 ـ وذلك نتيجة سياسة التعريب المبرمجة التي أنتهجتها الحكومات العراقية المتعاقبة ، وخاصة بعد إنقلاب شياط 1963 .
تقع الموسوعة الدانمركية الرئيسة في 20 مجلداً، بدأ العمل بها عام 1994 وفي 16| 10| 2002 انتهى العمل من المجلد العشرين ، شارك في وضع وإعداد هذا العمل الضخم أكثر من 300 مختص في صياغة الانسكلوبيديا، كما تم تحضيرها بإشراف 8 أساتذة بدرجة بروفيسور و 6 مدراء عامين و 36 مديراً فنياً ، مادة كركوك ، المجلد العاشر ص 560 .
23 ـ انسكلوبيديا النروج الرئيسة، الطبعة الأولى، المجلد 8 ص 238 .
24ـ الموسوعة الألمانية الرئيسة، الطبعة الأخبرة ص 35 ، حرف الكاف .
25 ـ الموسوعة السويدية الرئيسة ، طبعة 1970 المجلد 2 ص 235 .
26ـ موسوعة جامعة كولومبيا " الولايات المتحدة الأمريكية " الطبعة الأخيرة 2000 على شبكة الأنترنيت (www.encyclopedia.com (
27ـ الموسوعة البريطانية ( Britannica Encyclopedia) الطبعة الأخيرة، على شبكة الأنترنيت ( www.britannica.com) .
هناك مصادر أخرى تؤكد على تشييد مدينة كركوك والتي كانت تدعى بـ ( أربخا ) على يد الكوتيين الذين يعتبرون أجداد الكورد القدامى، حيث يذكر العلامة توفيق وهبي : بأن كركوك مدينة قديمة، وهي أقدم ذكراً في المسمارية من مدينة أربيل، وأقدم ما لدينا من المعلومات الخاصة بكركوك، هو ما جاء في التقويم الجغرافي المشهور عن ممتلكات ( سرجون ) الأكدي ( 2530 ـ 2473 ق . م تقريباً ) ففي التقويم المذكور نجد أسم بلاد ( أربخ ) بين أسماء كـ ( الآشورية ، اللولوبي ، الكوتيوم ، والأكد ، الخ ... ) وقد شخصت ( أربخ ) بمدينة كركوك . حيث سجل ( تكلت ـ نزت ) الأول، الملك الآشوري ( 1255 ـ 1281 ق . م ) أنه فتح بلاد ( أربخ ) وكان أول ملك آشوري أستولى عليها، ثم وقعت بعد ذلك بيد الملك العيلامي ( شهلك ـ أنششنك ) ( 1165 ـ 1151 ق . م ) أي بعد نشوء مدينة أربخ بحوالي عشرة قرون . لذا يستبعد بأنها شيدت على يد الآشوريين . راجع في ذلك، أصل أسم مدينة كركوك، للعلامة الراحل توفيق وهبي ، جريدة الإتحاد العدد 344 الجمعة 12 ـ 11 ـ 1999 السنة الثامنة ، عن " كركوك المدينة الضاحكة بالنور والنار " عوني الداوودي .
28 ـلموسوعة مؤسسة MICROSOFT الاميركية، الطبعة الأخيرة 2001
29ـ ( أنس يريشو ـ يورغن بيك سيمونسن ) من ؟ ماذا ؟ كيف ؟ ص107، مطبعة بولتيكن، 1992 الدانمارك .
30 ـ الموسوعة العربية العالمية الجزء 19 ـ مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع ، المملكة العربية السعودية ، الطبعة الأولى 1996 صفحة 214 .
31ـ محمد أمين زكي ، دوو ته قه لاي بى سوود دراسة وتحليل وقدم له صباح غالب مطبعة هه لويست لندن 1984 .
32ـ هناك شواهد ودلائل كثيرة تشير إلى تلاعب الموظفين " العدادين " الذين قاموا بتسجيل الأهالي من الكورد في كركوك أما عرباً أو تركمان حيث كان معظم الأهالي في الأحياء الشعبية الكوردية لا يعرفون القراءة والكتابة وقام العدادين بملء الاستمارات نيابة عنهم، واكتشف الأمر بعد ثورة 14 تموز وإعلان نتائج الإحصاء عام 1959 عند مراجعة المواطنين الكورد دائرة النفوس ليكتشفوا بأنهم سجلوا بغير قوميتهم الكوردية، ويشير الدكتور نوري طالباني إلى ذلك بوضوح في كتابه " منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي " وكذلك راجع بحث الدكتور جبار قادر التنوع الأثني لسكان كركوك . وكذلك من خلال متابعتي الشخصية للأمر واستفساراتي من الأشخاص الذين عاصروا تلك الفترة منهم السيد جميل داروغا الذي كان يشغل منصب مأمور مركز الشرطة في كركوك وآخرين، أكدوا لي هذه الحقيقة .
33ـ المسار والمحاور الجغرافية لتعريب كركوك خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، الدكتور آزاد شيخاني ، ترجمة دارا صديق ، خه بات العدد 1095 الجمعة 13ـ9ـ2002 .
34ـ زيارة للماضي القريب، الباحث والمؤرخ جرجيس فتح الله المحامي، وكذلك الدكتور محمود عثمان، كركوك ـ رحلة في ذاكرة التاريخ .
35 ـ زيارة للماضي القريب، جرجيس فتح الله المحامي
36 ـ حينما كان الدينار العراقي يساوي 3,3 دولار .
37ـ منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي ، الدكتور نوري طالباني، الطبعة الأولى لندن 1995 .
38ـ جريدة الشرق الأوسط العدد 7745 الجمعة في 11ـ2ـ2000 .
39 ـ جريدة الحياة اللندنية العدد 13699 في 13ـ9ـ2000 .
|
د. نوري طالباني
كركوك قديماُ وحديثاٌ
كانت مدينة كركوك مركزا لولاية شهرزور العثمانية حتى عام 1879حيث قررت الدولة العثمانية نقل مركز أيالة شهرزور من كركوك إلى الموصل. وسجل لنا ببهذه المناسبة شاعر كركوك الشهير الشيخ رضا طالباني حزنه وأساه وذلك في بيت شعر له باللغة التركية(1). إضافة لهذه الشهادة الشعرية لهذه المرحلة من تاريخ كركوك التي دونها لنا الشاعر قبل قرن ونيّف، سجلَ لنا رحالة عثماني معروف شهادته عن هذه المدينة في موسوعة له باللغة التركية تعرف بـ(قاموس الأعلام). يقول العلامة شمس الدين سامي بصدد مدينة كركوك في موسوعته تلك: "أنها تقع ضمن ولاية الموصل التابعة لكردستان وعلى بعد 160كم من الجنوب الشرقي لمدينة الموصل. وهي مركز أيالة سنجق شهرزور، لها من النفوس 30000 نسمة، وفيها قلعة و36 جامعاً ومسجداً و7مدارس و15تكية وخانقاه، و12 خاناً و1282 دكاناً و8 حمامات".(2) وكتب عن الحالة القومية في مدينة كركوك: "أن ثلاثة أرباع الأهالي من الكرد، والبقية من الأتراك والعرب وغيرهم. وفي المدينة 760 يهودياً و460 كلدانياً ".
واحتفظت مدينة كركوك بطابعها الكردي رغم محاولات الإدارة العثمانية تقوية نفوذ ومراكز بعض الأسر التركية التي كانت موضع ثقة سلاطين آل عثمان والتي استقر أجدادها في كركوك بعد نجاح حملة السلطان مراد الرابع عام 1048هـ واستعادته العراق من الصفويين.(3) وقد عهدت الإدارة العثمانية لرؤساء هذه الأسر التركية الأصل منصب (المتسلَمية) أي الإدارة، مع منحهم ألقاباً عالية.(4) وقدمت هذه الأسر بدورها دعماً مستمراً للحكم العثماني وثقافته،"وكانوا مصدراً خصباً لتزويده بالموظفين".(5)
وتتطرق دائرة المعارف الإسلامية للوضع الإداري في منطقة كركوك خلال الفترة الأخيرة من الحكم العثماني قائلة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) الشيخ رضا طالباني هو من مشاهير شعراء كردستان وكركوك بالذات، وهو نجل الشيخ عبدالرحمان طالباني- واسمه الشعري (خالص) - والذي كان واحداُ من أكابر شيوخ التصوف في كردستان ومن أبرز علماء وشعراء كركوك في القرن التاسع عشر. وقد طبع ديوان أشعار الشيخ رضا باللغات الكردية والفارسية والتركية لأول مرة في بغداد عام 1935 ولكن بصورة ناقصة، ثم أعيد طبع ديوانه مرات أخرى، منها طبعة جديدة في بغداد أيضا تحت إشراف حفيده المحامي علي طالباني عام 1946، وطبعة ثالثة في إيران، وأخرى في السويد عام 1996( وهما إعادة لطبعة 1946)، وطبعة خامسة في السليمانية عام 1999 وأخرى في أربيل عام 2000. وقد كتب عن الشاعر وعن أشعاره العديد من الكتب والدراسات والبحوث، بعضها باللغة الإنجليزية كدراسة جي.دي.ادموندز، كما نوقشت في 2 أيار 2001 رسالة ماجستير تحت عنوان: شعر الهجاء عند الشيخ رضا طالباني مقارناُ مع ابن الرومي، أعدت من قبل السيد هاوكار رؤوف محمد أمين في كلية العلوم الإنسانية بجامعة السليمانية. صحيفة (الاتحاد) الأسبوعية الكردستانية، العدد 419 في 4 أيار 2001
"كانت كركوك مركزاً لايالة شهرزور في القرن الثامن عشر التي كانت تضم الألوية الحديثة التالية: كركوك وأربيل والسليمانية. ثم أطلق أسم شهرزور على سنجق كركوك وألحق به لواء كركوك، في حين ظل شهرزور التاريخي – أي السليمانية - خارج السنجق الجديد. وشكلت ولاية الموصل عام 1879، وبقيت كركوك مدينة عسكرية مهمة".(6) ثم تضيف أن ولاية الموصل كانت مكونة من ثلاثة سناجق أو ألوية هي الموصل وكركوك والسليمانية، وفي عام 1918 فصلت ثلاث أقضية في شمال الزاب الصغير عن كركوك لتشكَل منها لواء أربيل.(7) وبقيت هذه السناجق تابعة لولاية الموصل لحين اندلاع الحرب العالمية الأولى حيث تمكنت القوات البريطانية من احتلالها في نهاية الحرب. فقد احتلت تلك القوات مدينة كركوك في 17 أيار 1918 بقيادة الجنرال مارشال الذي إنسحب منها في 27 من الشهر نفسه، وعاد أخيراً لاحتلالها بصورة نهائية في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، لدى إبرام معاهدة صلح مودروس بين بريطانيا والدولة العثمانية. ويلاحظ أنه باستثناء منطقة السليمانية التي تشكلت فيها إدراة كردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد يعاونه بعض المستشارين الإنجليز، كانت المناطق الأخرى من ولاية الموصل خاضعة للإدارة المباشرة لجيش الاحتلال الإنجليزي بإشراف عدد من الضباط السياسيين البريطانيين. واكتشف الإنجليز خلال هذه الفترة من احتلالهم للولاية منابع النفط الهائلة في كركوك، فأعادوا النظر في سياستهم السابقة في المنطقة وسعوا إلى البقاء فيها رغم أنها لم تكن ضمن حصتهم بموجب إتفاقية سايكس-بيكو السرية المبرمة عام 1916 بينهم وبين فرنسا. وأدت الجهود التي بذلوها لدى فرنسا إلى إقناعها بالتنازل عن هذه الولاية وإبرام معاهدة سان ريمو في 24 نيسان 1920، التي تنازلت فرنسا بموجبها عن الولاية لقاء إعطائها نسبة محددة في شركة النفط التركية TPC التي كانت قد تأسست سابقا بين تركيا العثمانية وألمانيا بهدف البحث عن النفط واستثماره في حدود ولايتيْ بغداد والموصل.(8) وهكذا كان اكتشاف النفط في كركوك وفي أطرافها سبباً أساسياً لإلحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية التي أنشأها الإنجليز عام 1921
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 2) شمس الدين سامي، قاموس الأعلام (باللغة التركية العثمانية)، مطبعة مهران، استانبول 1315هـ/1898م. راجع أيضا الدكتور هلكوت حكيم، كركوك مدينة النار والنور، مجلة (جريكه/الصرخة) التي كانت تصدر باللغتين الكردية والعربية في لندن، العدد الثالث، آب 1984، ص14 وما بعدها.
(3)عبدالمجيد فهمي حسن، دليل تاريخ مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك، مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص،284. وقد ورد فيه بصدد أسرة (آل النفطجي) وبلسان رئيسها المرحوم ناظم بن صالح باشا آل النفطجي أن نسب هذه الأسرة ينتهي "إلى قبيلة تركية كانت تسكن آسيا الصغرى (الأناضول)، ثم هاجر بعض أفرادها إلى العراق، وكان جد هذه الأسرة وهو (قهرمان آغا) هو الذي اكتشف منابع النفط في كركوك ووضع يده عليها وعلى الأراضي المجاورة لها".
(4)عبدالمجيد فهمي حسن، المصدر السابق، ص284 بصدد آل النفطجي، وص301 بخصوص (آل آوجي).
(5)دائرة المعارف الإسلامية (باللغة الفرنسية)، الجزء الخامس، وقد ألف ما يتعلق بـ (كركوك (Kirkuk فيها المستشرق (كرامرز)، ثم أضاف إليها (تومابوا) ملاحظات هامة قبل إعادة طبعها ثانية، ص147.
(6) دائرة المعارف الإسلامية، المصدر السابق.
من ولايتيْ بغداد والبصرة والذين نصبوا الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكاً عليها.(9) وقد تم إلحاق ولاية الموصل التي تشكل كركوك جزءاً مهماً منها بالعراق بعد صدور قرار لمجلس عصبة الأمم في كانون الأول 1925 لتسوية حدود هذه الولاية. وقد أتخذ القرار المذكور بعد تقديم لجنة الحدود الدولية تقريرها إلى مجلس العصبة، عقب زيارتها للولاية في شهر شباط من العام نفسه.(10) وكانت الإدارة البريطانية قد جعلت الأجواء مناسبة لزيارة هذه اللجنة الدولية للولاية والتي قدمت إليها بقصد الاستكشاف والاستطلاع. فقد نظمت في كانون الأول من عام 1924زيارة للملك فيصل الأول لأرجاء ولاية الموصل باستثناء منطقة السليمانية، لحث الناس فيها على طلب الانضمام للدولة العراقية الحديثة التي تأسست في أواسط 1921. وقد جعلت الإدارة البريطانية من زيارة الملك للولاية مناسبة لرفع العلم العراقي على مباني الدوائر الرسمية فيها، وذلك قبل البت بمصيرها من قبل مجلس عصبة الأمم.(11) ويؤكد العديد من الباحثين العراقيين، وفي مقدمتهم المرحوم عبد الرحمان البزاز على أن الجهود البريطانية هي التي حسمت الأمر لصالح العراق وجعلت ولاية
الموصل جزءاً منه. ويجب القول أن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية لبريطانيا هي التي دفعتها لألحاق ولاية الموصل
بالعراق. فقد كانت بريطانيا الدولة المنتدبة علي العراق تبحث عن طريق لترسل بواسطتها نفط كركوك إلى الموانئ الواقعة علي الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، ومنها إلى أوروبا والغرب. وكان يتعذر آنئذ إرسال نفط كركوك إلى تلك الموانئ بطريق آخر غير عبر الأراضي العراقية، كإرساله مثلا عبر الأراضي التركية، نظرا لتوتر العلاقات بين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7) المصدر نفسه.
( 8) يتبين من بعض الوثائق البريطانية السرية أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد حذِّرت قيادة قواتها في جبهة العراق من التقدم شمالاً صوب حدود ولاية الموصل. فقد جاء في مذكرة سرية مؤرخة في 14 آذار 1915 موقعة من قبل السير آرثر هيرتزل مسؤول القسم السياسي في الخارجية البريطانية "أنه يجب عدم تجاوز سلسلة جبال حمرين بأي وجه من الوجوه، حيث يمكن أن تحدث مشاكل بينهم وبين السكان الكرد في المنطقة". راجع كل من: Briton Cooper Bush, Britain, India and Arabs, P.40; and Marian Kent, Oil and Empire, P.120. وكانت بريطانيا وفرنسا قد اتفقتا سابقا بموجب معاهدة سايكس-بيكو السرية على ان تكون ولايتي بغداد والبصرة من حصة بريطانيا، وولاية الموصل لفرنسا، والذي يعني أن هاتين الدولتين لم تكونان تنظران للعراق بحدوده السياسية الحالية ككيان واحد. راجع بحثنا الذي قدمناه في مؤتمر قانوني نظم في شهر تشرين الثاني عام 1999 من قبل مؤسسة أحمد للدراسات الكردية في وا شنطن والذي نشر في:
An Analysis of The Legal Rights of the Kurdish People; Nouri Talabany, Southern Kurdistan in International Law, Virginia, USA 2000, P96.
وكدلك:
Stephen Longrigg, Four Centuries of Modern Iraq, Oxford, 1925, p.312n. Helmut Mezcher, (15) Imperial Quest for Oil, Iraq, 1910-1928, Oxford, 1976, p.76.
ومؤلفنا: منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، الطبعة الثانية، لندن 1999 ، ص 47و48.
( 9) اكتفت اللجنة الدولية بإجراء استفتاء شكلي بين الوجهاء والمختارين في الولاية عن طريق طرح أسئلة محددة عليهم. د.فاضل حسين، مشكلة الموصل، مطبعة إشبيلية، بغداد 1977، ص6.
بريطانيا وتركيا. فكانت هذه الأخيرة تطالب بولاية الموصل وتعتبرها جزءاً منها. وقد تم فيما بعد ( في أواسط الثمانينات)، ربط كركوك بميناء جيهان التركي بأنبوب آخر لنقل النفط، ثم شحنه من هناك إلى أنحاء العالم.(12)
ورغم أن إلحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية المستحدثة قد تم بقرار دولي، إلا أنه كان مشروطاً بوجوب التزام كل من بريطانيا والعراق "الأخذ بالحسبان رغبات الأكراد الذين كانوا يطالبون بوجوب تعيين موظفين من أصل كردي لإدارة بلادهم، وبأن تكون اللغة الكردية هي اللغة الرسمية في المرافق الخدمية المختلفة".(13) لكن الحكومات العراقية المتلاحقة تراجعت عن هذه الالتزامات الدولية ومارست في منطقة كركوك بالذات سياسة مغايرة لتلك الالتزامات، إذ حاولت دوما منع الكرد من لعب إي دور لهم في مقدرات كركوك، خاصة بعد إدراكها لأهميتها الاقتصادية والإستراتيجية بالنسبة للدولة العراقية المستحدثة وللمصالح الحيوية الإنجليزية.(14) تبين ذلك مباشرة بعد احتلال كركوك، حيث قررت الإدارة البريطانية المحتلة والحكومة العراقية إبقاء اللغة التركية لغة للتعليم والإدارة في كركوك حتى نهاية العشرينات، وإعطاء دور للتركمان لا يتناسب مع حجمهم ونسبتهم السكانية داخل المدينة وفي اللواء، وهي نفس السياسة التي كان العثمانيون يتبعونها فيما مضى. وظهر التنسيق بين الحكومات العراقية في العهد الملكي وإدارة شركة نفط العراق التي كان الإنجليز يديرونها وتتخذ من كركوك مركزاً لها، لاستقدام أبناء المحافظات العراقية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10 ) مؤلفنا، منطقة كركوك، المصدر المشار إليه آنفاً.
(11)بحثنا الذي قدمناه في الندوة التي نظمها نواب حزب الخضر الفرنسي في بناية البرلمان الفرنسي بتأريخ الخامس من شباط 2001حول آثار الحصار الاقتصادي علي العراق ووضع حقوق الإنسان فيه، وكان البحث بعنوان:
La Politique de l'Aarabization de la Region de Kirkuk par les Regimes Irakiens.
(12 ) د.وليد حمدي، الكرد وكردستان في الوثائق البريطانية، دراسة تاريخية ووثائقية، لندن 1992، ص186، ومقال عدنان حسين في مجلة (الزمن ) بعنوان: القضية الكردية ، قصة أم المشاكل في العراق، العدد 26، ديسمبر 1997، ص7. وقد أشار الدكتور وليد حمدي إلي وثيقة بريطانية سرية تتضمن إثارة المندوب السامي البريطاني في العراق موضوع استخدام اللغة الكردية في كردستان طبقاً للالتزام الدولي المذكور، وذلك في اجتماع له مع الملك فيصل الأول بتأريخ 20 أيار 1930، مع الإشارة إلى عدم اتخاذ الحكومة العراقية أي إجراء بهذا الشأن وعدم تأسيسها منطقة تعليمية موحدة في المنطقة الكردية، ص186 من المصدر المشار إليه آنفا.
(13) الدكتور جبار قادر، كركوك : قرن ونصف قرن من التتريك والتعريب، مجلة (الملف العراقي)، العدد99، آذار 2000، ص42.
وأود أن اسجل هنا للتاريخ ما سمعته من المرحوم توفيق وهبي، الوزير الكردي السابق الذي كان مقيما في لندن، الذي قال أن رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري السعيد استشار عددا من السياسيين والوزراء السابقين عام 1956 بسبب توتر العلاقات بين الحكومتين السورية والعراقية، فاقترح البعض قطع خط أنابيب النفط بين كركوك وسوريا وإنشاء خط جديد بين كركوك والموانئ التركية، فرفض الاقتراح جملة و تفصيلا قائلا انه لا يريد إلحاق ضرر بشعب سوريا، لكن النظام البعثي في العراق نفذ في الثمانينات ما رفضه نوري السعيد عام 1956.
الأخرى لاستخدامهم في منشآت الشركة داخل كركوك وفي أطرافها. ولهذا السبب بالذات "تهافت على لواء كركوك آلاف من العمال والمحترفين والفنيين، تتبعهم آلاف أخرى من أصحاب المهن المختلفة وصغار التجار والباعة وطالبي الرزق".(21) وترتب على استخدام هذا العدد الهائل من العمال والفنيين وغيرهم في منشآت الشركة والقادمين من الألوية الأخرى، ظهور أحياء شبه مستقلة خاصة بالعرب والآشوريين والأرمن داخل الأحياء القديمة في كركوك القريبة من تلك المنشآت.(22) ويقدر بعض الباحثين نسبة الزيادة في عدد سكان كركوك للفترة من 1919 إلى 1968 إلى خمسة أضعاف ماكان عليه، وعدد المهاجرين إليها للفترة مابين 1947-1957 وحدها ب(39000) مهاجر.(23) ويجب الإشارة هنا إلى أن نسبة العمال والمستخدمين الكرد في منشآت الشركة كانت تأتي بعد الآخرين ولا تتناسب مطلقاً مع عدد نفوسهم في المدينة وفي اللواء (المحافظة).(24) تبين ذلك بوضوح بعد إنشاء شركة النفط في بداية الخمسينات لمئات الدور السكنية لمستخدميها في منطقة أطلق عليها أسم (عرفة/ Arrapha ) أو كركوك الجديدة. لقد كان معظم شاغلي تلك الدور من الآشوريين والأرمن والعرب والتركمان، ما جعل الكرد يشعرون بالغبن الذي لحق بهم منذ البداية. وهكذا أدى استثمار حقول النفط في كركوك وفي أطرافها إلى استيطان أعداد كبيرة من أبناء المحافظات الأخرى داخل مدينة كركوك. واستمرت الحكومات العراقية في العهد الملكي في إتباع السياسة نفسها، أي تشجيع غير الكرد على الاستيطان في كركوك ومنع استخدام اللغة الكردية في التعليم الابتدائي في الأحياء الكردية،(25). كما منعت الكرد أيضا من الاحتفال بعيد نوروز في كركوك، بينما كانت تسمح أحيانا بإحيائه في بعض مدن أخرى من كردستان. ومع ذلك يجب القول أن هذه الحكومات لم تكن تمارس سياسة طرد الكرد من كركوك، ولا توضع العراقيل أمام هجرة الفلاحين إليها من القرى الكردية التابعة للواء خلال سنوات القحط والجفاف. غيران وزارة يا سين الهاشمي خططت منذ أواسط الثلاثينات لتوطين عشائر عربية رحالة في سهل الحويجة في جنوب غربي اللواء، وذلك بإنشاء مشروع للري لجلب الماء من نهر الزاب الصغير إلي السهل المذكور.(26) واستبشر الكرد في كردستان وفي كركوك بالذات بوقوع ثورة تموز 1958 وساندوها بقوة، بأمل أن تضع حدا لسياسة التمييز التي كانت تمارس ضدهم، وطالبوا قيادتها بالسماح باستخدام اللغة الكردية في مرحلة التعليم الابتدائي في المناطق الكردية من كركوك.(27) لكن تعيين عدد من المسؤولين العسكريين والمدنيين المعروفين بضيق أفق تفكيرهم السياسي في مناصب حساسة في كركوك حال دون وقوع أي تغيير في أوضاع الكرد فيها، كما استمرت الأجهزة الأمنية في ملاحقة العناصر السياسية التي كانت ملاحقة خلال العهد الملكي. وبحجة العمل على حفظ التوازن بين الكرد والتركمان في كركوك، اتخذ المسؤولون الجدد، خاصة قائد الفرقة الثانية في كركوك وهو الجنرال ناظم الطبقجلي، عدداً من الإجراءات التي كان يستشف منها الانحياز للتركمان.(28) كذلك بعث بالعديد من الكتب الرسمية السرية إلى وزارة الدفاع في بغداد التي كانت تتولى عمليا حكم العراق، متهماً فيها الكرد بإثارة المشاكل والزعم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) عبدالمجيد فهمي حسن، دليل تأريخ مشاهير الألوية العراقية، الجزء الثاني الخاص بلواء كركوك، مطبعة دجلة، بغداد 1947، ص54
(22) مؤلفنا، منطقة كركوك المشار إليه آنفاً، ص51
بأنهم يعملون في كركوك على (إنشاء جمهورية كردستان) و(بعث إقليم كردستان).(29) وقد اعتبر الطبقجلي مطالبة المثقفين الكرد إنشاء مديرية للإشراف على الدراسة الكردية في كركوك "دليلاً على نواياهم وسعيهم لإنشاء هذه الجمهورية المزعومة".(30) وكانت هذه المديرية موجودة في كركوك عام 1931 تحت اسم (مفتشية معارف منطقة كردستان). وقد أيدت نقابة المعلمين المركزية وأوساط سياسية عراقية أخرى هذه المطالب الكردية. ولا نجافي الحقيقية إذا ماقلنا أن ما قام به الطبقجلي عندما كان قائداً للفرقة الثانية في كركوك وحاكماً فعلياً لكل المنطقة الشمالية لم يصب في خانة حفظ التوازن بين القوميات المتآخية في كركوك وفي المنطقة، بل ساهم في إثارة التفرقة بينها. إن تعيينه بهذا المنصب الحساس كان خطأ من جانب قيادة ثورة تموز لأنها استمرت في السير على نهج الحكومات العراقية السابقة التي كانت تعين كبار المسؤولين في المنطقة الكردية من العرب، فيما كانت تسمي بعض الكرد مسؤولين في وسط أو في جنوب العراق. ونري أن اختيار الجنرال فؤاد عارف (الكردي) كمتصرف للواء كربلا بدلاً من تسميته قائداً للفرقة الثانية أو متصرفاً للواء كركوك أو لأحد الألوية الكردية الأخرى، قد جاء في هذا السياق.(31) لقد كان الجنرال فؤاد عارف يتمتع بثقة زعيم الثورة الجنرال عبد الكريم قاسم وكان قريباً منه، بل حال دون اغتياله في مكتبه في وزارة الدفاع من قبل العقيد عبد السلام عارف في تشرين الأول من عام 1958.(32) والراجح لدينا أن وجود الجنرال فؤاد عارف في كركوك كان سيحول دون توتر الأوضاع فيها، هذا التوتر الذي مهّدا الأجواء – فيما بعد- لوقوع الأحداث الدموية المؤسفة التي وقعت في كركوك في تموز 1959. في الواقع أن الأوضاع توترت في كركوك بعد وصول الطبقجلي إليها بسبب انحيازه المكشوف لإحدى القوميات فيها، ولإثارته النعرات والتفرقة بين القوميات المتآخية فيها. تبين ذلك بوضوح بعد الكشف عن مضامين الكتب السرية التي أرسلها إلى وزارة الدفاع، بعد فترة قصيرة من وصوله كركوك.(33) واستمرت الأوضاع غير الطبيعية في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(23) الدكتور أحمد نجم الدين، أحوال السكان في العراق، معهد الدراسات العربية، القاهرة 1970، ص109
(24) مؤلفنا: منطقة كركوك، المصدر السابق، ص36. يلاحظ أن الدوائر البريطانية في العراق كانت قد قدرت عدد نفوس الكرد في لواء كركوك عام 1921 بـ (75000) والأتراك بـ(35000) والعرب(10000) واليهود بـ(1000) والكلدان بـ(600)، وهذه التقديرات البريطانية مستمدة من أرشيف السجلات المحفوظة في المكتبة العامة في ستوكهولم، حيث كانت السويد هي المشرفة على تنظيم عملية الاستفتاء في ولاية الموصل. وبلغت نسبة الكرد في كركوك بموجب الإحصاء السكاني الرسمي لسنة 1957، 48,3% والعرب 28,2% والتركمان 21,4%. وبدأت بعد ذلك، خاصة منذ 1968، عمليات الترحيل والطرد الجماعي للقوميات غير العربية من كركوك ، مما أفقدت الإحصائيات اللاحقة مصداقيتها وشرعيتها.
(25) أود الإشارة هنا بوجه خاص لتجربتي الشخصية المريرة التي عشتها مع تلاميذ آخرين في مرحلة الدراسة الابتدائية في كركوك. فقد كنا نضطر لحفظ الكتب المدرسية عن ظهر قلب لأننا لم نكن نفهم منها شيئاً لكونها باللغة
العربية. واستمرت معاناتنا هذه حتى فيما بعد، أي في المرحلة الثانوية، ولكن بدرجة أخف نسبياً.
(26) راجع مؤلفنا: منطقة كركوك ، المشار إليه آنفاً، ص51-56.
كركوك حتى بعد إحالة الطبقجلي على التقاعد في شهر آذار 1959 وتعيين قائد جديد للفرقة الثانية هو الجنرال داود الجنابي الذي كان معروفاً بميوله اليسارية. لقد عين الجنابي عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل، بالتعاون مع الطبقجلي والأوساط القومية والبعثية. وبالنسبة لكرد كركوك، أصبح الوضع خلال فترة وجود الجنرال الجنابي فيها طبيعيا شبيها بالوضع في المدن الكردستانية الأخرى، فاحتفلوا فيها بصورة علنية بعيد نوروز وبمشاركة المسؤولين فيها أيضا. لكن الأوضاع العامة في المدينة بقيت متوترة وغير طبيعية، وجاءت الأحداث السياسية اللاحقة لتؤكد وجود هذا التوتر، خاصة بعد إحالة الجنرال الجنابي على التقاعد في أواسط حزيران من عام 1959. وقد لعبت الأجهزة الأمنية في كركوك والدوائر المسؤولة في وزارة الدفاع فيما بعد دورا مؤثرا ومكشوفا في إثارة التفرقة بين الكرد والتركمان من جديد، وهو ما مهد لإعادة الأوضاع في كركوك إلى ما كانت عليها في عهد الجنرال الطبقجلي، فأصبحت الأجواء مهيأة لوقوع الأحداث المؤسفة التي وقعت في تموز من العام نفسه، تلك الأحداث التي أحدثت شرخاً في العلاقة مابين الكرد والتركمان.(34) ومما زاد في تعقيد تلك الحالة غير الطبيعية وتوتر الأوضاع في المدينة، قيام منظمات سرية تركمانية بأعمال عنف واغتيال ضد وجوه كردية في كركوك، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية فيها.(35) وقد أجبرت هذه الاغتيالات عشرات بل مئات العوائل الكردية في الأحياء المختلطة من المدينة إلى ترك مساكنها أو الانتقال إلي المدن الأخرى، هذا فضلاً عن أن عدداً من الموظفين الكرد نقلوا إدارياً إلى خارج كركوك. وعقب حوادث تموز 1959، نقلت وزارة الدفاع بدورها عدة وحدات عسكرية من الفرقة الثانية في كركوك إلى وسط وجنوب العراق، وكان معظم منتسبيها من ضباط وضباط صف من الكرد. كذلك ساد في كركوك بعد تلك الأحداث جو من الإرهاب الشديد ضد الكرد، فأعتقل مئات الأشخاص الذين أحيل معظمهم الى المحاكم العرفية العسكرية في بغداد. وتعتبر هذه الفترة بداية لسياسة ترهيب الكرد وإجبارهم على ترك كركوك بوسائل شاركت في تنفيذها الدوائر الأمنية والتنظيمات الإرهابية التركمانية السرية التي أمعنت في تنفيذ عمليات الاغتيال وحرق المحال التجارية للكرد، مع عدم اتخاذ أية إجراءات قانونية جادة بحقهم.(36)
وتعرض الكرد بعد نجاح انقلاب 8 شباط 1963 إلى اعتداءات كثيرة، كما اعتقل عدد كبير منهم من قبل (الحرس القومي) الذي انخرط أعداد من الشباب التركماني في صفوفه. وقامت الأجهزة الأمنية بالتعاون مع الحرس القومي بهدم عدة أحياء شعبية كردية في كركوك، وإجبار ساكنيها على الرحيل من المدينة. واشتدت عمليات الانتقام ضد الكرد بعد مباشرة الجيش العراقي هجومه على البيشمه ركه ( المقاتلين الكرد) في حزيران 1963. وقامت السلطة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(27) قدمت مذكرات عديدة إلى وزارة المعارف (التربية حالياً) من قبل ممثلي القائمة المهنية في انتخابات نقابة المعلمين في العراق بخصوص الحقوق الثقافية الكردية، كالتدريس باللغة الكردية والاهتمام بالثقافة الكردية وإنشاء مديرية تربية للإشراف على الدراسة الكردية في المنطقة الكردية، واعتبرت هذه المطالب – التي تحققت معظمها فيما بعد- بمثابة (تهيئة لإنشاء جمهورية كردستان) من قبل قيادة الفرقة الثانية في كركوك، وعلى رأسها الجنرال ناظم الطبقجلي.
(28) من بين الإجراءات التي اتخذها قائد الفرقة الثانية الجنرال ناظم الطبقجلي بعد وصوله كركوك بفترة قصيرة هي مفاتحته وزارة الداخلية لإقالة رئيس بلدية المدينة الكردي، وتعيين آخر تركماني بدلا عنه كان واحدا من رموز جماعة الإخوان المسلمين في كركوك.
(29) مؤلفنا، منطقة كركوك، ص58
(30) كتاب قيادة الفرقة الثانية / الاستخبارات / سري والمرقم 1س/142 في 19/1/1959 الموجه إلى رئيس أركان الجيش تحت عنوان "الحالة السياسية في منطقة مسؤولية الفرقة الثانية".
(31) عينت قيادة ثورة تموز اثنان من كبار الضباط العرب متصرفين للوائي السليمانية وأربيل، ومدنياً عربياً متصرفاً للواء كركوك هو السيد عبد الجليل الحديثي, فضلاً عن تعيين الجنرال ناظم الطبقجلي قائداً للفرقة الثانية التي يقع مقرها ووحدات مهمة منها في مدينة كركوك. وكان لهذه الفرقة أيضا وحدات أخرى في كل من مدن السليمانية وأربيل والموصل وقصبات قلعه دزه ورواندوز وعقره. وكان معظم منتسبي هذه الفرقة من ضباط وضباط صف وجنود من الكرد، يليهم العرب والتركمان والآشوريين من أبناء المنطقة الشمالية بوجه عام.
(32) عاتب عبد السلام عارف - بعد الإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم - زميله فؤاد عارف لمنعه إياه من قتل عبد الكريم قاسم في مكتبه في وزارة الدفاع عام 1958، حيث كان موجودا معهما أيضا. فقد عاد عبد السلام عارف فجأة من ألمانيا الغربية التي عين سفيرا فيها اثر خلافه مع قاسم، وتوجه من المطار مباشرة إلى وزارة الدفاع لمقابلة قاسم ناويا قتله. والراجح أنه لولا وجود فؤاد عارف في مكتب قاسم وأخذه المسد س من يد عبد السلام، لوقعت جريمة قتل قاسم في تشرين الأول عام 1958، وليس في شباط 1963 لدى نجاح انقلاب 8 شباط 1963.
(33) أرسل قائد الفرقة الثانية في كركوك عدداً من الكتب السرية إلي وزارة الدفاع بشأن الحالة السياسية في كركوك، منها كتاب قيادة الفرقة /الاستخبارات المرقم ح – ش – 3-914 في 9/9/1958 حول (مذكرة المدرسين الأكراد إلى وزارة المعارف حول رفع مستوى الثقافة في كردستان خاصة)، وكتاب الفرقة / الاستخبارات المرقم ح – ش- 3 – 17 في 6 /1 /1959 حول (مراجعة نقابة المعلمين في كركوك حول بعث مديرية معارف كردستان)، وكتاب قيادة الفرقة أيضاً/ الاستخبارات المرقم 1 س / 142 في 19 /1 / 1959 حول ( الحالة السياسية في منطقة مسؤولية الفرقة الثانية). وقد نشرنا النصوص الكاملة لهذه المراسلات السرية لقيادة الفرقة الثانية في مؤلفنا: منطقة كركوك المشار إليه آنفاً (الملاحق)، ص113-120
(34) الدكتور نوري طالباني، العلاقات الكردية –التركمانية، مجلة (راية الإسلام) التي تصدر في لندن، السنة الخامسة عشر، العدد الأول ، آذار 2001،ص2.
(35) مؤلفنا، منطقة كركوك، المصدر السابق، ص65.
(36) ساهم بعض المرتزقة الكرد أيضاً في قتل بعض وجوه كردية معروفة داخل كركوك لقاء دراهم معدودات. وقد اعترف بعضهم فيما بعد بان عدداً من التركمان - وكشفوا عن أسمائهم - اتصلوا بهم وأعطوهم المال والسلاح لقتل أشخاص محددين بالاسم. ونشير هنا بوجه خاص للمعلومات التي أدلى بها المدعو لطيف فرقاني روزبياني الذي كان يسكن حي شوريجه بكركوك، واعترف فيها باستلامه مبلغ 800 دينار مع مسدس لقاء كل جريمة قتل ارتكبها. وكان الأفراد الذين يتصلون به يؤكدون له أن الأجهزة الأمنية لن تلقى القبض عليه، وغالباً ما كانوا يطالبونه بتحديد وقت ومكان ارتكاب الجريمة لكي يبتعد عناصر الأمن عن المكان والزمان المحددين!
أيضاً بتدمير جميع القرى الكردية المجاورة لمدينة كركوك أو للمنشآت النفطية والتي بلغ عددها (13) قرية، كما طردت الفلاحين الكرد من(33) قرية أخرى في ناحية (دوبز) القريبة أيضاً من كركوك.(37) واتخذ النظام منذ ذلك الحين إجراءات عديدة استهدفت جميعاً طرد الكرد من المدينة، منها:
نقل أعداد كبيرة من الموظفين في دوائر الدولة الرسمية وشبه الرسمية، الذي شمل أيضا المعلمين والمدرسين الذين نقلوا إلي وسط وجنوب العراق، مع استقدام الموظفين العرب من المحافظات الأخرى لإحلالهم محل الكرد.
نقل أعداد كبيرة من العمال الكرد العاملين في منشآت النفط أو تسريحهم من العمل، مع إحلالهم بالعرب الوافدين وتعيينهم في أماكنهم رغم عدم كفاءتهم لان معظمهم كانوا من أبناء العشائر.
إنشاء الربايا العسكرية فوق المرتفعات والتلال المحيطة بكركوك وبالمنشآت النفطية واعتبارها (مناطق أمنية) لا يجوز الاقتراب منها، مع زرع الألغام حولها.
تسليح العشائر العربية التي تم توطينها في القرى التي طرد منها الكرد، وتشكيل وحدات نظامية منهم ومن العشائر العربية القاطنة في قضاء الحويجة، وذلك لمساندة الجيش في هجماته على القرى الكردية في اللواء.
تغيير أسماء المدارس والشوارع وحتى أسماء المحلات التجارية داخل كركوك، بأسماء عربية لاتمت بصلة الى تاريخ المنطقة.
واستمر نظام الأخوين عبد السلام وعبد الرحمان عارف في اتباع السياسة ذاتها ولكن بدرجة أخف، وذلك بعد الإطاحة بالبعثيين والانقلاب عليهم في تشرين الأول من عام 1963.
لكن سياسة تغيير الواقع القومي لمدينة كركوك اتخذت لها بعداً آخر بعد عودة حزب البعث الى السلطة في انقلاب آخر في تموز 1968. فقد خطط النظام الجديد لسياسة أخرى اصبح هدفها الأساس إجراء تغييرات عميقة في الحالة القومية في كركوك مع الأمر بتنفيذها والالتزام بها بدقة من قبل جميع أجهزة النظام كمنهج ثابت للدولة.
ولكي يبرر النظام سياسته هذه، ضاعف من هواجس الخوف والقلق لدى المواطن العربي لإشعاره بأنه في مواجهة خطر هيمنة الكرد على نفط كركوك، منبع الثروة في العراق(38). ونشير بصدد ممارسات النظام بهدف تعريب كركوك، خاصة منذ أواسط عام 1975 إلى:
1- نقل البقية المتبقية من الموظفين الصغار والعمال الكرد العاملين في مختلف قطاعات ومنشآت الدولة إلي خارج كركوك، وجلب العرب لإحلالهم محلهم. والكردي الذي يترك كركوك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(37) ذكرنا أسماء جميع القرى الكردية المجاورة لكركوك والقريبة من المنشات النفطية التي دمرها النظام البعثي عام 1963 في مؤلفنا : منطقة كركوك المشار إليه أعلاه ،ص68. وتعود ملكية قريتان من تلك القرى المدمرة لأسرتنا، الأولى هي (سونه كولي) المجاورة للحدود الشمالية لبلدية كركوك، والثانية قرية (عمْشه) الواقعة بالقرب من الطريق العام بين كركوك-دوبز.
(38) برزت فكرة الاستيطان في منطقة كركوك بدافع الهيمنة على منابع النفط الموجودة فيها أثناء المفاوضات التي جرت بين النظام العراقي وبين وفد من (الجبهة الكردستاينة) في أواسط عام 1991. فأثناء الحديث عن حدود المنطقة الكردية الخاضعة للحكم الذاتي، كان وفد النظام يستعين بخرائط تفصيلية للمواقع التي تتوافر فيها منابع النفط. ولاحظ الجانب الكردي أن وفد النظام كان يصر على وجوب اعتبار المناطق التي تتوافر فيها منابع النفط خارج حدود المنطقة الكردية الخاضعة للحكم الذاتي، بينما لم يكن متشدداً بشأن الأماكن الأخرى التي لا تتواجد فيها حقول النفط. وفي ذلك يشبه أسلوب تعامل النظام العراقي مع الكرد، مع طريقة تعامل النظام الإسرائيلي مع الوفد
موظفاً كان أم عاملاً لا يسمح له بالعودة الى مدينته حتى بعد إحالته على التقاعد أو تركه الوظيفة لأي سبب كان.(39)
2- تبديل أسماء الأحياء الكردية وإطلاق أسماء عربية عليها بعيدة عن تراث المنطقة، وكذا الأمر بالنسبة للمدارس والمحلات التجارية التي لاتحمل أسماء عربية.
3- فتح شوارع عريضة في الأحياء الكردية واستملاك الدور فيها بتعويضات زهيدة، مع عدم السماح لأصحابها بشراء قطع من الأراضي أو دور أخرى داخل كركوك، لإجبارهم على تركها.
4- منع الكرد من حق بيع دورهم وعقاراتهم لغير العرب، كذلك منعهم من شراء أي عقار أو دار بأي وجه من الوجوه.
5- امتناع دائرة البلدية من إعطاء الكرد (إجازة البناء) أو (إجازة ترميم البناء) حتى ولو كانت دورهم أو عقاراتهم بحاجة ماسة للترميم.
6- نقل مركز المحافظة من بنايتها القديمة الى المنطقة المعربة من المدينة (طريق كركوك-بغداد)، ونقل معظم الدوائر الرسمية الأخرى ومقرات المنظمات المهنية والنقابات الى المنطقة ذاتها.
7- إنشاء العديد من المعامل والمنشآت الحكومية في المنطقة الجديدة من كركوك التي تم توطين الألوف من العوائل العربية فيها، خاصة بالقرب من طريق كركوك-الحويجة، مع بناء البيوت السكنية للعمال الذين استقدموا من وسط وجنوب العراق للعمل فيها.
8- توطين عشرات الألوف من العرب الذين تم جلبهم من وسط وجنوب العراق داخل مدينة كركوك. وقد جلبوا في مجموعات متلاحقة وتم توفير السكن والعمل لهم. والعملية لاتزال مستمرة لحد الآن أيضاً.
9-تشجيع الكرد علي مغادرة كركوك وأعلان النظام بقرارات عديدة استعداده لاعطاء منحة مالية للأسرة الكردية التي تتركها، مع تأمين السكن لها في (منطقة الحكم الذاتي) أو في وسط وجنوب العراق، باستثناء تكريت وبغداد وديالى. ثم أصدر قراراً يحمل رقم 1391 في 20 تشرين الأول 1981، تشكل بموجبه لجنة للإشراف على نقل (العاطلين عن العمل في منطقة الحكم الذاتي) بالإضافة إلى سكان كركوك إلى وسط وجنوب العراق.
10- بناء العديد من الأحياء الجديدة داخل مدينة كركوك لتوطين (العرب الوافدين) فيها.(40) وتشبه هذه الأحياء المستوطنات الإسرائيلية التي تم بنائها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويتمتع المستوطنون العرب في كركوك بنفس الامتيازات التي يتمتع بها المستوطنون الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كحقهم في حمل السلاح والحصول على السكن وتأمين العمل لهم، وهو ما جعلهم ينظرون للسكان الأصليين نظرة استعلائية كونهم أدوات الاستيطان في المنطقة. وهم يتمتعون أيضا بالحماية الأمنية الخاصة التي توفرها لهم النظام الذي سلح معظمهم بالأسلحة الخفيفة. وقد تم تعيين معظم هؤلاء (الوافدين) – وهي التسمية الرسمية لهم - في دوائر الأمن والشرطة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفلسطيني لدى التفاوض معهم بشأن تحديد مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تكثر فيها منابع المياه القريبة من المجمعات الاستيطانية الإسرائيلية. وهو ما فعله أيضاً العنصريون الصرب في جمهورية البوسنة والهرسك وفي كوسوفو أيضاً. راجع مقال الكاتب الإسلامي فهمي هويدي: الأكراد شعب الله المختار، كركوك سبقت كوسوفو في خطط الاقتلاع والإبادة، مجلة (المجلة)، العدد 1005، 16- 22/5/1999.
(39) وهذا ما وقع لي شخصياً، حيث منعت من العودة إلى بلدتي كركوك بعد إحالتي على التقاعد كأستاذ في جامعة بغداد لأسباب سياسية عام 1982 ، فاضطررت إلى الاستقرار في مدينة أربيل. وقد أخبرني سائق سيارة الحمل الذي نقل أثاث دارنا من بغداد إلى أربيل أن أحد عناصر دائرة أمن كركوك رافقه من نقطة السيطرة على الطريق العام بين كركوك – بغداد، لحين وصول السيارة إلي نقطة السيطرة على الطريق العام بين كركوك – أربيل، ليتأكد من خروج السيارة من كركوك!
(40) راجع بشأن جميع هذه الممارسات العنصرية للنظام العراقي ضد الكرد من أبناء مدينة كركوك، مؤلفنا المشار إليه آنفاً، ص71-77.
والمخابرات، أو في منشآت النفط والمؤسسات والمعامل والمصانع الحكومية. كما أن كثيراً من منتسبي القوات المسلحة من ضباط وضباط صف وجنود قد تم توطينهم في الدور الخاصة التي بنيت لهم داخل كركوك وفي أطرافها، بالقرب من الوحدات العسكرية للفيلق الخامس ومعسكر خالد المستحدث من قبل النظام. ووزع النظام في بداية عام 2001 على مجموعات جديدة من منتسبي القوات المسلحة قطع أراضي سكنية أخرى، مع منحهم تسهيلات من المصرف العقاري لأجل الإسراع بتشييد الدور عليها. ونكتفي هنا بالإشارة الى أسماء الأحياء الجديدة التي بناها النظام داخل مدينة كركوك خلال السنوات الأخيرة. علماً بأن عملية إقامة أحياء جديدة لازالت مستمرة نظراً لاستمرار النظام في جلب المزيد من العوائل العربية لتوطينها في كركوك وفي أطرافها. والأحياء أو (المستوطنات) العربية المستحدثة في كركوك منذ بداية السبعينات هي: حي الكرامة قرب الطريق العام بين كركوك والسليمانية،(41) وحي (المثنى) على الطريق بين كركوك ويارولي قرب مخازن عتاد الفرقة الثانية شمالي مدينة كركوك، وحي (شهداء قادسية صدام) بالقرب من حي (الكرامة)، وحي (الأندلس) على الطريق بين كركوك وأربيل في شمالي المدينة، وحي (البعث)، وحي (الو اسطي)، وحي (السكك)، وحي (غر ناطة)، وحي (الحجاج)، وحي (العروبة)، وحي (الشرطة)، وحي (قتيبة)، وحي (الأمن)، وحي (الوحدة)، وحي (الحرية). كذلك أضاف النظام حوالي ألف وحدة سكنية جديدة لحي (عرفة) للعمال العرب الوافدين الذين تم استخدامهم في شركة النفط، وبنى أيضاً عدة مئات الدور السكنية للعمال الوافدين العاملين في معمل استخلاص الكبريت وفي مصفى النفط على الطريق بين كركوك - دوبز (التي عُربّت تسميته الى الدبس). وقد حول النظام أطراف مدينة كركوك الى قواعد عسكرية ضخمة بنى فيها مئات الدور للضباط ومئات أخرى لضباط الصف، خاصة قرب معسكر خالد ومقرات الفرق العسكرية والفيلق الخامس.(42) ويجب الإشارة أيضاً الى العمل التخريبي الذي قام به النظام العراقي في قلعة كركوك التاريخية، حيث حولها الى قلعة حربية بعد تدمير جميع الدور والمباني الأثرية فيها، بما فيها من جوامع مع كنيستها القديمة. وإذا كان النظام العراقي قد باشر سياسته العنصرية هذه ضد الكرد منذ 1963 وشدد في تنفيذها منذ بداية السبعينات، فقد بدا بتنفيذها ضد التركمان أيضاً منذ بداية الثمانينات. أما الآشوريون والأرمن، فقد اعتبرهم عرباً بجرة قلم! ولكي يسبغ (الشرعية) على عمليات توطين عشرات الألوف من العائلات العربية في كركوك، قام بتزوير سجلات الأحوال المدنية المستندة على الإحصاء الرسمي للسكان لعام 1957، وذلك بإضافة أسمائهم إليها حتى يعتبروا كما لو كانوا مسجلين فيها قبل التأريخ المذكور. ولتحقيق هذا الهدف بالذات، استبدل جميع الموظفين غير العرب من منتسبي دائرة الأحوال المدنية في كركوك، بآخرين بعثيين جلبوا من مناطق أخرى من العراق. وبذلك يمكننا القول أن الدولة آخذت تمارس بنفسها عملية تزوير رسمية، من أجل أهداف سياسية غير مشروعة. وفي السياق نفسه, بدل النظام الاسم التاريخي لكركوك وأطلق على المحافظة أسم (التأميم) بعد تأميم شركات النفط العاملة في العراق في حزيران 1972. كذلك قلص من مساحة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(41) بنيت أحياء (الكرامة) و(شهداء قادسية صدام) و(الإسكان) القديم والحديث في منطقة (جوار باغ) التي كانت تضم بستانا كبيرا ومزارع عائدة لأسرة طالباني كانت تقع في شمال شرقي المدينة، قرب الطريق العام بين كركوك والسليمانية. وكانت هذه البساتين والمزارع الجميلة مرتعاً للناس خلال فصل الربيع بوجه خاص، حيث كانوا يذهبون للتمتع بجمال الطبيعة وقضاء أوقات التسلية البريئة فيها، كما أنشأ الشباب بالقرب منها ساحة للعب كرة القدم فيها. كما كانت فيها اكثر من كهريز للماء ويمر عبرها أيضا حتى أواسط الخمسينات جدول للماء لسقي البساتين وتزويد التكية الطالبانية بالماء. وكان الجدول متفرعا من نهر (الخاصة)، بالقرب من (آشه سوركه) شمال شرقي المدينة، علي طريق يارولي - كركوك.
(42) كانت مدينة كركوك مقراً لقيادة الفرقة الثانية وكان معظم منتسبيها من ضباط وجنود من الكرد. ومنذ بداية الستينات تحولت المدينة وأطرافها تدريجيا إلي ثكنة عسكرية كبيرة تضم العديد من الفرق العسكرية ثم قيادة الفيلق
الخامس ومعسكر خالد والمطار العسكري الكبير والعديد من المنشآت العسكرية الأخرى والتحصينات العسكرية التي تحيط حاليا بالمدينة من أطرافها الأربعة. وتشبه كركوك حاليا المستوطنات الإسرائيلية الكبيرة المحاطة بالتحصينات العسكرية.
المحافظة عن طريق ضم أربعة أقضية منها للمحافظات المجاورة، بهدف جعل الكرد أقلية سكانية في محافظة كركوك. فقد ألحق عام 1976 قضاء طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين (تكريت) المستحدثة والبعيدة عن طوزخورماتو، بينما لم يلحق بها قضاء الحويجة المجاور لها رغم أن معظم سكانه من العرب. كذلك ألحق قضائي جم جمال وكلار بمحافظة السليمانية، وقضاء كفري بمحافظة ديالى. واخيرا، حول قضاء دوبز إلى ناحية ملحقة بقضاء كركوك، بينما جعل من ناحية داقوق قضاء واستحداث ناحية جديدة فيه باسم (الرشاد). وأجرى النظام تعديلات أخرى في الحدود الإدارية لجميع الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة (التأميم) بهدف تحقيق هدفه المشار إليه أعلاه، أي جعل الكرد أقلية سكانية في كل الوحدات الإدارية التابعة للمحافظة باسمها الجديد.
ومع تنشيط عمليات الاستيطان في كركوك وأطرافها وإحداث تغييرات ديموغرافية عميقة فيها لإسباغ الطابع العربي عليها، دمر النظام البنية التحتية للمناطق الريفية التي لم يستطع توطين العرب فيها لأسباب أمنية.(43) فقد قام بتدمير جميع القرى الكردية في المناطق الشرقية والشمالية من المحافظة وأجبر سكانها على النزوح منها والاستيطان في مجمعات سكنية بنيت خصيصا لهم تدار من قبل الأجهزة الأمنية. وعندما نفذَ النظام عمليات الأنفال السيئة الصيت خلال عاميْ 1987 و1988 والتي تجاوز عدد ضحاياها 180 ألف مدني، كانت حصة منطقة كركوك منها اكثر من النصف، إذ لم يكن بوسع القرويين في هذه المناطق البعيدة نسبياً عن الحدود الدولية الوصول إليها، فاضطروا إلى تسليم أنفسهم للسلطات العسكرية والأمنية التي بعثتهم الى جنوب العراق قرب الحدود السعودية، ليدفنوا أحياء في صحاريها القاحلة.(44)
واستمر النظام العراقي في تنفيذ سياسته الرامية لتعريب كركوك وأطرافها وسط صمت وعدم اكتراث على النطاقين الداخلي والدولي، رغم أن ممارساته العنصرية هذه كانت أشد قسوة ووحشيةً من ممارسات الأنظمة العنصرية المدانة دولياً. وهكذا فقدت كركوك منذ بداية الثمانينات وجهها الطبيعي بسبب نزوح موجات (العرب الوافدين) إليها وهيمنتهم على جميع مراكز القوى وعلى الإدارة والأجهزة الأمنية والمخابراتية فيها، فضلاً عن سيطرتهم على المرافق الاقتصادية والمؤسسات والتنظيمات المهنية المختلفة واستحواذهم على معظم الأراضي الزراعية في المحافظة. وبوسع المرء أن يلاحظ بسهولة وجود حشود من البشر لا صلة لهم بالمدينة وبالمنطقة قد أصبحوا الآن الآمرين والناهين فيها، بينما تحول أبناء المدينة إلى غرباء وعرضة للاضطهاد والاحتقار من قبل الوافدين الجدد.(45)
وشدد النظام من إجراءاته القمعية ضد أبناء كركوك بعد اندحاره في حرب الخليج الثانية واندلاع شرارة الانتفاضة في الجنوب والفرات الأوسط. فقد أمر علي حسن المجيد وزير الدفاع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) رغم أن المؤسسة العسكرية كانت تتمتع بصلاحيات واسعة في كردستان، وكان بإمكانها استخدام الأسلحة الكيماوية أيضاَ، إلا انه لم يكن بإمكانها حماية المستوطنات في المناطق الواقعة في شمالي وشرقي كركوك ذات التضاريس المتموجة، وذلك خوفا من هجمات المقاتلين الكرد عليها. وكان أمن المستوطنات العربية يتمتع بأهمية قصوى لدي النظام العراقي، لذلك اقتصر إنشاء المستوطنات العربية في المناطق السهلية من المحافظة حتى عام 1996
(44) كتب الكثير عن الأنفال وعن ضحايا هده الجريمة الكبرى، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أسماء بعض من كتبوا عنها باللغة الكردية، من بينهم طه سليمان، في ظل الأنفال، الجزء الأول، مطبعة ئاسا، السليمانية 1999، و هه فال أبو بكر، الأنفال بين شراسة العدو وعدم اكتراث الأصدقاء، مجلة (كركوك)، العدد الأول، السنة الثانية، صيف 2000، ص 57 وما بعدها، والدكتور معروف عمر كول، الأنفال مرحلة لتتقيد جريمة الإبادة، مجلة (كركوك)، العددين الثاني و الثالث، خريف 1999، ص7 وما بعدها.
(45) مؤلفنا: منطقة كركوك المشار إليه سابقاً، ص109.
والمشرف على القاطع الشمالي آنذاك، اتخاذ إجراءات قسرية ضد أبناء المدينة خوفاً من وقوع أي تحرك فيها، فأمر في البداية بإلقاء القبض على اكثر من ثلاثين ألف كردي من أبناء كركوك، كان من بينهم العديد من العسكريين المجازين. وقد مات بعضهم بسبب حشرهم في أماكن ضيقة وغير صحية، مع عدم تقديم الماء والمأكل لهم لأيام، علما بأن معظمهم كانوا صائمين بمناسبة شهر رمضان المبارك. وخلال الفترة نفسها، أمر المجيد أيضا بهدم حي كردي في (شوريجة) وحي آخر يسكنه الكرد والتركمان في (ألماس)، قرب منطقة (كاورباغي). وازدادت هواجس الخوف لدى رموز النظام بعد تحرير معظم أجزاء كردستان خلال الأسبوعين الأوليين من شهر آذار 1991، فاتخذوا استعدادات عسكرية واسعة خوفاً لتعرض المدينة لهجوم المقاتلين الكرد الذين تقدموا نحو كركوك وأحاطوا بها من أطرافها الشمالية والشرقية. وبعد قتال عنيف داخل شوارع المدينة دام لبضعة أيام واستخدم فيه الراجمات والصواريخ والمدافع والمروحيات العسكرية في ضرب الأحياء الكردية، أضطر النظام إلى التقهقر. وتم تحرير المدينة مساء يوم نوروز ولكن بثمن باهض من دماء العشرات من البيشمه ركه وآخرين من أبناء المدينة، بينهم بعض النساء اللواتي كن يساعدن المقاتلين أثناء دك المعاقل الأمنية والمخابراتية ومقرات حزب البعث فيها.(46)
ونظراً لأهمية كركوك بالنسبة للنظام وكونها تشكل عازلاً أمنياً لمناطق تكريت وبغداد، فقد ضاعف من استعداداته العسكرية وتنسيقه الأمني مع مجموعات (مجاهدي خلق) الإيرانية التي تحولت الى قوة من المرتزقة تدافع عن النظام بشراسة، فاستطاعت عدة مفارز منها دخول مدينة كركوك بعد تخفي أفرادها بالأزياء الخاصة بالمقاتلين الكرد. وتعرضت المدينة خلال ثلاثة أيام متوالية اعتبارا من 27 آذار 1991 إلي قصف مركز بجميع أنواع الأسلحة الثقيلة، مما أجبر سكانها على الخروج منها تاركين ورائهم جميع أموالهم وممتلكاتهم التي تعرضت للنهب والسرقة من قبل منتسبي وحدات القوات الخاصة و(العرب الوافدين) الذين هرب معظمهم بعد وصول البيشمه ركه للمدينة، ثم عادوا إليها بصحبة الجيش والقوات الخاصة.
وتعذر على الكثيرين من الكرد والتركمان الذين اضطروا إلي ترك كركوك، العودة إلي دورهم فيها خوفاً من القصف ومن بطش القوات الخاصة فيها. وهكذا كان فشل انتفاضة آذار 1991 سبباً آخر يضاف للأسباب الأخرى التي أجبرت أبناء كركوك على الرحيل منها، خاصة الشباب الذين شاركوا في الانتفاضة بشكل أو بآخر.
وتعرض أبناء كركوك بعد عودة الأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية إليها في بداية نيسان 1991 إلي حملة شرسة شملت هدم عدد من الدور في الأحياء الكردية، بالإضافة إلي إلقاء القبض على الكثير من الشباب بتهم المشاركة في الانتفاضة، وهو ما دفع الآخرين إلى الهرب والتوجه نحو المناطق الأخرى من كردستان. ولم يحترم النظام تعهداته التي التزم بها لممثلي الجبهة الكردستاينة خلال التفاوض معه في أواسط 1991 والمتمثلة بالسماح لأهالي كركوك بالعودة إلى ديارهم. وكان ذلك بداية لحملة جديدة أخرى من الطرد والترحيل أخذت تشتد مع الأيام. ويتبين من الإحصاءات التي نشرتها المنظمات الكردية والعالمية المهتمة بحقوق الإنسان، والمراكز التي تشكلت للدفاع عن حقوق المهجرين والمرحلين من أبناء كركوك داخل وخارج كردستان، أن وتيرة الطرد بدأت بالزيادة بعد إخفاق المفاوضات مع النظام وسحبه لأجهزته الإدارية من محافظات أربيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(46) سجل العديد ممن شاركوا في تحرير مدينة كركوك ذكرياتهم وأدوارهم فيه، نشير بوجه خاص إلى ما نشرته مجلة (كركوك) في عددها الرابع الصادر في ربيع عام 2000، ص55-86. ويؤكد معظمهم أن المقاتلين الكرد كانوا يستقبلون بحفاوة ليس من قبل المواطنين الكرد وحدهم، بل من قبل المواطنين التركمان والآشوريين والعرب
والسليمانية ودهوك في أيلول 1991. واشتدت حملات الطرد خلال السنوات 1994 و1995 و1996، خاصة منذ بداية 1997 أثناء تهيئة الأجواء لإجراء إحصاء رسمي في ذلك العام.(47) ولجأ النظام إلى أسلوب آخر غير مألوف حتى في الدول المؤسسة على أسس عنصرية، كجمهورية جنوب أفريقيا سابقاً وإسرائيل. فقد طالب الكرد بتغيير قوميتهم وتسجيل أنفسهم عربا، وأعد استمارات خاصة بذلك ورد فيها حقل خاص يدون فيه رب العائلة أن تسجيلهم كأكراد تم (خطأ) في الإحصاءات السابقة!(48) وهدد النظام بطرد جميع من لا يملأ تلك الاستمارات بالصيغة المطلوبة من كركوك. وقد باشر بهذه الإجراءات قبل تنظيم إحصاء عام 1997 الذي جاء اكثر تزويراً من الإحصاء العام لسنة 1977.(49) واستمر النظام في ممارساته العنصرية هذه حتى بعد إتمام عملية الإحصاء. فقد جاء في خطاب لأحد أقطاب النظام المسؤول عن تعريب كركوك وهو عزت إبراهيم الدوري، أنه ليس بوسع غير العرب البقاء في كركوك ! (49) وذهب النظام إلى ابعد من دلك، حيث منع أخيرا نقل جثث موتى الوافدين من العرب الشيعة إلى مدينة النجف الأشرف، وذلك لكي تكون للعرب مقبرة خاصة بهم في كركوك علي غرار المقابر الخاصة بالكرد و التركمان. فمن المعلوم لدي الجميع انه لا توجد في هذه المدينة غير مقابر خاصة بالكرد وأخرى بالتركمان.
إن الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أن عدد المرحلين من كركوك وأطرافها إلى المنطقة المحررة من كردستان قد تجاوزت 108000 إنسان، معظمهم من مدينة كركوك. ويعيش هؤلاء التعساء في ظروف سيئة للغاية وفي مخيمات ومجمعات لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة، ويعتمد معظمهم في عيشهم على المساعدات التي تقدمها لهم المنظمات الإنسانية. وأمام حالة اليأس والبؤس التي يعيشون فيها والتي استمرت سنوات عديدة، حاول ويحاول العديد من أبناء هؤلاء المرحلين التوجه نحو الغرب بطرق غير شرعية. وفقد الكثيرون منهم حياتهم أو ما في حوزتهم من مال قبل وصولهم إلي إحدى الدول الأوروبية.
ومن المؤسف أن المجتمع الدولي لا يزال يتجاهل الأوضاع المأساوية لهؤلاء المرحلين من ديار آبائهم وأجدادهم، ولا يمارس الضغط على النظام العراقي لإيقاف حملات الطرد الجماعية والسياسة العنصرية المناوئة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 لسنة 1991ولجميع المواثيق الدولية التي التزم بها العراق كونه عضو في الأمم المتحدة وفي هيئاتها العديدة.(50)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من سكان المدينة. وتعرضت الأحياء الكردية إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، خاصة بعد تعرضها من جديد لهجوم شرس شنته القوات الخاصة وقوات (مجاهدي خلق) الذين فتكوا حتى بالجرحى الراقدين في المستشفيات، مما أجبر الناس على الخروج من كركوك والتوجه نحو السليمانية وأربيل، فقامت تلك القوات و(العرب الوافدين) بنهب ممتلكاتهم.
(47) نشرت منظمة العفو الدولية والمنظمة الكردية لحقوق الإنسان في بريطانيا ومنظمات حقوق الإنسان في كردستان والمراكز التي تأسست للدفاع عن حقوق أبناء كركوك، خاصة المرحلين والمؤنفلين منهم، في كل من السليمانية وأربيل وفي أوروبا، نشرت قوائم بأسماء المرحلين مع بيان تأريخ طرد كل عائلة. ونكتفي هنا بالإشارة إلى القوائم التي نشرتها مجلة (كركوك) في عددها الخامس، ومجلة (هاواري كركوك) في عدديها الثالث والرابع، وفي الدراسة القيمة التي نشرت في السليمانية تحت عنوان (أربع سنوات في خدمة المرحلين عن كركوك) التي تتضمن أسماء وعناوين وتاريخ طرد آلاف العوئل الكردية خلال السنوات 1996، 1997، 1998 و1999.
(48) كانت نسبة القومية الكردية في لواء كركوك بموجب إحصاء عام 1957، 3،48%، وانخفضت في إحصاء عام 1977 إلى 53،37%، بينما ارتفعت نسبة القومية العربية من 2،28% في إحصاء عام 1957 إلى 14،44%، والقومية التركمانية انخفضت نسبتها من 4،21% في إحصاء عام 1957 إلى 13،16% في إحصاء 1977. وتوضح هذه النسبة العالية في الارتفاع والانخفاض السريع وغير الاعتيادي أساليب النظام ولجوئه لإجراءات قسرية
وغير طبيعية، من بينها ترحيل عشرات الألوف من العائلات الكردية وآلاف من العائلات التركمانية جبراً عن كركوك وأطرافها، مع جلب المزيد من العائلات العربية من مناطق أخرى من العراق لتوطينها في هذه المدينة وفي أطرافها. وبطبيعة الحال ستكون نتائج إحصاء عام 1997 -غير المعلنة لحد الآن- اكثر دلالة في فضح ممارسات
النظام، خاصة بعد إجباره المواطنين الكرد على (تصحيح قوميتهم) وترحيل من لم يملأ تلك الاستمارات الشاذة إلى
والمؤسف أيضاً أن معظم أطراف وفعاليات المعارضة العراقية لا تزال تتجاهل هي أيضا ممارسات النظام ولا تدينها بصورة صريحة، وهو ما يضع مسألة الثقة بين العرب والكرد في امتحان عسير وما يترتب على ذلك من آثار قد تهدد الكيان العراقي بالانهيار.
إن من واجب جميع المخلصين لوحدة الكيان العراقي ولاستمرار العلاقات التاريخية بين العرب والكرد والتركمان والكلدو-آشوريين إدانة سياسة النظام العراقي الرامية إلي تغيير الواقع القومي في كركوك وفي المناطق الأخرى من كردستان الخاضعة لسيطرة النظام. ويجب قبل أن تتفاقم سياسة النظام وتصل إلى حد طرد جميع السكان الأصليين من كرد وتركمان وكلدو-آشوريين من هذه المناطق وما يترتب علي دلك من آثار خطيرة، وضع هده المناطق تحت حماية المجتمع الدولي تطبيقاً للقرار الدولي رقم 688 الذي يلزم الحكومة العراقية باحترام حقوق الإنسان في العراق بوجه عام، وفي المنطقة الكردية بوجه خاص.
إن استمرار النظام العراقي في تنفيذ سياسته الرامية الى إخلاء كركوك من سكانها الأصليين وعدم اكتراثها بالاحتجاجات شبه المستمرة والتقارير الدورية للمنظمات العالمية المهتمة بحقوق الإنسان وبتقارير المنسق الدولي لحقوق الإنسان في العراق، يؤكد أن لاشيء يوقف النظام عن تنفيذ سياسته العنصرية هذه إلا بإجباره على إيقاف الترحيل، مع إلزامه بإعادة المرحلين إلي ديارهم تحت إشراف دولي، فضلا عن إعادة المستوطنين العرب الى المناطق التي جلبوا منها. ولا يتم ذلك إلا بوضع هذه المناطق تحت حماية دولية لحين سقوط النظام وإقامة نظام ديموقراطي سليم في العراق، وهو ما طالبت به عشرات التنظيمات المدنية والأحزاب السياسية الكردستانية والهيئات والمنظمات والشخصيات العالمية المعروفة التي قدمت مذكرة في 29 كانون الأول 2000موجهة إلى رئيس وأعضاء مجلس الأمن وجميع الهيئات الدولية الأخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المناطق المحررة من كردستان، مع استمراره في جلب الألوف من العوائل العربية لتوطينها في المنطقة. راجع الدكتور خليل إسماعيل خليل، البعد القومي لسياسة (الترحيل والتجميع) في محافظة كركوك، مجلة (هاواري كركوك)، العدد الأول، أيلول 1998، ص 128 وما بعدها.
(49) خطاب عزة الدوري في كركوك في بداية أيلول 2000، وتأكيده على ذلك في كلمة أخرى أمام المسؤولين البعثيين والعسكريين في المدينة في اجتماع آخر له بمناسبة وجوده فيها. جريدة (الحياة) ليوم 21 أيلول 2000.
(50) في مذكرة أرسلت إلى رئيس وأعضاء مجلس الأمن وجميع هيئات المنظمة الدولية وعدد من دول العالم، وجه (مركز كركوك للبحوث والدراسات) مع (122) تنظيما مدنيا وحزبا سياسيا كردستانيا من داخل وخارج كردستان، بالاضافة إلى عدد كبير من المنظمات والشخصيات المهتمة بحقوق الإنسان في أوروبا، طالبوا فيها المجتمع الدولي بوضع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام تحت إشراف دولي تطبيقا للقرار الدولي رقم 688 لسنة 1991بسبب ممارسة النظام العراقي لسياسة التطهير العرقي ضد القوميات غير العربية فيها، وذلك أسوة بما قرره في مناطق أخرى من العالم تعرضت أيضا لسياسة التطهير العرقي. راجع نص المذكرة المنشورة في ملحق مؤلفن
|