تصحيح العلم ماهذا الذوق الرفيع
عبدالوهاب طالباني
حاولت الاحزاب العراقية المشتركة في ادارة العملية السياسية منذ اسقاط الحكم الدكتاتوري ، بأستثناء التحالف الكوردستاني ، الابقاء على العلم العراقي الحالي الذي يعبر حسب القانون الخاص به عن النزعات العنصرية والدكتاتورية للحكم المقبور وحزبه الحاكم ، وقد غضت تلك القوى النظر عن تغييره على الرغم من الاتفاق على ذلك سابقا ، ويبدو ان لكل مجموعة سياسية من تلك المجموعات عذرها في الالتفاف على قرار تغييره ، ولم يأخذ الموضوع ابعادا حقيقية الا عندما اعلن رئيس اقليم كوردستان وبكل صراحة ووضوح بأنه لن يقبل برفع ذلك العلم في اقليم كوردستان كونه علم يستند في كل رموزه قانونا على مبادئ حزب عنصري انتهى دوره الاسود الى الابد في العراق ، اضافة الى كونه العلم الذي تم تحت ظلاله انفلة وقتل مئات الالاف من ابناء الشعب الكوردي والعراقي . واثر ذلك الموقف قامت قيامة كل القوى السياسية العربية العراقية ، حتى القوى التي كانت تعادي حزب البعث ، بل ان دولا اقليمية بدت هي الاخرى ، وفي مواقف غير غريبة ، هي الاكثر اهتماما بالموضوع والاكثر دفاعا عن علم الدكتاتورية ، ومعلوم ان بعض تلك القوى لم يتخذ تلك المواقف الا لان اقليم كوردستان رفع في محل علم (الوحدة والحرية والاشتراكية) علم الشمس الكوردية الصفراء وبألوانه (الاحمر والابيض والاخضر) ذلك العلم الذي اعمى بصيرة وبصائر الفاشيين والعنصريين في الداخل وفي الخارج ، فأخرجهم من اطوارهم ، وبدأوا يصورون الامر كأن الكورد ارتكبوا جريمة شنيعة عندما حاولوا ان يرمزوا الى وجودهم بتلك الراية الخفاقة التي تحمل في الوانها ورموزها كل الاباء والشمم والتسامح الكوردي ، وتشي بكل تواريخ المواجع الكوردية ، بينما شمسها ذات الواحد والعشرين شعاعا ترمز الى الحكمة الكوردية التي اضاءت افاق بلاد الميديين الكورد قبل اكثر من الفين وخمسمائة عام بل تعدت تلك الحدود لتصل الى كل بلاد الهند والافغان . اضافة الى كون هذا العلم يحمل بعدا قوميا كوردستانيا صميميا ، كونه العلم الوطني لجمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد (1946) ، والذي يضيف الى قيمته القومية الكثير من القدسية انه كان امانة من القائد الشهيد (القاضي محمد) رئيس جمهورية كوردستان في مهاباد بكوردستان الشرقية الذي اعدمه النظام الشاهنشاهي البائد ، ابقاها لدى رمزالحركة التحررية الكوردية المعاصرة الراحل الكبير مصطفى البارزاني حيث اوصاه الشهيد ان يحتفظ به امانة عزيزة ليرفعه في الوقت المناسب ، وكان ان جاء ذلك الوقت المناسب بعد تأسيس حكومة اقليم كوردستان واسقاط الدكتاتورية .
والان ، وبعد ان جد الجد ، ولم يبق امام القوى التي اقامت الدنيا ولم تقعدها اثر امتناع كوردستان من رفع علم (الرسالة الخالدة..) ، ورفرف علم كوردستان فوق اقليم كوردستان وتحقق حلم الملايين الكوردية وحلم الشهيد قاضي محمد والراحل الكبير البارزاني الاب ، واصبح موعد مؤتمر البرلمانيين العرب في اربيل على الابواب ، وبعد ان ذكر السيد مسعود بارزاني الحكومة الفيدرالية في بغداد بوعودهم التي اعطوها بتغيير علم حزب البعث ، لم يبق امامهم الا التحرك السريع (كحالتهم في تنفيذ المادة 140!!) ، فهاج القوم وماجوا ، وتداعوا الى سرعة التحرك اذ ربما سيكون بين الذين سيحضرون مؤتمر البرلمانيين العرب في اربيل من لا يصمد اما شعاع الشمس الكوردية في علم كوردستان المرفوع فوق كل الهامات ، فتصيبه الجلطة فلا مناص اذن من رفع علم (العراق العظيم) ايضا ، فاجتمعوا وتفرقوا وتصايحوا واقترحوا وقرروا وخرجوا بالنكتة الفريدة من نوعها وهي الابقاء على العلم نفسه ، بكل اشكاله ورموزه ولكن مع اجراء عمليتين ترقيعيتين اثنتين فقط عليه وهما : تغيير معاني النجوم الثلاث من (وحدة ، حرية ، اشتراكية) الى ( السلم ، التسامح ، التصالح) ، بالتأكيد ان الكلمات الثلاث تلك لها معاني جميلة ولا يمكن الاعتراض عليها ، ولكن لماذا لم تختر كلمات ينص عليها الدستور العراقي مثل الفيدرالية والديمقراطية والسلام او اية صيغة اخرى تكون قريبة من المعاني العميقة لحالة التغيير الجذري الذي حدث باسقاط النظام السابق ؟ ..يعني هل ان كلمة المصالحة (التصالح) يجيب ان ترافق الحالة العراقية الى الابد وتذكر الناس بالقتل على الهوية والتفخيخ والتفجير والاغتيال والذبح !!
و(التغيير) المعجزة الثاني الذي حدث كما تناقلت الانباء هو تغيير شكل كتابة عبارة (الله اكبر) الى الخط الكوفي وان يكون باللون الاصفر موشحا بالاخضر ، وهكذا اختصر الوجود الكوردي داخل العبارة التي كتبها صدام حسين لاغراض لا تمت ابدا الى احترام لفظ الجلالة او الايمان بالله بشيء ، بل كتبها في وقت كان يريد جر المزيد من الناس تحت اسم الجلالة الى الموت في حرب طاحنة لم تكن لها اية علاقة لا بالله ولا بأنبيائه ولا بمصلحة الشعب العراقي او العربي او الاسلام .
منطقيا ، ليس من حق احد اختصار الانتماءات الدينية للعراقيين وتثبيت حالة غير حقيقية ليكون العلم علما من اعلام الفتوحات الاسلامية باعتبار ان العراقيين كلهم مسلمون ، مثل السعودية ، وتهميش الاعداد الكبيرة جدا من المسيحيين والكورد الايزديين والصابئة المندائيين ، وليس منطقيا لدولة تتبنى الديمقراطية والحكم المدني حسب الدستور التلطي وراء الشعارات الدينية مع كل الاحترام لتلك الشعارات ، كما انه ليس حلا ان يكون الرمز الكوردي في علم العراق مختبئا في عبارة ( نجلها كلنا) كتبها (بطل!) الانفالات ومدمر اكثر من 3000 مسجد وجامع في كوردستان . والمسألة تبدو كأن هناك من اراد ان يذكر الكورد (اللون الاصفر) بأنهم مسلمون بثقافة عربية (الخط الكوفي الموشح بالاخضر) اكثر من اي شيء اخر ....بل انهم مسلمون ( ولا احد ينكر ان معظم كرد العراق مسلمون) ولكن في بوتقة ارث خلفه قاتلهم ، والفرق الوحيد انه يكتب هذه المرة باللون الاصفر!
حتى في (تصليح) العلم لم ينس البعض اللعبة القديمة الجديدة التي كان الكورد ضحيتها دائما وقصة التعريب ، يبدو انهم لم يكتفوا بكركوك وخانقين وسنجار ومندلي والمادة 140 المغتصبة ، فيريدون الباسها لنا هذه المرة وبأسمه تعالى ، وعلى بساط العلم ، فيبطحون الكورد كلهم على (الكوفي) بذريعة التخلص من خط صدام لان( الكورد انفسهم طالبوا بهذا) والا فالجماعة لم يعترضوا على الخط ابدا ..! ويحاصرونهم بالاخضر بذريعة ان لا يضيع الاصفر في الابيض ...او للتأكد بأن الاخضر يحيط بالاصفر.... ابدا!.
الله ...ما هذا الذوق ( الرفيع !) ؟!
اليس هذا ضربا من الضحك على الذقون ؟ وذقوننا نحن الكورد قبل غيرنا من العراقيين الذين ، من الاساس ، نسيهم علمهم الجديد.
*******************
قال (دلدار) شاعر المارسيليز القومي الكوردي في الترديدة المتكررة لنشيد (ايها الرقيب):
لا يقولن احد ان الكورد منتهون)
الكورد احياء
احياء ...ولن تنتكس رايتنا)
دلدار يقصد راية كوردستان .... منذ ان نظم ابيات النشيد والى يوم قيام الساعة