|
|
|
ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة محمود الوندي هناك مأساة وإشكاليات في الثقافة العراقية .. هي هذا الخلط .. وهذا الجهل .. ولحد الساعة لا ندري من هو المثقف الحقيقي : هل هو صاحب الشهادات والتفكير الاكاديمي وليس له ارتباط بأي جهة حزبية معينة ، سوى يعيش الحاضر مهموما بالمستقبل ويعالج المشكلات اعوجاج سياسي واجتماعي واقتصادي وتربوي في البلد من خلال كتاباته ومتابعته ويضع نصب عينيه مبادئ العدل والإنسانية والوطنية ، او المثقف الذي يرتبط بعملية سياسية وحزبية معينة ويصبح دمى بأيدي الزعماء وصناع القرار والذي يفقد حريته وإرادته وشخصيته ( ويعرف هكذا المثقف باسم واعظ السلاطين والآن واعظ الاحزاب الطائفية الذين يفضلون المطبلين والمزمرين على الاكاديمين الكفوئين ) ، هؤلاء يكونون ألعوبة وبيدقا بيد الاحزاب او من يتولى السلطة . . وهذا الانفصال الواقع بين المثقف الحقيقي والمثقف التجاري والانتهازي والمصلحي . هنا نجد بعض المثقفين يفهمون ثقافة العصر ويتقنونها بصورة حسنة ويتحركون داخل المجتمع العراقي وتوجيه اقلامهم الى الخير وخدمة المواطن العراقي ، لانهم يفهمون الواقع الحالي للمجتمع العراقي ويتحملون بصدق وعن جدارة مسؤوليتهم الثقافية والإنسانية اتجاه شعبهم ومساندتهم للمظلومين ودفاعهم عن حقوق الانسان والتوجه الى افراد المجتمع بالكلمة لتوضيح واقع سياسي حالي وفكري يوغل في متاهات عدة قد تؤدي به الى الهلاك . لكن بالمقابل ما نجد البعض الاخر من المثقفين الذين يعيشون الاوهام والسراب ، ويبحثون عن مصلحتهم الخاصة فقط ، يقومون بدور التحريض والوشاية ضد من اختلف معهم والصاق التهم المختلفة بهم ، والهدف من هذه الاتهامات في للتغطية على افكار وسياسيات السلطة او الاحزاب الطائفية المختلفة . هؤلاء المثقفين من المتغاوين والمهرجين لا يحسنون إلا أدوار الطعن وإلغاء الآخر وإظهار قوتهم ، وتسيطر على عقولهم وافكارهم ثقافة أحادية الجانب ذات طابع انعزالي ونزعة شيفونية وغير قادرين على استقبال قيم التعددية ، لذلك يتخذون من خصومهم وجدالهم العقيم شعارا في الحياة بدل الحق في الاختلاف مع احترام الآخر ، وينصبون لخصومهم الفخاخ حسدا وبغضا ، لذلك يصعب على المثقفين الاخرين (وخاصة منهم خلافا مع أجهزة السلطة) تعاملهم لسبر أغوار أفكار هذه الادوات المصطنعة من قبل الآجهزة الحكومية والحزبية والتمكن من طرح أفكارهم وإبداء رأيهم للرأي العام العراقي . وبنفس الوقت هكذا المثقف يغذي الصراع الطائفي والقومي الشوفيني والتلاعب بمشاعر مكونات العراقية بحيث أصبح غير قادر على قبول الآخر والإيمان بعالمية العلم والمعرفة والتطور . لانه يستقبل أحداث العصر بانفعالية وسذاجة وفوضى لعدم تملكه آليات النقد البناء وتقبله الرأي الآخر ، لان ليس لديه من أسلحة ثقافية غير هذا السلاح يستعملوه في نواحي شتى من الثقافة ، لكي يفرض ثقافته المزعومة على المجتمع العراقي . هذه أوضاع مزرية وظروف متردية للثقافة العراقية تمتد جذورها لفترات زمنية طويلة غير محددة . من الطبيعي هكذا المثقف يرفض الثقافة الجديدة ، ويتغنى بالماضي والأمجاد العتيقة بعيدا عن الحاضر والمستقبل ، واغلق باب التطور والتفاهم على نفسه واهتم بالهوامش والشروح الماضية ، ويعيش في قوقعته الخاصة وغياب منهجه الصحيح لخدمة المجتمع لانه تربى على ايقاعه النشار منذ نعومة اقلامه ، وواقعه يزداد تخلفا وتبعيا لاعتماده على الثرثرة والتفلسف حيث لا يستطع في مواجهة المثقف المتنور ولا يتمكن حاوره ويفتح جسور الحوار الحضاري معه في جو من الديمقراطية والصراحة ، لاقتناص الفرص لكي يتفاعل معه او يستفيد منه بطريقة جديدة من أجل انتشال الثقافة العراقية من حالات الانحطاط الى حالات الازدهار والتطور ، بل يتعلق بجزء من المعتقدات ذات الطابع التقليدي التي لا تجر معها سوى الويلات والحروب الطائفية والمشاحنات القومية والدينية . حيث تمارس ابشع الطرق الإقصاء والإلغاء ضد خصمها واستغلال التعصب الديني والقومي لمحاربة أدعاء الديمقراطية دون اعطاء فرصة للإنسان الكفوء للانطلاق والتوسع في مجالات التفكير ، واستعمال لأي إيديولوجية من المقدسات الدينية او القومية التي تكبل حرية المواطنين في الاختيار النوعية . لان هذه الآفكار لا تؤمن على المستوى الفكري بالديمقراطية . ونجد هولاء ما يسمى بالمثقفين تكون اقلامهم اقراشا ضارية لانهم يطرحون ثقافة هزيلة ومناقضة على مدى سنين ماضية وثقافتهم المحددة تدور في الحلقات المفرغة ، هؤلاء من المستحيل ان تنقي من قلمهم المسموم وكلامهم المسعول ولا يستطيعون ان تغيير افكارهم الهزيلة والمتخلفة والحاقدة ، ويجعلونها دائما محبوس في مساحات ضيقة وحدود مغلقة ، وانهم على أسوء حالات التردي والانحطاط حتى اصبحت كلمتهم المعتادة على الالفاظ الهابطة والشتائم الرخيصة وتلفيق التهم الى غيره بمناسبة وبغير مناسبة ضد من اختلف معهم . فكل شيء لدى هكذا المثقفين مباحة حتى لو كانت تخدش المسامع من العبارات البخسة والوضيعة . وبوسائل الطرق تحاول تختفي للحقيقة تحت ركام هائل من الكذب والدجل تحت راية الدين او القومية . وتحاول التنكيل بالطرف الثاني وإقصائه على الساحة الثقافية العراقية وعمدا تفريغ العراق من نخبه المثقفة والمتنوعة وإبقائه بعيدا عن الوطن وأبقائه مهاجرا ومغتربا عن وطنه تحت يافطات مختلفة ومسميات عديدة واتهامات بجملة من التهم الرخيصة وتشويه سمعته بأي ثمن كان للحفاظ على مكانه او منصبه ، ( وهذا يعد جرما خطيرا ) . كما هو المعروف للمجتمع العربي والاسلامي ان تاريخ العراق الثقافي منذ القدم انتج ثمة المثقفين واروع المبدعين في كافة الميادين وقد خدموا الثقافة العراقية بدون اي ثمن معنوي او اغراء مادي وكانو عربا وكوردا وتركمانا وسريانا وكلدانا وصّبة مندائيين . الان المثقف العراقي الحقيقي قد أصابه شلل ويتهمش من قبل القوى السياسية المتخلفة تعمدا بسبب بعده عن الاحزاب السياسية والسلاطين ولم يقبل ان يكون مجرد أداة في عملية سياسية ، وعدم بيع صوته وقلمه وضميره بأثمان رخيصة وبائسة .
|